الاتحاد

الملحق الثقافي

دعوة إلى الكسل اللذيذ

يحمل هذا الكتاب عنوانا طريفا وربّما يبدو غريبا، وهو: «الفنّ الصّعب بأن لا تفعل شيئا تقريبا»، L’art difficille de ne presque rien faire للكاتب الفرنسي: دونيس جروزدا نوفيتش. والكتاب دعوة لكل قارئ بأن يحيى كما يحلو له، كأن يطالع كتابا منسيّا بين الرّفوف أو أن يمارس الرّياضة الّمحببة، وأن يتمتّع بقيلولة في حديقة المنزل، وأن يتأمّل أسراب الطّير وهي تحلّق في السّماء، فهذا هو نمط الحياة الّذي يرغب المؤلف في التبشير به في عالم عمّ فيه الصّخب والتّلوث والسرعة واللهث وراء المال والاستهلاك.

والكتاب هو دليل للاستفادة من كلّ يوم في الحياة بفنّ وشاعريّة، وقد قال بعض النّقّاد أنّه «كتاب ممتع ويمكن أن تتذوّقه بين قيلولتين». يقول المؤلّف: «دع العالم في حروبه، ونزاعاته واضطراباته، ودع النّاس وهمومهم المادّيّة، واختر لنفسك حياة بسيطة، هانئة، هادئة وسعيدة، امش الهوينى وأنت تتنزّه، طالع الكتب المفيدة الممتعة، واستمتع بالطّبيعة وجمالها، وراقب الحيوانات، وتأمّل الأشجار والأزهار وستكتسب من ذلك الحكمة والسّعادة». ينظّر المؤلّف في كتابه (334 صفحة) إلى كيفيّة الاستمتاع بالحياة بدون أن نفعل شيئا تقريبا، والكتاب يشبه الدّليل لمن يريد أن يعيش دون ضغط نفسيّ، وفيه دعوة للكسل اللذيذ والذي يحقق المعادلة بين الراحة والاستفادة من الحياة. ويضيف المؤلّف: «في هذا العالم المسرع جدّا في نظري، والّذي يكاد لسرعته أن يفقد أنفاسه، في هذا العالم الغامض فإنّي أقدّم تصوّري عملا بالقول: «ليس لأنّه لا شيء أقوله فإنّ عليّ أن أغلق فمي». وهو يؤكّد أنّ النّاس مشغولون دائما، لا فضول لديهم لأنّ لا قدرة لهم على الكسل، ويجزم بأنّنا نعيش في زمن يتّسم بالوحشيّة والعنف. والكتاب يطرح السّؤال الوجودي التّالي: كيف نتمتّع باللّحظة الّتي نحياها؟

متعة القيلولة

يقول المؤلف: «إنّي أحبّ ساعات القيلولة الّتي يداعبني فيها نوم لذيذ خفيف، حتّى أنّي أتمنّى أن يداهمني الموت ـ إذا حان أجلي ـ وأنا في قيلولة في فصل الصّيف، تحت أشجار مورقة على حافّة نهر وبين يديّ كتاب وأنا أبتسم للملائكة». ويتساءل الكاتب: «لماذا يحبّ الشّعراء القطط؟ والجواب هو: لأنّ القطط تقضي كامل وقتها في النّوم والحلم، وهو ما يمثّل التّوازن الكبير الّذي تتمتّع به». والمؤلف ـ وهو بطل سابق في رياضة التنس ـ يشبّه حياته الحالية بقيلولة مستمرّة، إشارة إلى اختياره عن وعي أسلوبا مختلفا لحياته يتّسم ظاهريّا بالكسل، ولكنّه في حقيقته يعكس نظرة مختلفة للحياة والمال والزّمن، فإذا كان النّاس في الغرب يركضون من أجل كسب مزيد من الثروة، وتوفير أكثر فرص الاستثمار والرّبح، فإنّ المؤلّف له فلسفة أخرى لعيشه، فهو في فصل الصّيف مثلا، وبعد تناوله غداء منتصف النهار يلذ له أن يستلقي تحت شجرة وارفة الظّلال على حافة نهر، متأمّلا الطبيعة ومتصفحا كتابا ممتعا، وبعد مطالعة عشرة أسطر يرتمي في نوم هادئ لا يعكره شيء من مشاغل الحياة ومتاعبها. وإذا تواجد المؤلف في باريس، فإنّه يفضّل التّسكع في شوارع المدينة والتّجوال داخل أزقّتها، ويلذ له التّوقّف عند باعة الكتب القديمة المتواجدين على ضفاف نهر «السين»، وإذا كان الطّقس جميلا فإنّه يقضي السّاعات الطّوال في حديقة لكسمبورغ الشّهيرة والواقعة بالحيّ اللاّتيني بالعاصمة الفرنسيّة. يجلس على العشب ليلعب الشّطرنج مع أشخاص يشاركونه نفس النظرة للحياة والناس. يدعو المؤلّف للتّخلّص من «وجع الرأس»، ولا يجد مبررا لتعقيد الحياة، بل انه يرى ضرورة ترك همومها جانبا، والاستمتاع بكلّ ما هو جميل ومفيد، كما لا يغفل الكاتب دعوة القرّاء إلى الأكل اللّذيذ، وتناول المرطّبات الطّيّبة الشّهيّة.

