الاتحاد

دنيا

ستديو سعيد!

أعتقد ما أن يُطلب من أحدنا صورة، حتى نقفز لدرج ألبوماتنا الشخصية، في محاولة للعثور، على أفضل صورة نثق في إمكانية إهدائها للطالب!
عني أنا شخصياً، وجدت أن أرشيف صوري فقير إلى حد أن ساورتني الشكوك في حقيقة بأني كنت ذات يوم طفلة تربت وسط عائلة ذكورية بامتياز! والذي زاد من شكوكي وريبتي، وحيرتي معاً، أن هناك ألبومات بـ”الهبل” تغص بصور الإخوة الأعزاء، تمثل مختلف مراحلهم العمرية، ليزداد يقيني بأني لم أكن موضع ترحيب على الإطلاق!
لم أسكت وتوجهت لوالدتي بسؤال أربكها، وربما فاجأها لكونه جاء متأخراً، ذلك انّ ابنتها الوحيدة ربما تعاني “ماضوية” طفولية حرجة، فأجابتني بتودد: “والله من فرحتنا فيج ما صورناج، خفنا عليج من العين”!

الغريب أنَّ فقر أرشيفي الفوتوغرافي لم يترك أثراً معاكساً في نفسي، فما زلت غير صديقة لعدسة الكاميرا، ولا أتنازل لتوجيه وجهي لها إلاّ للضرورات القصوى، كالتقاط صور لتجديد جواز السفر، أو للبطاقات التي بدت بالتكاثر بلا فائدة!

أما ما استجد من إجراءات على المستوى الأمني، والدبلوماسي، فهو عدم اعتماد أغلب الدائر الحكومية، وسفارات الدول الأوروبية عموماً، للصور التي كنا نلتقطها عند استوديو “سعيد الساحر” بثقة بالغة، وكأن كل الصور التي “يصنعها” هي لزبائن عازمين على دخول القفص الذهبي قريباً، ففي ستديو سعيد الكل مبسوط، وسعيد، فالمرأة العجوز الشمطاء تخرج صورها من مخبره، بنت الثامنة عشرة، والحبيب أبو شعر ثاير، ستختفي ندب حب الشباب من أعلى وجنتيه، بفضل لمسات الفوتوشوب المذهلة، لتظهر كل الوجوه وعلى شدة حساسيتها، ومشاكلها، و”ديفوهاتها”، نسخ مكربنة عن بعضها البعض، كبشرة العرق الصيني، تبرق نقاءً!

أذكر قصة لإحدى نسائنا الفضليات، التي بقيت تجدد وتستخرج، وتزود معاملاتها الشخصية، بصور استديو سعيد طيلة عشر سنوات متواصلة، حتى فوجئت ذات مرة في سفرها لإحدى الدول الأوروبية، بطلب موظف أمن المطار، بضرورة حضورها لمكتب الأمن للتحقق من هويتها، وبفعل التقادم نسيت أنها قد تغيرت كثيراً، ولم تعد ملامحها ما قبل عشر سنوات، وأكثر كما هي، عدا رتوش سعيد السحرية، لتكون بعد هذا التنافر الواضح ما بين الواقع والصورة، موضع شك وريبة، لأجهزة أمن المطارات، وبعد أحداث 11 سبتمبر ومخلفاتها، فُرضت على جميع المواطنين، ودون استثناء، ضرورة التقاط صور شخصية بلا رتوش، وبخلفية ناصعة البياض، وبلا حركات تعبيرية، أما الرجال، ولاستخراج “الفيز”، فقد صار يشترط عليهم الاستغناء عن “الغترة” و”العقال”، وإن كانت أجواء بعض قممهم، تشكو من تصحر مبكر! وكأن ألسنة حالهم تقول: “سقا الله أيامك يا سعيد”!

Esmeralda8844@gmail.com

اقرأ أيضا