الاتحاد

الملحق الثقافي

خزائن الأولين بين أيدي المعاصرين

افتتح مركز زايد للتراث والتاريخ التابع لنادي تراث الإمارات، أولى برامجه الأكاديمية المقررة ضمن دورته الصيفية الثانية عشر بعنوان «المتاحف في دولة الإمارات.. نظرة عامة» بورقة بحثية ألقتها فاطمة المنصوري الباحثة في المركز، أوضحت من خلالها أن المتاحف هي وعاء للتراث الثقافي وبالتالي تعتبر إحدى السمات الحضارية للمجتمعات، كما تسعى إلى جمع وانتقاء المقتنيات والعينات والتحف والوثائق بهدف الحفاظ عليها، وعرض المقتنيات بصورة لائقة وضمن تسلسل تاريخي وفني وضمن البيئة التي وجد عليها المقتنى (عرض الأساطير أو القصص أو الحكايات أو الروايات)، واضطلاعه بدوره التعليمي والتربوي والعلمي، حيث أن المتحف يمثل وجهة للدارسين والمختصين والباحثين.

ولفتت المنصوري أن المتاحف إلى أن المتاحف في الدولة لم تظهر قبل قيام الاتحاد، وإنما ارتبط ظهورها بظهور الدولة في عام 1971 مرجعة ذلك إلى بعض العوامل والتي منها وعي الناس بالماضي نادراً ما يتجاوز القرنين من الزمن، وكان ينحصر في زاوية أثنوغرافية عادة ما تمثله أساليب الحياة التقليدية التي لم يطرأ عليها أي تغيير يذكر، وأن قبل قيام الدولة لم تكن حياة الناس الاجتماعية بحاجة إلى أن توثق لأن التطور المادي لم يكن سريعاً وإنما كان يسير بوتيرة بطيئة، ولكن قيام الدولة وشروعها في إحداث نهضة وتطور سريع كان من شأنه أن يحدث تغيراً سريعاً في طبيعة حياة الناس الاجتماعية والاقتصادية، كما أحدث نوع من الارتباك لدى الكثيرين وولد لديهم الرغبة في البحث عن الهوية الوطنية فلذلك بات من الضروري أن توثق طبيعة الحياة السابقة حتى لا تطويها صفحات النهضة السريعة، واعتبرت المنصوري إنشاء المتاحف في بداية السبعينيات ضرورة بهدف استكمال نقص المرافق الحكومية من المؤسسات الثقافية. كما ساهمت في ذلك التنقيبات الأثرية التي قامت بها بعض البعثات الأجنبية والعربية، مثل البعثة الدنماركية في أبوظبي وبالتحديد عمليات التنقيب التي قامت بها في منطقة أم النار عام 1958 حيث كشفت عن مستوطنة وقبور لقوم عاشوا قبل أكثر من أربعة آلاف سنة، بالإضافة إلى البعثة العراقية عام 1972 ـ 1973 في الإمارات عامة في اكتشاف الكثير من اللقى الأثرية التي لا بد من حفظها وعرضها في الوقت نفسه، فظهرت فكرة إنشاء المتاحف كحل ثقافي وحضاري لا بد منه. كما كان من الضروري إنشاء جهات متخصصة في حفظ التراث والآثار وعرضها لتصبح وجهة حضارية للباحثين وضيوف البلاد وذلك لإطلاعهم على مسيرة التطور الاجتماعي والاقتصادي التي مرت بها الدولة قبل قيام الاتحاد.