سحر البيان

وعن أحبّ شيء إليه يقول الكاتب: «هذا الّذي لا أعرف ما هو بالضبط، وهذا الّذي يكاد يكون لا شيء» وفي كتابه يحث على الضّحك والمسرّة والتفاؤل، والمؤلّف يحب الارتماء بين أحضان الطّبيعة مستمتعا بزقزقة العصافير وخرير المياه، ولا شيء يعكّر صفوه ويقلق راحته سوى هاتفه الجوّال إذا ما نسي إقفاله. ويروي دونيس جروزدا نويتش شذرات من حياته لتفسير قناعاته ومواقفه يقول: «كنت في شبابي وعلى امتداد عامين أذهب إلى جامعة السربون أستمع إلى دروس الفلسفة الّتي يقدّمها الاستاذ فلاديمير جانكيليفيتش، وهي دروس أثرت فيّ أيّما تأثير، وما كان يجلبني هو أسلوبه في إلقاء دروسه، وكانت محاضراته شيّقة ومفيدة، يمتزج فيها الجدّ بالهزل. كان يقدّم فيها الرّأي والرّأي المناقض بأسلوب السّهل الممتنع، فكان بذلك يجمع بين العمق والتّفكّه. وما كان يغريني في دروس فلاديمير جانكيليفيتش يمكن تلخيصه في: «هذا الّذي لا يمكن أن أحدّده»، كنّا نستمتع بالمحاضرات الّتي كان يطرّزها بقصص يقدمها بأسلوب جميل. إنّه سحر البيان الّذي يحقّق المعادلة بين الفكرة الرّائقة المفيدة والاسلوب السّهل الممتنع».

حكمة صينية

وذكر النقاد أن الآراء الّتي يطرحها المؤلّف هي قريبة من الحكمة الصّينيّة مع رفض واضح لمجتمع الاستهلاك، هو يريد أن تكون الحياة قصيدة يوميّة وسيمفونية لا تنتهي، والكاتب يدعو إلى التّأمّل في الجزئيّات البسيطة الجميلة والّتي تمرّ أمامنا كلّ يوم، وهذه الجزئيّات هي الّتي تصنع الأفكار الكبيرة العميقة. كما يدعو إلى التّأمّل في السّحب والاستماع إلى الرّياح، والتمعّن في أغصان الشجر المتشابكة، ويعبّر عن استغرابه من بعض النّاس الّذين يركبون مثله القطار لقطع مسافات طويلة من مدينة إلى مدينة أخرى، ولا أحد منهم يولي أهمّيّة للمشاهد الطّبيعيّة الرّائقة الّتي تظهر من نوافذ القطار وهو يطوي الأرض طيّا. وهو يروي أنّه ركب قطارا منذ أعوام في الولايات المتّحدة الأمريكية وقد تمّ طلي بلّور النّوافذ بلون قاتم يحول دون رؤية أيّ شيء من خلال النّوافذ حتّى يخيّل لراكب القطار ـ وعلى امتداد كامل المسافة ـ أنّه يمرّ عبر قنال مغلقة مظلمة، وأدرك المؤلّف أنّ ذلك لم يكن يصيب الرّكّاب الأمريكيين بأيّ ضجر أو تساؤل، فكلّهم مهتمّون بآخر الأخبار الرّياضيّة والماليّة، ويستنتج المؤلّف: «لا غرابة إذن بأن يكون آخر اهتمام الأمريكيين هي البيئة ومقاومة التّلوّث». والكتاب هو يوميّات وقصص للمؤلّف يعرض خلالها تصوّرا خاصّا ومميّزا للحياة ونظرة مختلفة للنّاس والأشياء مستمدّة من فلسفة شخصيّة أساسها الاستمتاع بالحرّيّة والتّلذّذ بالعيش البسيط الجميل، بعيدا عن قيم المجتمع الاستهلاكيّ، والكاتب تطيب له الإقامة في الرّيف، ويودّ البقاء بعيدا عن ضجيج المدينة والاستماع إلى الرّاديو، وهو في بيت محاط بحقول ممتدّة وغابات شاسعة.

كلام في الحب

ومن أمتع فصول الكتاب هو الفصل الذي خصصه ليصف فيه علاقات الحبّ الّتي تنسج بين الباريسيّات الجميلات والرّجال أثناء التّجوال في شوارع باريس والجلوس في مقاهيها وحدائقها، وهو يؤكد أنّ الباريسيّات الجميلات يفضّلن الرّجال القادرين على إضحاكهنّ بفكر راق خلاّق وآراء ساحرة حالمة، ولذلك فهو ينصح الباريسيّين الرّاغبين في ربط علاقات حبّ وودّ مع الجميلات الباريسيّات أن يعودوا إلى درر الكتب ليأخذوا منها بليغ الكلام وأعذب الصّور ليطرّزوا بها أحاديثهم ليكسبوا ود الحسان الباريسيات.. وحبهنّ، فالحب في باريس أوله كلام عذب وحديث ساحر، وآخره لم يرد ذكره في الكتاب...

الكتاب: الفنّ الصّعب بأن لا تفعل شيئا تقريبا L’art difficille de ne presque rien faire
المؤلف: دونيس جروز دا نوفيتش Denis Grozdanovitch
النّاشر: دينوال Denoel

اقرأ أيضا