أحمد عاطف (القاهرة)

يعتبر الباحثون أن أعداد الوفيات في أزمة فيروس كورونا المستجد «كوفيد 19» أهم خانة في تعداد طوفان الأرقام اليومية التي تشمل أعداد الحالات المصابة والمتعافية، موضحين أن أعداد الوفيات تجعلنا نقارن هذا الوباء مع مجموعة أخرى من الأمراض المُعدية السابقة، لنفهم أسباب الخلل في المنظومات الطبية العالمية وسبب تفشي المرض وإمكانية علاجه.
وبحسب إحصائيات وأرقام جامعة جونز هوبكنز الأميركية، فإن نسبة الوفيات في إيطاليا وإسبانيا وفرنسا تجاوزت 10% من المصابين المسجلين بالفيروس في هذه الدول، ففي إيطاليا توفي أكثر من 12% من المصابين، ونحو 11% في إسبانيا وفرنسا وبريطانيا.
في المقابل، فإن معدلات الوفيات في دولة كألمانيا بلغت يوم 12 أبريل أقل من 2.3% بإجمالي 2871 حالة وفاة من أصل ما يزيد على 125 ألف حالة إصابة مسجلة. وبالتوازي، بلغت النسبة في كوريا الجنوبية 2.4% بإجمالي 214 وفاة من أصل ما يزيد على 10 آلاف إصابة، وفي سنغافورة بلغت هذه النسبة نحو 3.9%. «الاتحاد» تحدثت مع خبراء في الطب والسياسة والاجتماع لتحليل الأسباب التي أدت إلى انخفاض نسب الوفيات في بعض دول العالم، سواء كانت أسباباً سياسية أو تدابير احترازية أو اكتشافات في النظم الطبية جعلتهم يصلون لتلك النتائج في مواجهة جائحة «كورونا». وكان هناك شبه إجماع على أن كفاءة منظومة الرعاية الصحية والتزام السكان بالإجراءات الحكومية، ومن أهمها التباعد الجسدي، ساهما بدرجة كبيرة في التغلب على «كورونا» والحد من الوفيات بين حالات الإصابة.

المسحات التحليلية
وتفصيلاً، قال خبراء ممن تحدثوا لـ «الاتحاد»، إن النظام الصحي هو الركيزة الأساسية والأهم في تلك المعركة، خاصة أن البنك الدولي يتتبع معلومات الرعاية الصحية بحسب البلد على ثلاثة تدابير يقاس كل منها لكل ألف من السكان، وهي الأطباء والممرضون والممرضات وأسرة المستشفيات، ويتتبعون أيضاً متغيرين آخرين ذوي صلة: العمر الافتراضي لأغلبية السكان في لكل بلد ومستوى الإنفاق على الرعاية الصحية للفرد، وتلاحظ أنه من بين الدول التي لديها أكبر عدد من حالات الإصابة بالفيروس، فإن الدولة التي لديها أعلى معدل من الممرضين والممرضات تتمتع بأدنى معدل للوفيات بسبب المرض، كألمانيا التي يوجد فيها 13.2 ممرضة لكل ألف شخص، وهو معدل أعلى بكثير من البلدان الأخرى المتأثرة بشدة بفيروس كورونا.
وفي هذا الإطار، يقول الدكتور محمد عزب العرب، استشاري الفيروسات، إن الدول التي نجحت في خفض نسبة الوفيات من إجمالي إصابات «كورونا»، اتبعت نظاماً صحياً شديداً، أهم نقطة فيه تعود لعدد المسحات التحليلية التي تتم لكل مليون شخص من تعداد أفراد الدول، لافتاً إلى أن ذلك يعرف بالمسح المجتمعي نتيجة زيادة عدد الإصابات؛ لأن أزمة فيروس كورونا تكمن في صعوبة تقصي واكتشاف الحالات المسببة للإصابة. وأضاف عز العرب لـ«الاتحاد»، أنه كلما زاد عدد المسحات العشوائية سيؤدي ذلك للاكتشاف المبكر للمرض، ومن ثم يتم عزله مع تقديم الرعاية الصحية للمريض مبكراً فينجو من خطر الموت، وبالتالي يعود ذلك على الورق على انخفاض نسب الوفيات.
وأوضح أن الكثير من الدول التي بها الوفيات بنسب كبيرة، يعود ذلك إلى خطة مواجهة المرض، وهي التحليل فقط لمن تظهر عليه أعراض والمخالطين له من، لافتاً إلى أن هناك ما يعرف بـ «active screen»، وهو الذي تظهره المسحات العشوائية للسكان سواء في المستشفيات أو في الشوارع والمنازل عبر الاستعانة بوحدة صحية متنقلة.

