الاتحاد

الملحق الثقافي

فلسطين.. صورة الحنين

ما استطعت إلى ذلك سبيلا، دع عينك ومخيلتك تنأى عن ذلك «الحوَل» الذي رأت به عين الاستشراق المكان بتفاصيله وناسه، وانظر إلى هذه الصور التي هي صور للوحات أنجزها فنانون استشراقيون أوروربيون على أنها صور متخيلة لمدينة القدس أساسا وسواها من المدن الفلسطينية الأخرى في هذا المعرض الذي أقامته ندوة الثقافة والعلوم في مقرها في دبي بمناسبة القدس عاصمة للثقافة العربية 2009.

إنه نوع من التعاقد الذي قد يطرحه المرء على نفسه بسبب هذا الافتراق المذهل بين القدس في القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين كما يشير التاريخ الذي أُنجزت به هذه الأعمال وبين الواقع المؤلم الذي تعيشه المدينة وما أجراه الاحتلال عليها من تغييرات في البيئة والمجال عبر السنوات الستين وأكثر الماضية. ربما بهذه الوسيلة فقط بوسع المرء أن يخوض تجربة جمالية مع أعمال كلاسيكية أوروبية يجري فيها تصوير «مكان» شديد الخصوصية ليس من جانب ديني إنما من جانب إنساني بالدرجة الأولى. لنقل بدءا أن الأعمال في المعرض يمكن النظر إليها على أنها تنتمي إلى نوعين، يجعل الأول منهما المكان بلا أهله وساكنيه والمارّين به فيما تقيم الأعمال الأخرى صلة ما بين البشر والحجر.
إن معظم أعمال النوع الأول مشغولة بتقنية الليتوغراف، أو ما يعرف بالطباعة الحجرية، وتبدو هذه الأعمال كما لو أنها صور فوتوغرافية بالأبيض والأسود لشدة ما أن صناعتها عالية الجودة، وتتصل بالمكان على ما هو عليه قبل قرن من الزمان وأكثر، غير أن المرء لا يستطيع أن يميز المدينة إلا عبر واحد من رموزها الكبرى كقبة الصخرة أو مدخل كنيسة القيامة أو إحدى البوابات التاريخية، وسوى ذلك فكما لو أن زلزالا قد مرّ بالمكان منذ زمن بعيد فانهجرت المدينة ولم تبق سوى أثر من بعد عين، إنها محض أطلال وأوابد، لكن فيها ما يجذب الروح والمخيلة معا. الأرجح، أن هذه الأعمال تنتمي إلى الرومانسية الأوروبية التي تقوم أساسا على حنين عظيم وتوق غامر لأزمنة غابرة وحضارات غابرة، فلقد كان معظم الحنين الرومانسي الأوروبي، وخاصة الألماني شديد الاتصال بالحضارة الإغريقية، لكن ما يلاحظه المرء هنا أن هذا الحنين ذو مسحة دينية وأخرى تاريخية، إنه قادم من مخيلة العهد القديم على الأرجح، وما تعرض له من تهديم وتخريب وتبديل لأهله بزائرين ومقيمين في تاريخه. باختصار إنه حنين إلى العودة المتخيلة التي يمنحها النص الديني التوراتي على ما عهدته المخيلة الدينية الأوروبية المسيحية في صيغتها المتشددة .. العودة للمكان وفقا لما قد انهجر وانترك وكأن لا أزمنة أخرى كانت موجودة تاريخيا لآخرين هم الذين أنجزوا المكان وما زالوا يمنحونه من روحهم الجماعية ما يجعله حيّا ويمنحهم بدوره حياة روحية ومدنية عظيمة في الوقت نفسه. غير أن هذا المشهد، الذي بالأبيض والأسود، يبدو واقعيا تماما لجهة عنايته بالتفاصيل ولجهة واقعيته «المتخيلة» إذا جاز التوصيف، لكن البعض من هذه الأعمال قد جرى فيه إعادة تبديل موقع البناء المقدس بالنسبة للمدينة فبدا ذلك البناء أكثر بروزا من الأبنية المدنية والحضرية الأخرى فلم يعد لها دور، بالمعنى الفني للكلمة، سوى أن تُحدث ذلك التوازن في اللوحة الذي ينبغي توفره في اللوحة الكلاسيكية، مثلما أن لها دور تزييني يعطي للبناء المقدس مبرر وجوده