الإمارات

الاتحاد

عبد الحميد عشاق: التعليم أساس الخروج من نفق الأزمة

أحمد عبدالعزيز (أبوظبي) - أعرب الدكتور عبدالحميد عشاق مدير مساعد مكلف بالبحث العلمي والتعاون بمؤسسة دار الحديث الحسينية بالرباط عن اهتمامه بالمشاركة في منتدى السلم في المجتمعات المسلمة الذي يعقد للمرة الأولى في العالم الإسلامي، مشيرا الى أهمية المنتدى لما تمر به الأمة العربية والإسلامية من ظرف عصيب، وأصبح فرضا على الأمة لعقد مثل هذه المنتديات لبحث الأسباب التي أدت لهذا الوضع الذي يؤدي لحرق الأمة الإسلامية ولابد من الجميع العمل على وقف هذه المحنة وفعل ما يمكن للخروج من هذه الأزمة وإطفاء ما وصفه بحرق الأمة العربية والإسلامية التي تحدث بشكل غير طبيعي مقارنة بقيم أمتنا، واصفا المنتدى الذي تنظمه الامارات بأنه خطوة لـ”بذل السلام للعالم” وليقود الأمة الإسلامية الى التعايش السلمي.
وقال إن الأهمية للمنتدى تظهر في تمحيص المفاهيم ودور العلماء والمثقفين وأهل الرأي والعلماء بعد أن العديد من المسلمين فقدوا التوازن في علاقاتهم مع الزمن وما يجري في العصر وما يؤمنون به من مبادئ وأحكام وما يعيشون فيه من الزمن الحالي بقيمه واصبح كثير من المسلمين غير قادر على التصرف واتخاذ القرارات علاوة على أننا لم نعد نعي كيف نستثمر الأحكام والقيم الشرعية في مناحي الحياة وهذه القضية مرتبطة بفقدان المسلمين طريقهم نحو الدين.
وأضاف أن المفاهيم الأصلية التي تفرعت عنها مفاهيم ملتبسة أننا لم نعد نعرف كيف نوظف الأحكام الشرعية في مناحي حياتنا، مشيرا الى أن الأمة ورثت مشكلات من قرون سابقة وتضافرت عوامل كثيرة لهذا الوضع الشديد التأزم ما يضع المسؤولية على عاتق الجميع، المؤسسات الدينية والجهات العلمية والثقافية والمجتمع برمته وهناك أزمات الإبداع في الفكر عند المثقفين وعلماء الفلسفة والأدب وأزمة إبداع عند الأدباء وتضاهيها أزمات الاجتهاد عند علماء الدين.
الأمية الفكرية
وأشار الى أن الأمة الإسلامية تعاني الأمية الفكرية والثقافية والحرفية وعندما نوفر شروط التقدم العمراني الذي هو أساس الحضارات البشرية التي تزدهر فيها العلوم والإبداعات الثقافية والفنون المختلفة وذلك يؤدي الى الانكماش في حالات التأزم وعلى العكس من ذلك فلا يمكن أن تجد العلماء والمبدعين في أراض حل بها العنف والخراب في بلدان مثل سوريا أو العراق ولا يمكن أن تتصور أن يظهر حجة أو علامة الاسلام من هذا الخراب ولابد أن تتوفر شروط الإبداع الفكري والتي تتلخص في العمران والتنمية الاجتماعية والعلمية وهي السبيل للخروج من هذه الأزمة.
ولفت الى أن المجالات كلها واحدة لأنها تعني الإنسان عندما يكون في سياق معين ولابد من التمييز بين الاصطلاحات الأكاديمية، ونحن في حاجة الى تجديد الخطاب الديني ولا اقصد هنا التعبيرات أو المعاني والألفاظ ولكن الهدف هو الفكرة وتصحيح المفاهيم التي هي وعاء الأفكار التي تشكل رؤية الشخص الى الاخرين والمجتمع والأسرة والمستقبل وكل ما يدور حولنا، وهذا يقونا الى نتيجة مهمة وهي أن الشخص القادر على التعايش بسلام ويتواصل بشكل جيد مع الاخرين ممن يختلفون معه في الرأي فهو نتاج مفاهيم صحيحة سليمة.