عيادات متنقلة
بحسب صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، فإن مجموعة من الأسباب قد أدت لانخفاض كبير في أعداد الوفيات بألمانيا مقارنة مع أميركا وأوربا، بمعدل وفاة وصل إلى 2.3%، وهو الأقل والأبرز.. وعلى رأس تلك الأسباب ابتكار عيادات متنقلة داخل سيارات تجوب الشوارع لفحص المرضى في المنازل، إضافة إلى الاختبارات المكثفة، والعلاج المبكر واسع النطاق، وتضاعف أسرّة العناية المركزة، وثقة الكثيرين في الحكومة وقراراتها الرشيدة ودعمها سياسياً، والتقيد على نطاق واسع بالمبادئ التوجيهية للتمييز الاجتماعي.
أما أغرب ما أشارت إليه الصحيفة الأميركية، فهو أن موقف المعارضة السياسية في التأييد لقرارات الحكومة الألمانية انعكس بالانخفاض في الأعداد الخاصة بالوفيات، مشيرة إلى الثقة الكبيرة من الألمان في قيادة المستشارة أنجيلا ميركل في إبقاء معدل الوفيات منخفضاً، وذلك بعد الخطاب المرئي الذي بثته ميركل بوضوح وهدوء طوال الأزمة، وفرضها تدابير أكثر صرامة للتباعد الجسدي على البلد، ولم يعترض السياسيون عليها، بل ارتفعت معدلات تأييد المستشارة.

التزام الشعوب
ويؤكد الدكتور طارق فهمي أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن انخفاض الوفيات في عدد من الدول نتيجة لقواسم مشتركة، أولها التزام الشعوب بالبقاء في المنازل مع تطبيق الحظر الكامل والجزئي ومتوافقة مع الإجراءات الحكومية، إضافة لإجراءات الحماية الطبية للأشخاص التي تشمل مناطق العزل والتحاليل المبكرة وزيادة غرف العناية المركزة وأجهزة التنفس.
وأوضح فهمي لـ«الاتحاد» أن الحالة الأوروبية شهدت انتقاداً للاتحاد الأوروبي وخاصة من حكام إيطاليا وقبرص وإسبانيا ودول شرق أوروبا وسط اتهامات بأن الاتحاد لم يساعدهم في الأزمة، لكن قاد تلك الحملة الحكومات اليسارية واليمين الوسطى في أوروبا لحسابات سياسية لا علاقة لها بالأمن الصحي، مشيراً إلى أن هناك رشداً سياسياً لدى أغلب الدول الأوروبية والتي قامت المعارضة فيها بدور كبير في دعم قرارات الحكومة، مثلما حدث في إسبانيا وإيطاليا، حيث وضعوا الخلافات والانتقادات جانباً لدعم السياسات العامة خلال الأزمة، إضافة لثقة الألمان في أنجيلا ميركل وسياستها. ولفت فهمي إلى أن الجمهورين والديمقراطيين لأول مرة يتفقون على دعم الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الرغم من اعتباره داخل الكونجرس مقصراً في التعامل مع الأزمة، لكن كل ذلك ينعكس أوتوماتيكياً على انخفاض نسب الوفيات مع اكتساب روح الطمأنينة في المجتمع، مشيراً إلى أن كل ذلك يؤكد أن قضية الأمن الإنساني أولوية قصوى.

