الاتحاد

دنيا

عروض العيالة والرزفة تزيِّن فعاليات مهرجان قصر الحصن

زهرات الوطن يشاركن في إحدى الفقرات الفنية الاستعراضية

زهرات الوطن يشاركن في إحدى الفقرات الفنية الاستعراضية

تتواصل العروض الشعبية على مساحة فعاليات مهرجان قصر الحصن بالمزيد من حلقات الإبداع الفني التي تبهر الناظرين على مدى أكثر من فقرة في اليوم، وتتزين أجواء الحدث الوطني بأداء الفرق الشعبية التي تقدم أفضل ما لديها من لوحات العيالة والرزفة والحربية، وعلى وقع خطوات أبناء الإمارات من الشبان والبنات، يتشارك الحضور مع المشهد الحركي في تفاعل كلي يضيف إلى المكان مزيداً من التألق.

أينما تجول الزائر في محيط قصر الحصن، الذي ينعم هذه الأيام بحركة مجتمعية احتفاء بمرور أكثر من 250 عاماً على إنشائه، يتلمس نبض الفريج الإماراتي قديماً. ويسترجع مع كل ركن فيه وقع دعسات الأولين ممن كان لهم عظيم الأثر على حركة النهضة التي شملت مختلف القطاعات المهنية والحرفية، ومن حيث اتجه الزائر لا بد أنه سيجد نفسه وسط عرض شعبي مفعم بالحركة والموسيقى والأداء المتناغم، وتلاقيه هناك وسط الجموع الحاشدة مجموعات فنية تزيده انسجاماً، فيجد نفسه تارة يتمايل على نمط الألحان التقليدية وتارة أخرى يمعن في تصفيق منسجم مع وقع النغمات.
ملامح الفلكلور
ويتحدث راشد حميد، أحد المشاركين في الفرق الشعبية، عن أهمية رقصة العيالة في مجتمع الإمارات، مشيراً إلى أنها إحدى ركائز الفنون التقليدية، ويوضح أن العيالة تعرف باللهجة المحلية باسم «العرضة» أو رقصة الحرب، حيث إنها تعيد المتفرجين إلى «أيام زمان»، حيث كانت الاستعراضات تقدم للدلالة على حشد الهمم والتفاعل الجماعي تجاه أي أمر في الفريج.
ويقول إن هذا النوع من الأداء الحركي يعتبر من أهم المظاهر التي تنثر عبق الماضي بالرغم من أوجه التطور الحضاري التي تشمل مختلف ميادين المجتمع المحلي، مؤكداً أن مواصلة الفرق في الحفاظ على هذا الموروث العريق، من شأنه أن يحمي صور الماضي من الاندثار، وهذا ما يجعل استعراض العيالة من أكثر الاستعراضات المطلوبة من الفرق المتخصصة التي تؤديها في حفلات الزفاف والمناسبات الوطنية.
ويلفت إلى أنه منذ صغر سنه يهوى المشاركة في الفرق الشعبية إلى أن أدخله والده في هذا المجال من باب التخصص وحباً في المساهمة في حماية هذا الجانب من الهوية الوطنية. ويذكر أنه يشعر بالفخر والاعتزاز عندما يرى أبناء الجيل الجديد يحملون هذه الراية ويتميزون بمواهب مختلف في الأداء الشعبي الذي ليس من السهل إتقانه، ويعتبر أن الأمر يحتاج أولاً إلى الموهبة والإحساس بالنغم، ومن بعد ذلك يأتي التدريب والتأهيل، بحسب المستوى والعمر والمناسبة التي ستتم المشاركة فيها.
سيوف الشجاعة
ويورد زميله عبدالله سيف أن استعراض العيالة التي تلقى إقبالاً ملحوظاً ضمن فعاليات مهرجان قصر الحصن، هي من أوسع ملامح الفلكلور الإماراتي انتشاراً، ويذكر أنه بحسب دراسة متخصصة عن الفنون التراثية في الإمارات، تتفرع العيالة إلى 3 مجموعات تقوم كل منها بدور أساسي لاستكمال المشهد الفني العام، وهناك الفرق المحترفة التي تقوم بالضرب على الطبول مختلفة الأشكال والدفوف، وكذلك على آلة «الطوس» المصنوعة من النحاس ومهمتها تقديم اللحن والإيقاع الحماسي المناسب للنص الأقرب إلى الشعر النبطي.
ويشرح أن واجهة الفرقة هو رجل مسن بالعادة، بحيث يقود الفرقة من خلال أدائه المختلف، وهو يلف حول رقبته طبلة أسطوانية الشكل ذات وجهين تسمى «كاسر» يدق عليها بقوة كي يخرج منها الإيقاع بأعلى صوت يصل صداه إلى عشرات الأمتار.
ويضيف أن الفرقة الثانية هي غالباً من الحضور ودورها الطواف بين الفرقتين الأخريين، فرقة العزف وفرقة الإنشاد والرقص، حيث يطوف أفرادها بين الفرقتين بخيلاء وكبرياء ممسكين بالبنادق أوالمسدسات أو حتى يلوحون بالسيوف.
ويذكر عبدالله سيف أنه أثناء الطواف يقذف بعضهم ببنادقهم وسيوفهم في الهواء ثم يتلقفونها بخفة ومهارة إلى حد القدرة على التقاطها من زنادها، فيما يتزامن ذلك مع إطلاق الأعيرة النارية طيلة أداء الرقصة دليلاً على النخوة والتأهب للحرب، وفي إشارة إلى دور الفرقة الثالثة، فمهمتها الاستعراض والغناء الجماعي حول فرقتي العزف وحاملي البنادق، وهي تتكون من 4 صفوف على شكل مربع أو من صفين متقابلين من الرجال الذين يحملون عصي الخيزران ملوحين بها في الهواء، بينما تتمايل في الوسط فتيات يطلقن شعورهن في الهواء مرة عن اليمين ومرة عن اليسار.