وقال: “انه لابد من تدبير الاختلاف والتعايش بسلمية مع من يختلف معنا ونحترم الرأي والرأي الآخر والمشكلة ليست في صحة المفاهيم والقيم ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في الأفراد وكيف لهم أن يتعايشوا بهذه القيم وكيف يحترم بعضنا بعضا وثقافة تدبير الاختلاف، لاسيما في إطار البناء الثقافي الذي بنيناه في خلال قرنين من الزمن، وهناك مشكلة حقيقية أننا فقدنا هذه الصناعة والتربية والأصول التي تجعلنا نحترم بعضنا البعض ونتعايش رغم الاختلافات في وجهات النظر والانتماءات ولابد من مراجعة وإعادة النظر في التقاليد الثقافية التي انتجت أوضاعا أدت في نهاية المطاف هذا الحريق الذي لن يفلت منه إلا من رحم ربي”.
وأضاف أن الوضع الآن خطير ولابد من التحرك وان المنتدى هو خطوة رائدة ومهمة ولابد من تكاتف جميع الدول العربية والإسلامية وضرورة عقد مثل هذه المنتديات لمناقشة الأخطار التي تضرب الأمة الإسلامية، ليس فقط حضور مؤتمر وننتهي عند ذلك الحد، ولكن هذه لبنة وأساس التي ستتلوها لبنات اخرى الهدف منها تعزيز السلم وثقافة العيش المشترك والاحترام للآخر وكل هذه الأهداف هي من أمهات المقاصد الشرعية الكبرى.
واستحضر الدكتور عشاق رؤية الفيلسوف “كانط” والتي يقول فيها “إن السلام ليس هدنة ولكنه بناء متواصل مرتكز على خطوات مستمرة ويقوم على استراتيجية منتظمة تنتهي الى بناء ثقافة السلم في الضمائر والقلوب وفي العلاقات والمؤسسات وفيما يصدر عنها من أحكام وقرارات”.
وضرب مثلا آخر في أهمية البناء الثقافي بالبرنامج الألماني – الفرنسي التي تبني السلم بين المواطنين الألمان والفرنسيين لنسيان الجراحات القديمة ونحن بحاجة الى مثل هذه النماذج وهذا ما يؤكد رؤية “كانط” في أن السلام ليس هدنة وإنما يبنى وهذا هو دور العلماء والمفكرين والإعلاميين والقادة السياسيين، واذا اردنا بناء السلم في الأمة لابد أن يتم ذلك من خلال برامج مشتركة ولا نكتفي فقط بإصدار كلمات.
وحدد فضيلة الدكتور عشاق أحد أهم أسباب معاناة الأمة الإسلامية وعدم قدرتها على التخلص من مشكلاتها في أن القائمين عليها من العلماء يحلون مشكلاتها باللغة أو بالبلاغة فقط حيث يختار المحسنات البلاغية واللفظية دون أن يبحث عن حلول حقيقية للمشكلات المزمنة، وهؤلاء في حقيقة الأمر منفصلون عن هموم البسطاء ولابد من التغلغل في النسيج الثقافي العام لبناء فكرة السلم التي ينشدها المنتدى، لابد من البحث في فكرة للبحث عن دواء لحالة الأمة العربية والإسلامية وضرورة البعد عن الحديث فقط عن مشكلاتنا والتقعر في وصفها ثم توصيات حبر علا ورق بل الوصول الى أفكار راشدة وحقيقية.
«الانغلاق» ظاهرة تتكرر
وعرج الدكتور عشاق على ظاهرة تكررت في تاريخ الأمة الإسلامية وهي “الانغلاق الفكري” لبعض المتدينين، مشددا على حتمية دراسة أسبابها وتحليلها والوصول الى حلول لها، وانه لا يمكن لأي من شم رائحة الاسلام وتفقه في أصوله وفروعه وتفقه في مقاصده أن يتلبس بشيء من الانغلاق، وان هذا التيار يتصاعد بل ويجد مكانا في الأسر والعلاقات الاجتماعية ويصدر عنه فتاوى واصبح له السبق الى مواقع الكترونية ويكون له اتباع لا يكونون الى الفقهاء العلماء وهذا ما يدعو الى دراسة هذه الحالة لاسيما في سياقها الثقافي والاجتماعي والسياسي والعولمي المعاصر.
وعن أسباب هذه الظاهرة، اوضح أن المؤسسات الدينية في العالم الإسلامي تعيش أزمة على شاكلة ما تعيشه المؤسسة الثقافية ولا يمكن تجزئة الأمر أو فصل هذا عن ذاك فالدين مرتبط بالوضع الثقافي ولا يمكن تفرقتهما وغيرهم من المؤسسات حيث إن هناك حالة أزمة بنيوية شاملة انعكست تداعياتها على كل ما يصدر من هذه المؤسسات، وهناك أسباب تتعلق بما يدرس داخل المؤسسات الدينية الذي لم يتغير منذ قرون ولم نربط هذه المحتويات بمقتضيات الزمان والتغير الذي يحدث في عالمنا المعاصر، ولا يمكن أن يأتي هذا النمط التعليمي المنفصل عن واقعه ولم يتم تحديثه.