واختتمت المنصوري ورقتها بتقديم رؤية تقييمية لمتاحف الإمارات، مبينة تغيب سمة الإبداع من طريقة العرض المتبعة في المتاحف، وأن جميعها في الدولة تتشابه إلى حد ما في طريقة التقسيم والعرض مما يضفي صفة التكرار وعدم التميز، باستثناء إمارة الشارقة حيث أوجدت سلسلة من المتاحف المتخصصة والتي استخدمت وسائل عالمية في طرق العرض والحفظ. وأرجعت الباحثة العزوف عن زيارة المتاحف إلى فشل المتاحف في خلق بيئة تواصل مشتركة مع المجتمع، وقلة الإصدارات والدوريات التي تصدر عنها بسبب عدم اهتمام المتاحف بالجانب المعرفي والعلمي. إلى ذلك ألقت الأستاذة ناجية الكتبي الباحثة في مركز زايد للتراث، ورقة بحثية بعنوان «المتحف.. الوظائف والأدوار»، أشارت من خلالها أن اعتزاز الأمم بتراثها وثرواتها التاريخية، جعلها تسعى إلى حمايتها وحفظها في مكان لائق يعرف بـ (المتحف)، وهي تلك المساحة التي تهدف إلى التعريف بحضارة الشعوب وتقاليدها وصناعاتها وفنونها وإسهاماتها البارزة في بناء التاريخ الإنساني. كما أنها تعد مستودعًا لكنوز التراث وعلاماته ورموزه. وتطرقت الباحثة ناجية إلى وظائف المتاحف والتي منها الوظائف العلمية حيث أنها تساهم في الحفاظ على ما أبدعه الآخر من الآباء والأجداد من معدات وأدوات ووثائق وصور، وحفظ وصيانة المخطوطات ذات القيمة الثقافية التاريخية أو العلمية وذلك بترميم التالف منها. وأوضحت أن المتحف يحفظ تاريخ عدة أجيال خوفا من الضياع، كما أنه يتيح فرصة للإطلاع على ما حققه الآخر من منجزات في مختلف المجالات، ويتيح فرصة لإجراء دراسات تاريخية واجتماعية وعلمية وفنية وأدبية حولها، وأن المتحف يمكننا من الوقوف عن قرب على كل ما يرتبط بالذاكرة في مختلف جوانبها التفصيلية لأجل فهم الحاضر واستشراف مستقبل أفضل للجميع. كما أشارت الكتبي في ورقتها إلى الوظائف التربوية للمتحف حيث أنه يساعد القائمين على العمل التربوي كالمعلمين والموجهين التربويين إذ أنها تسهم في تعميقهم في اختصاصاتهم وتمكنهم من القيام ببحوثهم ودراساتهم المختلفة، وتغرس في نفوس الناشئة الاعتزاز بالتراث والتاريخ الوطني، وتعزز الهوية الوطنية في وجدانهم. وإلى الوظائف الاجتماعية حيث يلقي المتحف الضوء على الحياة الاجتماعية في الماضي وأشكال الأسرة وطبيعة العلاقات بين أفرادها وبين الجيران وكافة صور التعاون والتعايش بين الناس، ويبرز دور الرجل والمرأة في المجتمع وفي الحياة العملية والاجتماعية وطبيعة الحقوق والواجبات، وينمي قيم الوفاء للآخر وتخليد ذكرى كل من قدم خدمات للإنسانية في مختلف المجالات والميادين والحياة اليومية على حد سواء، وإزالة الفوارق الاجتماعية بين البشر من حيث العمل على خلق وحدة بين البشر وخلق وعي جماعي نحو التاريخ الممتد للشعوب وذلك من خلال استخدام المتاحف في المناسبات والأعياد القومية أو عمل معارض دولية في القاعات الملحقة بالمتحف. كما تطرقت الباحثة إلى الوظائف الأخرى للمتاحف، كالوظائف التثقيفية والنفسية مبينة أن المتاحف تسهم في تعميم الثقافة ونشر المعرفة وتنمية الخبرة العلمية وتزيد من المعلومات لدى الزائرين وتوسع من آفاق إطلاعهم وتفتح أمامهم آفاقا جديدة للمعرفة بأقل الوقت. وأكدت الباحثة الكتبي في ختام محاضرتها على أن تعي المتاحف أهمية الوظائف التي من أجلها أنشئت، لإنجاح مهمتها، وذلك من خلال تكاتف جميع الجهات الثقافية والتربوية والمؤسسات الحكومية والخاصة بتقديم الدعم إليها.

اقرأ أيضا