ترنيمة متناغمة
ويقول حمد شحي، إن الفنون الشعبية لمجتمع الإمارات على كثرتها، غير أن العروض التي تقدم في المناسبات الكبيرة تكاد تكون محصورة في بعض المسميات، ومن ضمنها استعراضات الرزفة التي يتم تقديمها في الأعراس وعيدي الفطر والأضحى وما شابه من أحداث.
ويوضح أنها بحسب المتداول رمز الشجاعة والإقدام لما تمثله عبر خطواتها القائمة على حركة السيوف والبنادق واستعراض المهارات الجسدية لكل من يؤديها من أعضاء الفرقة، وأكثر من ذلك، فهي تعبير لافت عن صفات الشجاعة والشهامة المتمثلة بملامح الفرح والفخر المرسومة على أوجه المشاركين فيها.
ويذكر أن تزامن إطلاق هذه الرقصات مع حقبة الحروب جعل منها وسيلة مظهرية للدلالة على الرجولة وضرورة الدفاع عن العشيرة في وجه المغتصب والمحتل والمعتدي، وهذا بحسب ما ذكره، الأمر الذي يجعلها مقصورة على الرجال الأبطال أصحاب المواقف الصارمة، حيث يقفون صفين متقابلين إيذاناً ببدء العرض، وبعدها يطلق الأداء الغنائي بقيادة أحد شعراء الرزفة يتبعه أحد الصفين ومن ثم الصف الثاني، وهكذا في مشهد سمعي يطرب عبر ترديد «الشلة» شعراً ونغماً.
ويشرح أن عملية الأداء داخل فرقة الرزفة مبنية على مبدأ ترداد أشطر القصيدة الواحد تلو الآخر إلى أن يتقنها الفريق الراقص كاملاً، وتتحول معه إلى ترنيمة متناغمة شكلاً ومضموناً، مشيراً إلى أن أبيات الشعر يتم تبادلها أحيانا كثيرة فيما بين شاعرين، حيث تتداخل الردات بين صفي العرض من دون أن يخرج أحدهما عن النغمة الرتيبة التي تشكل جزءاً أساسياً من حبكة الرزفة.
عنفوان وإصرار
ويبقى الحكم للجمهور الذي لا يخطئ الإحساس بالمفهوم الفني المتكامل لحنا وكلاماً وأداء، حيث تشير المشاركات الفاعلة من الكبار والصغار إلى نجاح العروض اليومية لمهرجان قصر الحصن، الذي لم تشهد مثله العاصمة من قبل.
ويقول حسن الناصر الذي تحسبه عضواً في إحدى الفرق الراقصة لشدة حماسه، إن الحفاظ على الموروث المحلي لمجتمع الإمارات يكمن في هذه المظاهر الحية التي تتوارثها الأجيال، ويرى أن حسن تنظيم الفعاليات الاستعراضية يعكس ظلاله على الإقبال المتزايد على الفقرات الفنية ضمن أجواء المهرجان يوماً بعد يوم.
وتذكر هناء الزامل التي تشارك ابنتها مع مجموعة النعاشات في إحدى الاستعراضات، أنها تجد ضرورة في تشجيع النشء الصاعد على تعلم الفنون الشعبية وعدم الاكتفاء بالاستمتاع بها من بعيد وحسب. وتلفت إلى أنها كانت وراء تشجيع ابنتها على توظيف موهبتها في الاستعراض ضمن الانخراط في الفرق الوطنية إحياء للمناسبات العامة التي ترسم الوجه الحضاري لمجتمع الإمارات.
الرأي نفسه تسجله عائشة النويس التي يشارك اثنين من أبنائها في فرقة العيالة.
وتقول، إنه لمفخرة أن أراهما ضمن المجموعة الشعبية التي تردد عبارات المجد الطني، وترى أن هذا النوع من العروض التراثية التقليدية يفرح النفس ويعيد المتفرجين من المواطنين والمقيمين والضيوف إلى أيام اتسمت بالعنفوان والخير والإصرار.
ويرى خالد التميمي الذي كان يتابع الفقرات الشعبية برفقة أفراد أسرته أنه في كل مرة يشاهد فيها عرضاً مماثلاً يشعر بالفرحة تغمره، والسر برأيه يعود إلى جمالية الألحان التي تصيب كل محب لمجتمع الإمارات الذي لا يغفل مناسبة عامة إلا وجعل للفلكلور المحلي نصيبا وافرا منها، ويقول إنه لطالما أحب المشاركة في إحدى الرقصات، لكنه لا يملك الليونة الكافية لذلك، بحيث يخبره أصحابه من المؤدين للرزفة والحربية والعيالة، أن الأمر يتطلب مهارة عالية وتدريبات منذ الصغر.
ويعلق منير عبدالله على الإضافات المحببة التي تطلق عفويا أثناء تأدية بعض الرقصات الشعبية. ويعتبر أن الخروج أحياناً عن النص بالقدر المعقول، يزيد من الأجواء الحماسية في محاولة لكسر الروتين، ويؤكد ضرورة تقديم الدعم الكامل للفرق الشعبية كي تسعى دائما إلى تطوير أعضائها بما يضمن الحفاظ على هذا التراث المحلي القيم الذي بات من النادر في المجتمع العربي عموماً.


