الاتحاد

دنيا

“حديقة سطيف” توليفة سياحية تمنح الجزائريين مساحة ترفيهية وتتحدى عوامل الزمن

حينما يدخل أي زائر جديد إلى حديقة مدينة سطيف (304 كم شرق الجزائر) سيعتقد لأول وهلة أنه أمام حديقة عادية تشبه عشرات حدائق التسلية والحيوانات بالجزائر، ولكنه بعد أن يتجول في أرجائها جيداً سيغير رأيه بالتأكيد ويعرف أنه دخل حديقة لها خصوصيات لا تتوافر كلها في أية حديقة أخرى بالجزائر، فهي تجمع بين عدد كبير من الألعاب وأقفاص أخرى للحيوانات وبحيرة واسعة ومساحة واسعة للآثار، وهو ما لا تجده مجتمعاً في حديقة أخرى


تقع حديقة مدينة سطيف في قلب المدينة، وقد شيدت سنة 1984 لتوفير فضاء جميل لراحة السكان وتسليتهم، وجرت عملية تنقيب واسعة عن الآثار في المنطقة من طرف فرقة متخصصة بين سنوات 1976 و1984، على اعتبار أن الرومان أقاموا مدينة كبيرة في سطيف سنة 97م وسموها “سيتيفيس” وبعد قرابة 5 قرون حل محلهم الوندال ثم البيزنطيون وأقاموا قلعة كبيرة لهم هناك، إلى أن جاء الفتح الإسلامي سنة 647م، حيث تزخر المنطقة أيضاً بآثار إسلامية متنوعة، إلا أن ولاية “سطيف” رأت أن تبني الحديقة في هذا المكان، مكتفية بما تم اكتشافه، حيث نقلت العديد من التحف النادرة المكتشفة إلى متحف المدينة.

محمية للآثار

تم تخصيص مساحة واسعة للآثار التي لا تزال بارزة فوق الأرض تتحدى عوامل الزمن والطبيعة، وأُحيطت بسياج لحمايتها ومنع زوار الحديقة من الاقتراب منها، وبقربها تقف “القلعة البيزنطية” شامخة عالية محافظة كلية على شكلها، وهي التي بُنيت في سنة 419 م حينما حل البيزنطيون في “سطيف” وبقية مدن الجزائر وطردوا الرومان منها، وحينما لاحظ البيزنطيون مدى عظمة المباني الرومانية بها، شعروا بضرورة إقامة مبان مماثلة ليكبروا في أعين السكان المحليين، فقاموا بتشييد هذه القلاع في مختلف المدن، ومنها “سطيف”، إلا أن الملاحظ أنها أقل جمالاً وفخامة من المباني الرومانية، على الرغم من استعانة البيزنطيين بالحجارة الرومانية المصقولة والضخمة لبناء هذه القلاع بعد هدم عددٍ من المباني الرومانية. وقد أغلقت السلطات المحلية أبواب هذه القلعة بدورها لحمايتها من العبث.

ألعابٌ متنوعة

قرب القلعة البيزنطية والآثار الرومانية مباشرة، ينتشر عدد كبير من الألعاب على مساحةٍ واسعة، ومنها ما هو مخصَّص للأطفال دون سن الخامسة أو السادسة كالطائرات والقطار والأحصنة البلاستيكية ولعبة خاصة بالتزحلق، ومنها ما هو موجَّه للأطفال فوق هذه السن كـ”الأخطبوط” و”القاعدة العسكرية”، و”السيارات المتصادمة”.
وتعدُّ هذه الألعاب قبلة العائلات خاصة في العطل المدرسية ويومي العطلة الأسبوعية، وهما الجمعة والسبت في الجزائر، حيث تغص الحديقة بها عن آخرها وتستقطب آلاف العائلات يومياً. وللشباب نصيب من هذه الألعاب، ولعل أهمها “بيراتا” أو لعبة “القراصنة” التي تستقطب عدداً كبيراً من الشباب والمراهقين من الجنسين.

وتحيط هذه الألعاب المتنوعة ببحيرة جميلة وواسعة تجلب إليها عدداً من طيور الإوز، ويحلو للعائلات والشباب من الجنسين أيضاً، أن يستقلوا قوارب بلاستيكية صغيرة لتجوب هذه البحيرة الهادئة، وفي فصل الصيف، يقدم بعض الأطفال على السباحة فيها برغم أن هناك لافتات عديدة تؤكد أن السباحة ممنوعة في البحيرة، وبرغم أن مياهها أيضاً لا تُجدد أحياناً لأيام عديدة فتصبح آسنة، ويحيط بالبحيرة سورٌ حديدي يحبِّذ الكثير من زوار الحديقة الاستناد إليه والتمتع بمنظر مياه البحيرة الشفافة وحركة الإوز والقوارب التي يدخل أصحابها في سباقات صغيرة أحياناً.

وتفصل بين الألعاب المختلفة مساحاتٌ ذات بساطٍ عشبي أخضر يشبه أعشاب الملاعب الرياضية، تحيط بها أشجارٌ مقلَّمة مصطفة بتناسق، وهذه المساحات مزوَّدة بكراس إسمنتية، ما يمكِّن الزائرين من الجلوس والراحة لبعض الوقت، خاصة أن مساحة الحديقة بمكوناتها الأربعة، واسعة جداً وتتطلب أماكن للراحة. وتتوزع محال المأكولات الخفيفة والمشروبات في أرجاء الحديقة، وغير بعيدٍ عنها نصب عددٌ من الشبان طاولاتٍ صغيرة يعرضون عليها مشروبات وساندويتشات جاهزة، ولعباً صغيرة للأطفال، كما تنتشر بالمكان العديدُ من محال أشرطة الكاسيت والأقراص المضغوطة التي تنبعث منها “الأغاني السطايفية” الشهيرة في الجزائر. ولا تكفّْ هذه المحال عن إطلاق الأغاني في كل وقت مما يشوش على العائلات التي يختار أطفالُها ألعاباً قريبة منها.

حيوانات مختلفة

في أقصى حديقة “سطيف” تقع حظيرة للحيوانات، ومع أنها صغيرة المساحة ولا تتجاوز هكتاراً واحداً، إلا أنها منظمة بشكل جيِّد مما مكنها من استيعاب عددٍ معتبر من الحيوانات المتوحشة والأليفة، وأهمها الأسد والنمر والنعامة وابن آوى ووحيد القرن والغزال والجمل والخروف والحصان والقط البري والقرد. وتعج الحديقة بعدد هائل من الأطفال وذويهم، ويقبل الأطفال أكثر على زيارة القردة وإطعامها بالفول السوداني والذرة ومأكولات أخرى ويستمتعون بمراقبة حركاتها وهي تقفز بسرعة من مكان إلى آخر، بينما يفضل الشبان زيارة الأسود والنمور. وتحظى حديقة “سطيف” بشهرة واسعة في المنطقة حتى أن سكان العديد من المناطق المجاورة يقطعون عشرات الكيلومترات في أيام العطل لقضاء أوقاتٍ مسلية بها، وتتخذها بعض العائلات حافزاً لأطفالها وتطالبهم بتحقيق نتائج جيدة في الدراسة حتى يحظوا بزيارتها والتمتع بألعابها وبحيرتها ومناظر الآثار والحيوانات، كما يعتبرها سكانُ المدينة الفضاءَ الوحيد للتسلية وقضاء أوقات الفراغ في ظل افتقار الولاية إلى فضاءات أخرى مشابهة، عدا بعض الملاعب الرياضية.

اقرأ أيضا