الاتحاد

الملحق الثقافي

نورثروب فراي في «المدوَّنة الكبرى»

لم يكن الكاتب والأستاذ الجامعي الكندي نورثروب فراي 1912 ـ 1991 قد نحت مصطلح «المدوَّنة الكبرى» الذي اختاره كعنوان في كتابه «المدوَّنة الكبرى/ الكتاب المقدَّس والأدب». لكن تواضع فراي الأكاديمي النبيل، وإحساسه المرهف بالمسؤولية العلمية، جعلاه يشير إلى أنه استعار هذا المصطلح من الناقد الإنجليزي الشهير وليم بليك الذي بدوره أطلقه على «الكتاب المقدَّس» عندما قال:

«إن العهدين، القديم والجديد، هما المدوَّنة الكبرى»، حتى راقَ لفراي توظيفه في كتابه آنف الذكر، وهو الكتاب الذي تجشَّم عناء ترجمته بصبر دؤوب من الإنجليزية إلى العربية الناقد والمترجم العراقي سعيد الغانمي، وصدر بالتعاون عن منشورات «كلمة» في أبوظبي، ومنشورات «الجمل» في كولونيا بألمانيا هذا العام. ليس نورثروب فراي 1912 ـ 1991 بالناقد الغريب على القارئ العربي؛ فقد سبق وقرأنا له كتابه «تشريح النقد/ 1958» الذي ترجمه إلى العربية الدكتور جابر عصفور، وتلقفه القراء الأكاديميون وغيرهم من النُّخب المثقَّفة لما فيه من مادَّة ثرية تؤسس لفلسفة جديدة في النظرية النقدية قوامها التحوُّل من مجرَّد «الاقتصار على الجانب التطبيقي العملي في الدراسة الأدبية، إلى تفحُّص الأُسس الفلسفية والسياسية التي تقوم عليها الممارسات التأويلية والتقويمية الأدبية.. وذلك يتطلَّب تسليط سهام النقد على النقد ذاته بداية، ومن ثم بناء نظام نقدي عبر قوانين موضوعية يمكن للنقد ذاته أن يصبح منظَّماً من خلال استنباطها، وأن يغدو، تالياً، نظرية بكل ما تنطوي عليه النظرية من طاقة في القوننة والتعميم. وتتخذ القوانين الموضوعية لدى فراي أسماء متعددة هي: الصيغ، الأنماط البدئية، الأساطير، الأجناس»، كما يقول ذلك الدكتور ثائر ديب.

رؤى فلسفية

إن رؤية فراي الفلسفية في «تشريح النقد» تؤسس لاشتغالاته القرائية في «المدوَّنة الكبرى..». فـ «الكتاب المقدَّس» ينتمي إلى عالم الصيغ، والأنماط البدئية، والأساطير، والأجناس. لذلك يعتقد فراي أن «الكتاب المقدَّس» ليس نصاً منظَّماً على غرار الروايات، بل هو من النُّصوص الترقيعية Bricolage، أي تلك النُّصوص التي تتكوَّن من «الجمع بين كِسَر وقطع متناثرة من كل ما يقع تحت اليد»!. وفي الواقع كان ليفي شتراوس في كتابه «العقل الوحشي/ 1966» قد نظر إلى النَّص الأسطوري على أنه نصاً ترقيعياً، وهذا ما كان حافزاً للشاعر والناقد الإنجليزي توماس إليوت لاستلهام تلك الفكرة، والسعي إلى محاولة «استخراج نظام فكري من كل ما تقع عليه يداه من حطام ونثار في قراءته». وهنا بالضبط تكمن النقلة المنهجية لفراي من «تشريح النقد» إلى «المدوَّنة الكبرى»؛ فبطريقة ما، يقول فراي ـ حاولتُ «النظر إلى الكتاب المقدَّس بوصفه عملاً من أعمال الترقيع في كتاب هو أيضاً ترقيع!» بحيث يمكن النظر إليه من خلال قوانين فراي الموضوعية آنفة الذكر. ببساطة، ينظر فراي إلى اشتغاله في كتابه هذا على أنه «يحاول دراسة الكتاب المقدَّس من وجهة نظر ناقد أدبي». وعندما شرع بوضع فصوله كان يروم إجراء «مسح استقرائي عميق للصورة الفنية والسرد في الكتاب المقدَّس». لكنه، وكلما توغَّل في بحور فصوله، نراه وقد أغوته مفاتن ترقيعات «الكتاب المقدَّس»، فكان كتابه «المدوَّنة الكبرى». نلاحظ على فراي أنه لا بريد لكتابه هذا أن يكون دراسة أكاديمية مغلقة على الدرس الجامعي رغم أنه بالفعل ألقى فصوله نقاشاً على تلامذته في سنوات متتالية خلت. كما أنه لا يريده كتاباً غارقاً فيما هو لاهوتي، ولا حتى «الباحث المتخصِّص في الكتاب المقدَّس» إنما هو ناقد يسعى لبيان تأثير «الكتاب المقدَّس» في كبريات نصوص الأدب الغربي، وفي الخيال الإبداعي الغربي، وفي التراث الغربي عامة. ما هو شائع أن الدراسات حول «الكتاب المقدَّس» إنما تنقسم ـ من منظور فراي ـ إلى دراسات نقدية تهتم بالخلفية التاريخية والثقافية للكتاب المقدَّس. وإلى دراسات تقليدية يجريها المقربون والمرتبطون بالمؤسسة الدينية الكنسية. أما فراي فيشق لعمله هذا طريقاً ثالثاً قوامه البحث في الكيفية التي تمثَّل بها المبدعون الغربيون ترقيعات «الكتاب المقدَّس» سواء في أجزائها المتناثرة كما هي أم في خطابها الموحَّد الناتج عن تجاور وتناص تلك الترقيعات فيما بينها لتظهر لنا بهوية خطابية ونصية واحدة. يأخذ فراي على الدراسات الأدبية حول «الكتاب المقدَّس» تراجعها لفترة طويلة من الزمن بسبب انغماس الباحثين الكبار والصغار على ما هو دُنيوي أو على ما يسميه فراي بـ «التاريخ الدُّنيوي». لكنه، وبعد قليل، يؤكِّد صحوة الدراسات الغربية من سباتها نحو الاهتمام به، بل صار النقاد المعاصرون يعون جيداً «صلة النقد الكتابي بالأدب الدُّنيوي». ومن المفكِّرين اللامعين في هذا المجال يذكر فراي كل من هانز جورج غادامير في كتابه «الحقيقة والمنهج/ 1975»، وبول ريكور في كتابه «صراع التأويلات/ 1974»، وولتر أونغ في كتابه «حضور الكلمة/ 1967».