إجراءات سريعة
وبحسب تقديرات علماء الصحة، فإن انخفاض الوفيات بكوريا الجنوبية، يرجع جزئياً إلى أن معظم حالات الإصابة كانت بين الشباب الأصغر سناً، خاصة أن 18.5% من السكان يبلغون 60 عاماً على الأقل، وتحتل بهذه النسبة المركز الـ 53 عالمياً، إضافة إلى عامل التدخين الذي اعتبره العلماء سبباً مهماً، خاصة مع وجود وصول نسبة المدخنين في كوريا الجنوبية إلى 27% .. 50% من الرجال وأقل من 5% من النساء.
ولفتت «نيويورك تايمز» الأميركية في التجربة الكورية الجنوبية إلى أنها تمت دون فرض قيود صارمة على الحركة والتنقل، ولم تعلق العمل أو تغلق الاقتصاد، مثل أوروبا والولايات المتحدة، ووصفت الخطوات التي اتخذتها بأنها «تبدو واضحة جداً وبسيطة»، إلّا أنها تتطلب جهوداً واسعة وقدرات هائلة، تشمل إجراءات سريعة من قبل السلطات، لإجراء اختبارات «كورونا» واسعة النطاق.
وتعد أبرز المبادرات التي تناولتها الصحف العالمية التي كان من شأنها مساعدة تخفيض معدل الوفيات هي «العيادات المتنقلة داخل سيارات»، وهي سيارات تشبه الأجرة يستقلها الأطباء ويرتدون لباساً واقياً، ويتجولون في شوارع المدن للتحقق من المرضى الذين بقوا في المنزل والذين قد مضت على إصابتهم 5 أو6 أيام ويخضعونهم لتحاليل الدم، وذلك للبحث عن علامات تشير إلى أن المريض على وشك الدخول في مرحلة حرجة. وقد يقترح الأطباء عليهم دخول المستشفى، حتى لأولئك الذين يعانون أعراضاً خفيفة فقط، وبالتالي يتم تحسين فرص النجاة قبل الانهيار بشكل كبير من خلال إدخال مسبق للمستشفى. وأوضحت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، أن سيارات الأجرة المشار إليها رغم كونها مبادرة واحدة فقط في مدينة هايدلبرج الألمانية، لكنها توضح مستوى من الالتزام واستثمار الموارد العامة في مكافحة الوباء تساعد في تفسير سبب الانخفاض الحاد في معدل الوفيات بألمانيا.

التطعيم ضد السل يقوي المناعة
بينت دراسة علمية أجراها باحثون أميركيون في جامعة جونز هوبكنز أحد الأسباب التي أدت لانخفاض نسب وفيات «كورونا» في بعض الدول، أن معدلات وفيات انتشار وباء «كورونا» في الدول التي تعتمد التطعيم ضد السل الرئوي في نظمها، أقل بست مرات من تلك التي لا تستخدمه. واللقاح ضد السل الرئوي يسمى BCG وقد تم اكتشافه قبل 100 عام للوقاية من المرض البكتيري الشهير، لكن اتضح لاحقاً أن له فوائد أخرى. ويعتقد أن اللقاح يزيد فعالية الجهاز المناعي لمقاومة فيروس كورونا والحد من انتشاره في الجسم.
وشملت الدراسة البيانات المتعلقة باستخدام لقاح السل في أكثر من خمسين دولة وقارنوها بمعدلات الإصابة والوفاة الخاصة بـ«كوفيد - 19»، علماً بأن الدول المختارة هي الأكثر عرضة للوفاة جراء الوباء، ومن المعايير التي أخذت في الحسبان خلال الدراسة الوضع الاقتصادي للدول، ونسب المسنين في المجتمع واكتُشف أن معدل وفيات «كوفيد - 19» لكل مليون في البلدان المنخفضة الدخل والمتوسطة الدخل والمرتفعة الدخل، 0.4 و0.65 و5.5 على التوالي.
ويعتبر علماء الصحة أن معدلات الوفيات تحصى بطريقتين، الأولى تقوم على احتساب نسبة الوفيات من إجمالي عدد الإصابات المؤكدة، والثانية تقوم على قسمة عدد الوفيات على إجمالي عدد المصابين بالمرض، حتى قبل إجراء فحوص.
أما التجربة السنغافورية المعروفة بأنها الأفضل في آسيا في السيطرة على «كورونا»، والتي جعلتها ضمن الدول التي انخفضت فيها نسبة الوفيات بـ«كورونا»، فأشار لها موقع «فورتيون» Fortune بأنها فرضت قيوداً مشددة منذ بداية الأمر، على أي شخص لديه تاريخ سفر حديث إلى الصين وأجزاء من كوريا الجنوبية، مع فرض نظام صارم في المستشفيات والحجر الصحي للمرضى المحتملين، ومتابعة الحالة الصحية بشكل مكثف لأي شخص ربما كان على اتصال بهم.
كما وجهت الاتهام لشخصين قدما معلومات خاطئة عن تاريخ سفرهما بالإضافة إلى إجراءات عقابية أخرى. إضافة لمتابعة دقيقة لمواقع الأشخاص الذين يخضعون للحجر الصحي المنزلي عن طريق برامج نصية عبر شبكة الإنترنت، حسب بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء. وأكد المكتب في بيانه «كان هذا بمثابة المستوى الأول للتحقق من امتثال ما يقرب من 12000 موظف أجنبي للإجراءات الوقائية».