الاتحاد

دنيا

محمود فاضل: الدراما المصرية أساءت إلى الطب النفسي


فداء طه:
طبيب نفسي من الطراز الرفيع على الصعيد المهني، وتحليله للظواهر الاجتماعية والنفسية أقرب للمنطق والواقع، وكذلك هو إنسان مريح ومستمع جيد للآخرين على المستوى الشخصي·· قليل الكلام عن نفسه لكنه متحدث بارع طليق اللسان عند الحديث عن العمل، وأمتع اللحظات بالنسبة له هي تلك التي يقضيها مع 'زبائنه'، كما يسميهم، فهو يتعلم منهم بقدر ما يساعدهم في فهم وحل مشاكلهم·
حصل على بكالوريوس طب وجراحة من جامعة الموصل عام ،1984 وفي عام 1994 حصل على شهادة الدكتوراه في الطب النفسي من الهيئة العراقية العليا للاختصاصات الطبية· عمل في اليمن مدة 6 سنوات، وكان أول طبيب يعمل في مستشفيات الأمراض النفسية اليمنية آنذاك·
لم يعرف الدكتور محمود فاضل، استشاري الطب النفسي، الدافع الحقيقي وراء دراسته لتخصص الطب النفسي إلا بعد أن غاص فيه حتى أذنيه·· فمنذ أن كان في التاسعة من عمره، حلم بأن يصبح طبيبا معروفا، وصور له خياله بأن الطبيب هو الجراح فقط، فكان خلال أحلام يقظته يجري الكثير من العمليات الناجحة للناس، ليحصل من خلالها على شكر وثناء من حوله، في ذلك الوقت لم يفكر في المردود المالي الذي يمكن أن يجنيه من عمله، وإنما انصبت كل أحلامه على محبة الناس وثقتهم·· لكنه عندما التحق للدراسة بكلية الطب بدأ يميل لدراسة الطب النفسي، ولم يفهم السبب وراء ذلك إلا بعد أن تخصص في الطب النفسي وحصل على شهادة الدكتوراه فيه·
كاتم الأسرار
في مراحلة الثانوية العامة كان مرجعا لأصدقائه الذين كانوا يطلبون رأيه في مسائل متعددة، ثم وضحت المسألة أكثر عندما دخل الكلية، فكان أصدقاؤه يشعرون بالثقة لدى الكلام معه، ذلك لأنه مستمع جيد وكاتم للأسرار·· قليل الكلام بصفة عامة وعن نفسه بصورة خاصة· ومن التمارين التي يتدرب عليها حاليا أن يتحدث عن نفسه أمام زوجته لكي يتعود على التعبير عن نفسه أمام الآخرين· علاقاته قليلة ولكنها دائمة، وبقدر ما يجد صعوبة في إقامة صداقات جديدة بقدر ما يصعب عليه أن ينسى أصدقاءه القدامى والأشخاص الذين أحبهم وتركوا بصمة في حياته·
- منذ الطفولة المبكرة تأثرت بشخص كان له الأثر الاكبر في منحي الدعم المتواصل والتوجيه لأن أكون شيئا ما في المستقبل، وهو أخي الأكبر·· لقد تأثرت به وبحكمته بشكل غير مباشر، ففي حياته لم يوجه لي النصيحة المباشرة، لكنني ولشدة حبي وإعجابي به أحببت أن أكون مثله·
كان أخي، وهو يكبرني بعشرين عاما، متفوقا في دراسته ومعروفا من قبل الجميع وخاصة أساتذة المدرسة، الذين عرفوني لأنني أخوه وكونوا عني فكرة من خلاله، وقد كنت سعيدا بذلك، وكان إعجابي بشخصيته دافعا لي لكي أكون مثله ناجحا متفوقا ومحبوبا من قبل الجميع· كان أخي حنونا علي، وكان يحب مادة الكيمياء كثيرا، ومن هنا فقد أحببت المادة أيضا، وأبدعت فيها بل أنني تفوقت فيها بشكل خاص·