بحوث في المخيال

في ضوء هذه الموجهات النظرية والمنهجية، يشرع فراي بالدخول إلى عالم «الكتاب المقدَّس» ليبحث عن تأثيراته في المخيال الذي أنتج النَّصوص الأدبية والإبداعية الغربية، المقروءة منها والمرئية وبالتالي المسموعة. في الفصل الأول «نسق الكلمات» يدخل فراي على عالم اللغة، ليس بالطبع لغة «الكتاب المقدَّس» نفسه، بل اللغة التي يستخدمها الناس عند الحديث عن هذا الكتاب وما يرتبط به من قضايا خاصة بمن خلال أطوار اللغة الثلاثة؛ الطور الاستعاري، والطور الكنائي، والطور الوصفي. ويمضي فراي بمناقشة جملة من الرؤى التفسيرية التي نضَّدها كبار اللغويين الغربيين بشأن «الكتاب المقدَّس» ليقف عند الجوانب الاستعارية والبلاغية والخطابية والإبلاغية التي يضمها «الكتاب المقدَّس». ومن ثم ينتقل إلى دراسة الأسطورة بوصفها الحامل اللغوي للبلاغ في ظل إيمانه بأن «نزع الأسطورة عن الكتاب المقدَّس شيء يعني إلغائه». ولا يغفل البنية الاستعارية فيه، خصوصاً وأن «الكتاب المقدَّس» مليىء بالمجازات اللغوية. لينتهي إلى دراسة ظاهرة التنميط. في القسم الثاني من الكتاب يتناول فراي ما يسميه بـ «نسق الأنماط» في «الكتاب المقدَّس» الذي يوصف محتواه بأنه «وحي ينطوي على متوالية أو تقدم جدلي» تصب كيانها في «سبعة أطوار رئيسة هي: الخلق، والثورة، والقانون، والحكمة، والنبوءة، والإنجيل، وسفر الرؤيا. وتجد خمسة من هذه الأطوار مركز ثقلها في العهد القديم، واثنان في العهد الجديد». يعود فراي في الفصل السادس إلى دراسة الصورة الفنية في «الكتاب المقدَّس» حيث صور الماعز والأغنام والمراعي وصور الحصاد وجني الكروم والمدن والمعابد، وكل صور من هذه الصور تنتمي إلى ما يسميه فراي بـ «العالم الرؤيوي». ومن ثم ينتقل إلى الفصل السابع لدراسة السرد في بنية هذا الكتاب. وفي الفصل الثامن يختم كتابه بدراسة تجليات وتوظيفات البلاغة كما وردت في ترقيعات «الكتاب المقدَّس». ما وجدته في هذا الكتاب غير ما كنتُ أتوقعه من نورثروب فراي؛ فقد كنتُ أتمنى بالفعل أن أعثر على تأثير «الكتاب المقدَّس» في النصوص الأدبية الكبرى التي أنتجها كبار المبدعين الغربيين، لكني وجدتُ فراي غارقاً في بنية «الكتاب المقدَّس» ذاتها ليخوض في مطاويها مقارناً ومحللاً ومفككاً من دون اللجوء إلى مزيد من القرائن التي تدل على أثره في بناءات المتون الإبداعية الكبرى.

الكتاب: المدونة الكبرى: الكتاب المقدس والأدب
المؤلف: نورثروب فراي
المترجم: سعيد الغانمي
الناشر: كلمة/أبوظبي، ومنشورات الجمل/كولونيا ـ ألمانيا

اقرأ أيضا