حرفية الأداء

تنتمي استعراضات الرزفة بالمفهوم الشعبي إلى فنون البدو، حيث تتميز حركة المشاركين فيها بالبطء المقصود تلبية لحرفية الأداء، وذلك في مشهد ينسجم مع سجع الغناء فيها والمبني بحكم النص على مفردات الشجاعة والفخر والاعتزاز بالقبيلة. كما أنها تشمل في مواقع معينة أبيات تشير إلى الغزل تارة وإلى الحكمة والمدح تارة أخرى، وغالباً تبنى على تركيبة البحر «القصير» من بين البحور الشعرية الخاصة بهذا النوع من الفنون.


أزياء مزركشة

تبرز من خلال المشاهد الفنية المقدمة ضمن عروض المهرجان، الأزياء الشعبية المزركشة للبنات اللاتي يفاخرن بها، وهي مصممة خصيصاً للحدث وبما ينسجم مع الاحتفاء بمرور أكثر من 250 عاماً على قصر الحصن. ويجمع خبراء التراث من اللجنة المنظمة على أن اللباس الإماراتي الخاص بالنساء تحديداً من أعرق التصاميم التي مازالت محافظة على خيوط التلي فيها بالرغم من خطوط الموضة المنتشرة عالميا، والتي لم تُنس المواطنة حبها للقديم في وقته ومكانه الصحيحين.

النعاشات

تروي الحكايات الشعبية أن الأصل في مشاركة الفتيات ضمن رقصة العيالة، يعود إلى أيام الحروب والغزوات حينما كن يخرجن من بيوتهن لتشجيع الرجال في مهمة الدفاع عن شرف القبيلة، ومنذ ذلك الوقت يطلق عليهن اسم النعاشات في إشارة إلى تمايلهن وتباهيهن بشعرهن الطويل المفرود أثناء الأداء الفني.

اقرأ أيضا