وأضاف انه لابد من معرفة الرؤية التي تحكم العالم والتعامل معها واذا رجعنا لقرون مضت في عصر الامبراطوريات تفاعل معها الاسلام وقتها، ونحن الآن بحاجة الى نمط تعليمي يرتبط بالأوضاع الدينية في العالم الإسلامي واصبح من الضروريات إدخال المناهج التي تعبر الفجوة بين النص والواقع وبعبارة اخرى “بين كلي النص وكلي الزمان”، ويجب مراعاة ذلك في تفكيرنا وأحكامنا وليس فقه الدين هو الجمود على المسطورات ولكن فقه الدين هو نور يمكننا من التفرقة بين النور والظلام بين الحلال والحرام وبين الجائز والممنوع وكل ذلك هو ثمرة العلم وكل ذلك يصب في تجديد الخطاب الديني الذي يطور المجتمع.
حل أزمة الأمة
وبحثا عن حل للأزمة التي تعيشها الأمة الإسلامية الآن، قال: “إن التعليم هو الأساس للخروج من هذا النفق والمناهج التعليمية لابد من إدخال النزعة العقلانية فيها ولا يمكن أن يعتبر ادعاء أن الدين يعادي النزعة العقلية، ولابد من اعتبار دور العقل في الفضاء العام لتدريس هذه الثقافة وتطبيقها والعالم الحقيقي يحسن التلاوة والفهم والعمل، والقران يشمل العديد من الآيات تحث المسلمين على التدبر والتفكر”.
واختتم الدكتور عشاق حديثه بأهمية إدخال قيم التعايش في المناهج التعليمية، حيث إنه الشق الغائب في مجتمعاتنا وان كل العلوم التي تنتظم في رؤيتها وفلسفتها وفروعها ما يؤسس لهذه القيم تدبير الاختلاف والعيش المشترك لابد من إدخالها في مناهج التدريس لا من الناحية الفلسفية أو من ناحية البرامج الدراسية بشرط أن ننتج علما مبتكرا انطلاقا من قيمنا كما صنع السابقون عندما أنتجوا ثقافات إنسانية مشتركة استنادا الى القرآن والسنة النبوية ومقاصد الشريعة، والتحدي هو الآن هل يمكننا انتاج علوم إنسانية تتواصل مع كثير من هذه العلوم السائدة اليوم والتي تفيد ثقافة التعايش المشترك، مشيرا الى انه لابد من المعاناة للوصول الى مثل هذه العلوم وذلك لأننا لم نعمل على انتاج هذه المفاهيم التي تؤسس لثقافة جديدة وهي العيش المشترك.
ووجه رسالة اقتبسها من الحديث الصحيح عن قول عمار بن ياسر (ثلاثة من جمعهن قد جمع الإيمان هم الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الاقتار)، حيث إن المؤمن يعطي الحق والمحبة والسلم والمال ويجود حتى وان كان في ضيق.

الفقه الحقيقي

أشار عبد الحميد عشاق الى أن الفقه الحقيقي يذهب الى أن الرخصة تأتي من الثقة في حل المشكلات والتشديد هو تعقيد للمشكلات بل وايجادها وهذا هو الفقه الذي يذهب الى التيسير وليس التشدد اعتقادا انه تقرب الى الله، ولا يمكن الاعتقاد بان التشدد هو سبيل الى الله، إلا أن الاسلام الحقيقي هو التيسير على العباد والعمل على تطور المجتمع وما يقود الأمة الإسلامية الى الاعتدال، حيث إن الأصل في ثقافة التوسط والتي هي من صميم الشريعة ومقصدها الأساسي وعقيدتنا ويؤكد ذلك الحديث الصحيح (عن عائشة رضي الله عنها: “أنه ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا اختار أيسرهما، ما لم يكم إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه).

اقرأ أيضا

الإمارات والكويت.. علاقات راسخة ومصير واحد