وللوحة انتماءها للمكان الشرقي وهويتها الرومانسية. إنها العين الحولاء ذاتها التي لا تريد إلا أن ترى ما تريده وليس الواقع على ما هو عليه، فالشرق هنا ليس ليس بإغواء أنثوي أو سحر إنما هو باختصار تبسيط وإلغاء ربما يكون غير مقصود من الفنان، لكنه يرتقي بالعمل الفني إلى مصاف الفانتازيا فيجعل المكان متخيلا لا واقعيا ويخص فردا بعينه لا جانبا من التجربة البشرية المانحة لحياة روحية متعددة الوجوه وذات أبعاد تاريخية متعددة أيضا. أما تلك الأعمال الأخرى التي تقيم صلة بين البشر والحجر، فأغلبها قد اشتغله الفنانون بالألوان المائية وأخرى، أكثر ندرة، بالألوان الزيتية. هنا تبدو اللوحات المائية أكثر شفافية وقربا إلى نفس الناظر إليها، وهي واقعية تماما، حتى كأن الرسامون هنا قد أنجزوها في ما هم بين الناس وعلى مقربة منهم في حياتهم اليومية، إنها الأعمال الأكثر صدقية ونزاهة من سواها، والأكثر تصويرا للمكان على ما كان عليه بالفعل لجهة صلته بأهله وساكنيه. لكن الأبرز في هذه اللوحات أن «العادي» على جوار حميم من «المقدس» وثمة ألفة من نوع ما يشعر بها المرء بينهما لكنه لا يدركها ربما بسبب ما طرأ على هذه الأعمال من «تعتيق» أجراه عليها هذا التقادم في الزمن وما استجد من أفكار أزمنة أخرى حية ومتحركة وتتصل بالموضوع ذاته، وكذلك الإحساس الفردي للناظر إلى هذه الأعمال وموقفه من العالم ومن المعرفة. إلا أن العديد من هذه الأعمال، أيضا، يعيد تركيب البعض من العناصر المعمارية للمدينة، أو أنه إذ يركز على عنصر ما فإنه لا يستكمله تماما لغايات جمالية بالتأكيد، غير أن هويته تبقى واضحة وتدّل عليه ما إن تقع عليه العين. أما الأعمال الزيتية، من هذا النوع، فتبدو ثقيلة الوطأة على الروح، ربما لأن ملامح المكان غائمة بعض الشيء وفيها غموض غير جاذب ولا يحفز المخيلة بل يدفعها إلى حيرة ما إلى حدّ أن يتساءل الناظر إليها ما الذي يريده الرسام من إنجاز عمل غامض إلى هذا الحدّ، فلا وضوح في المكان ولا في الفكرة أو حتى الحنين الرومانسي ذاك. هكذا لا جسر بوسع المرء أن يبنيه مع هذه الأعمال، إلى حدّ أنه يرى البشر كما يبدون عليه في الصور الزائفة المركبة على نحو بائس. لكن في التفاصيل من أعمال النوع الخير من أعمال المعرض، لا تنوع أو اختلاف في شخصية العربي الذي يقيم في المكان أو يأتي إليه، فيبدو في الأسواق، تحديدا، بدويا طرازيا وفقا لفكرة وموقف مسبقين على الأرجح، فلا وجود للشخصية العربية الحضرية التي عاشت في تلك الأزمنة التي أنجز فيها هؤلاء الرسامون الأوروبيون أعمالهم هذه، هي الشخصية التي جعلت من مكان روحي بحجم مدينة القدس، قبلة السماء للتراب، مكانا روحيا ورمزيا عاليا لكنه في الوقت نفسه مصون بشخصية حضرية جعلت منه مكانا حضريا في الوقت نفسه ليصير مكانا راسخا وثابتا وقارّا وليس متخيلا كما هو عليه في هذه الصور. لكن ثمة رسومات أخرى شبيهة باقتطاعات من حلم. إنها تلك الرسومات التي تنأى عن القدس وسواها من الأمكنة المقدسة في فلسطين لتذهب إلى مدن شاطئية أخرى مثل يافا وحيفا، فتبدو كما لو أنها مدن متخيلة حقا، لكنها جاذبة للنظر، خصوصا ذلك المشهد الذي تبدو فيه يافا مدينة تنتمي إلى مستقبل متخيل وشرقي، وليس استشراقيا، أكثر مما هي عليه في ماضيها هذا عندما التقط لها الفنان هذه «الصورة» التي بالأبيض والأسود.

اقرأ أيضا