الأحد 2 أكتوبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

البـوليمــر.. ثورة جديدة في مستقبل صناعة الأوراق النقدية

البـوليمــر.. ثورة جديدة في مستقبل صناعة الأوراق النقدية
14 ابريل 2017 14:56
مصطفى عبد العظيم (دبي) تتهيأ صناعة النقود لتدشين مرحلة جديدة من التطور مع تزايد الاهتمام العالمي بإصدار العملات البلاستيكية المصنعة باستخدام مادة البوليمر وإتاحة تداولها في أكثر من 30 دولة حول العالم، كبديل أكثر استدامة وأمناً عن العملات الورقية والمعدنية المتداولة حالياً. فبعد مرور أكثر من 1200 سنة على اختراع العملات الورقية والمعدنية في الصين في عهد أسرة هان خلال الفترة من (618-907) وتطور المواد المستخدمة في تصنيعها من الجلود إلى الأصداف والمعادن الثمينة والورق القطني، بدأت الأنظار تتجه لاستخدام مادة البوليمر لصناعة النقد، بعد قيام أستراليا بإصدار أوراق النقد المصنوعة من البوليمر لأول مرة عام 1988، والتي لاقت استحساناً كبيراً من المتعاملين، الأمر الذي حفز العديد من البلدان إلى التحول إلى العملة البلاستيكية التي من المتوقع أن تشكل مستقبل صناعة النقود بالنظر إلى المميزات العديدة التي تتمتع بها، وفي مقدمتها المزايا البيئة وصعوبة تزويرها. ويرى بينج وانج مسؤول اتصالات في إدارة الاتصالات بصندوق النقد الدولي، في دراسة أعدها الصندوق أنه عندما تُوقِّع البلدان على اتفاقية باريس بشأن تغير المناخ، وتسعى جاهدة لأن تصبح أكثر قدرة على الاستمرار، ينظر الكثير من هذه البلدان في أثر عملاتها على البيئة ومدة بقاء هذه العملات في حالة جيدة، وكذلك وسائل حمايتها وأمنها. ويشير وانج إلى أنه وعلى مر السنين تمت صناعة النقود من مجموعة متنوعة من المواد - من الجلود في الصين في عهد أسرة هان، إلى الأصداف، والمعادن الثمينة، والورق القطني، ومؤخراً البلاستيك، مشيراً إلى أن هذه المواد تعكس المناخ الاجتماعي والسياسي السائد في ذلك الوقت، فضلاً عن التكنولوجيا والموارد المتاحة. ولعدة قرون، استخدم الناس في الصين النقود المعدنية الثمينة المربوطة معاً من خلال ثقب في منتصفها لإجراء المعاملات، لكن مع زيادة المعاملات التجارية في القرن السابع، كان هناك تحول نحو العملات الورقية لسهولة حملها، وفي القرن الثالث عشر قدم ماركو بولو من رحلاته تقريراً إلى أوروبا حول استخدام العملات الورقية بدلاً من العملات المعدنية، وصدرت أولى العملات الورقية الحديثة في أوروبا من بنك ستوكهولم عام 1661. وسرعان ما أصبحت العملات الورقية هي العملات المفضلة في جميع أنحاء العالم وظلت كذلك لعدة قرون، لكن مع التطورات التكنولوجية الحديثة، أصبحت أوراق النقد ذات الغشاء البلاستيكي توفر مزايا أمنية إضافية إلى جانب طول العمر وكفاءة استخدام الطاقة. التحول إلى البلاستيك تم إصدار أوراق النقد المصنوعة من البوليمر لأول مرة عام 1988 في أستراليا، والتي تستخدم الآن مادة البوليمر بشكل حصري، وقامت بطرح سلسلة جديدة من أوراق النقد، بدءاً من فئة 5 دولارات، واضطرت أستراليا أن تسبق العالم بهذه الوسيلة الجديدة، بسبب ما تعرضت له من عمليات تزوير كبيرة في عملتها، كان لها أثر سلبي كبير