وكذلك تأثرت بحنية الوالد وشخصية الوالدة القوية، فوالدتي كانت صاحبة رأي وشخصية حازمة أما والدي فكان حنونا وطيبا جدا·
- أذكر أن لأساتذتي في المرحلة الإعدادية دورا في تبلور شخصيتي العلمية والمهنية، إذ كانوا يميزونني قليلا عن بقية الطلاب مما يحفزني أكثر فأكثر، ومن هؤلاء الأساتذة أستاذ اللغة الإنجليزية في المرحلة الإعدادية الذي كان يحفزني على الاجتهاد أكثر عن طريق طرح أسئلة كثيرة علي، وكان يغضب مني عندما لا أعرف الجواب·· لقد كان يثق بقدراتي ويتحداها، متوقعا مني أن أجيب على أسئلته الصعبة، وأنا كنت سعيدا بهذه الثقة وأحاول أن أجيب على أسئلته وأثبت له جدارتي، حتى أنني لغاية الآن أتذكر الأسئلة التي كان يطرحها علي، كما أتذكر إجاباتها وكذلك أذكر التعليقات التي كان يقولها لي أستاذي عندما أجيب وعندما أخطئ أيضا·
الطب·· أخلاق أولا
- ولأنني أحببت مادة الكيمياء فقد أحببت أستاذها وتأثرت به، وأذكر أنه كان يطلب مني دفاتر مادة الكيمياء بعد نهاية العام الدراسي لكي يعطيها لأقربائه، مما أسعدني كثيرا وأشعرني بالفخر خلال تلك المرحلة من حياتي، مرحلة الدراسة الثانوية، وهو أن أستاذ المادة يأخذ دفتر طالب عنده مما زاد من اعتزازي بنفسي·
- في الكلية تأثرت بالأطباء الذين يتحلون بكم من الأخلاق تساوي أو تزيد عن ما يحملونة من العلم، وهذا ما جسد لدي إيمانا راسخا بأن الطب هو مهنة أخلاقية بحتة قبل أن يكون مادة علمية·
ومن هنا فإنني أتعامل مع 'مرضاي'على أنهم زبائن، ولا أحب تسميتهم 'مرضى' لأن الذي يعانون منه هو شيء يعاني منه كل شخص فينا، بل إنهم أفضل من كثير من الناس الذين هم في الحقيقة مرضى لكنهم لا يعترفون بذلك، وأنا أؤمن بأنه ليس هناك شخص صحيح نفسيا مئة في المئة، وإنما الأقرب إلى الصحة النفسية هو الشخص المتوازن الذي يقع في الوسط بين الحالة وضدها، بمعنى أنه هو الذي يوازن في حياته بين الكف وتحقيق الرغبة·
- تعلمت من خلال عملي أننا بحاجة لتغيير النظرة السلبية إلى الطب النفسي، فتصور الناس عن هذا العلم هو المعضلة الحقيقية التي تواجهنا كأطباء نفسيين وهو أمر محبط للغاية وله دور كبير في تخلف الأمم، فالمعلومة النفسية بحاجة لكل إنسان، الأم والأب في تعاملهما معا ومع أطفالهما، الموظف في سلوكه بالعمل، في الشارع·· كل السلوكيات بحاجة للمعلومة النفسية وكل حركة فيها معلومة نفسية، فعلم النفس هو وظائف الدماغ، وهو عملية بيولوجية دماغية بحتة وعلى الناس أن يدركوا ذلك وهي تأخذ معنى مختلفا من شخص لآخر ومكان لآخر، ودور الطبيب مراعاة الفروق بين الناس··
وأعتقد أن الصورة التي طبعتها الأفلام والمسلسلات المصرية عن الطبيب النفسي، مع تكرارها، ساهمت في ترسيخ النظرة السلبية تجاهه، بينما تجد أنه في الأفلام الأميركية مثلا هنالك نظرة أعمق لمفهوم الطب والطبيب النفسي·

اقرأ أيضا