على اقتصادها، وعلى الثقة في المال المنقول والمتداول بين الناس، ليبدأ سباق استخدام البوليمر الآن في صناعة العملات في أكثر من 30 بلداً مختلفاً مثل أستراليا، وكندا، وفيجي، وموريشيوس، ونيوزيلندا، وبابوا غينيا الجديدة، ورومانيا، وفيتنام، وأخيراً بريطانيا. لكن بعد نجاح التجربة الأسترالية في العملات البلاستيكية، وجد انتشار وتطبيق العملات البلاستيكية صعوبة في الانتشار في باقي دول العالم الأخرى لعدة أسباب، منها: أن نظام الصرف الآلي مصمم على صنف ملمس الورق، لذا فإن التحول إلى الملمس البلاستيكي يعني الانتهاء من هذا الدور والانتقال إلى صناعة جديدة تكون مكلفة جداً، فآلات الصرف الآلي الحالية والموجودة في الخدمة تقدر قيمتها بمليارات الدولارات، وتبديلها سيكلف أضعاف القيمة الحالية، والبعض يرى أن مكافحة التزوير أقل تكلفة من التحول إلى النقود البلاستيكية. احتكار مسبق وتحتكر أستراليا منذ عقود صناعة أوراق النقد البلاستيكية، بإنتاجها للعشرات من دول العالم بعدما بدأ «البوليمر» كصناعة للإنتاج المحلي، حتى بدأ منافس بريطاني في مزاحمتها، حيث بدأت أستراليا في تطوير النقود البلاستيكية للاستخدام المحلي في أواخر ثمانينيات القرن الماضي. وبدأ البنك المركزي الكندي تحوله إلى أوراق النقد المصنوعة من البوليمر عام 2011، بعد تقييم أثر إنتاج النقود الورقية والبلاستيكية على البيئة، واستعرض تقييم دورة الحياة الأثر الناشئ - بما في ذلك الاحتياجات الأساسية من الطاقة واحتمالات الاحترار العالمي &ndash عن كل مرحلة من مراحل الإنتاج، بدءاً من زراعة القطن إلى إنتاج أوراق البنكنوت أو إنتاج المادة الخام اللازمة لنقود البوليمر مروراً بتدمير أوراق النقد البالية والتخلص منها. وتفوق البوليمر على الورق في جميع الفئات والمراحل. فعلى سبيل المثال: توصلت الدراسة إلى أن ورقة النقد المصنوعة من البوليمر ستؤدي إلى انخفاض احتمالات الاحترار العالمي بنسبة 32% وانخفاض الاحتياجات الأساسية من الطاقة بنسبة 30% مقارنة بالنقود الورقية. والأهم من ذلك أن عمر النقود المصنوعة من البوليمر يزيد على ضعف عمر النقود الورقية - كما أن الفئات الأعلى، التي يكون استعمالها أقل، يكون عمرها أطول من ذلك، وهذا يعني أنه يتعين صناعة وتوزيع كمية أقل من نقود البوليمر خلال دورة حياة السلسلة. ونظراً لأن وزن نقود البوليمر أقل مقارنة بالنقود الورقية، يكون حَملها وتوزيعها أسهل على البيئة. وفي نهاية دورة حياة النقود الورقية، عادة ما يتم تمزيقها ونقلها إلى موقع دفن النفايات. أما أوراق البوليمر التي تُسحب من التداول فيتم تمزيقها وتحويلها إلى حبيبات واستخدامها في صناعة المواد البلاستيكية اليومية مثل أثاث الحدائق. وقد أمضى بنك إنجلترا المركزي ثلاث سنوات في دراسة التأثير المحتمل للتحول عن استخدام النقود الورقية المصنوعة من القطن والكتان وخَلُص أيضاً إلى أن البلاستيك هو البديل المناسب، بعدها قامت شركة «إنوفيا» المتخصصة في صناعة العملات النقدية بتقديم أول عملة بلاستيكية فئة 5 جنيهات استرلينية تحمل صورة ونستون تشرشل في سبتمبر 2016، ومن المتوقع أن يلي ذلك طرح ورقة من فئة 10 جنيهات استرلينية تحمل صورة جين أوستن في أواخر عام 2017 وورقة من فئة 20 جنيهاً استرلينياً بحلول عام 2020، لتجعل بريطانيا آخر الدول الثلاثين التي تتحول نحو النقود البلاستيكية، كبديل أكثر استدامةً وأمناً. وعند الإعلان عن هذه الخطوة من جانب المملكة المتحدة، قال محافظ بنك إنجلترا المركزي، مارك كارني: «تتمتع أوراق البوليمر بجودة أعلى، وهي مزودة بوسائل حماية إضافية ضد التزييف، ويمكن إنتاجها بتكلفة أقل على دافعي الضرائب والبيئة». وبعد دخول الشركة البريطانية سباق صناعة العملات البلاستيكية باستخدام مادة البوليمر يرى خبراء المال والاقتصاد أن الخطوة التي تقوم بها بريطانيا قد تهدد الاحتكار الأسترالي لهذه الصناعة، خصوصاً مع توسع الدول في استخدام النقود البلاستيكية، التي تعتبر أقل تكلفة في عملية تصنيعها مقارنة بالعملات الورقية والمعدنية، وتدوم لمدة أطول تفوق أوراق النقد المعروفة، في حين تعتبر أستراليا وكندا من أهم البلدان التي تستخدم تلك الأوراق. ردود أفعال متباينة برزت ردود أفعال متباينة من جانب المستخدمين العاديين تجاه الملمس البلاستيكي لأوراق النقد، فها هو زوي مارتن، الذي يعمل مدرساً في تورونتو بكندا يقول: «تلتصق هذه الأوراق بعضها ببعض بسبب الطاقة الساكنة، ولا يمكن طيها بسهولة مثل النقود الورقية عندما تكون جديدة، كما أنها ملساء، وبالتالي تنزلق بسهولة من الجيب». أما مايكل برينزا، وهو مدرس في مركز للرعاية النهارية بتورونتو، فيقول: «أنا أُفضل هذه الأوراق؛ فهي أنظف بكثير جداً. والنقود الورقية أصبحت مكسوة بالقاذورات». ويقول بيتر سيسل سينوت، وهو خريج علوم البيانات بجامعة ماكجيل في مونتريال: «نظراً لأنها غير منفذة للسوائل فإن ابتلالها لن يكون مكلفاً. وإليكم قصة حقيقية: في إحدى المرات وَجَدَت أختي إحدى الأوراق النقدية الكندية الجديدة من فئة 100 دولار أثناء الغوص في المناطق المدارية. ومن يدري كم من الوقت استقرت على هذه الشعاب المرجانية؟». تحول تدريجي ويرى الخبراء أن عملية التحول إلى النقود البلاستيكية يجب أن تكون تدريجية، وهذا لا يتحقق مع الآلات الحديثة في عمليات العد والفرز، أي أن هناك فترة زمنية ستكون الجهود فيها مضاعفة عند الرغبة في الانتقال إلى العملة البلاستيكية، فآلات عد النقود الحالية - مثلاً - لا تصلح لعد النقود البلاستيكية، لأن أي خدش في العملة البلاستيكية سيؤدي إلى تدميرها في آلات العد الورقي. وستكون هناك مشكلة في صرف عدة عملات من ماكينة واحدة، فهناك كثير من البلدان تقدم عملات بلدان أخرى بجانب عملتها، مثل هونج كونج تقدم عملتين، وبعض البلدان تقدم الدولار مع عملتها، لذا فيجب توحيد صناعة العملتين، لكي تصرف من ماكينة واحدة. وعلى الرغم من أن العوائق الصناعية كبيرة ومكلفة، فإن الاتجاه نحو النقود البلاستيكية يسير نحو القبول، وتفكر الولايات المتحدة الأميركية بتجربة محدودة لنقود بلاستيكية في السنوات المقبلة، وفي الوقت نفسه هناك محاولات لتطوير آلات الصرف الآلي لتكون قادرة على العمل على الطريقتين، لأن حل هذه العقد سيساعد كثيراً على قبولها وانتشارها بأقل التكاليف.
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©