الاتحاد

دنيا

يعقوب الكندري: الديوانيات الكويتية من مجلس شيخ القبيلة إلى مجلس الأمة

يعقوب الكندري

يعقوب الكندري

الديوانية·· هو ذلك المصطلح الذي يطلق على العادة الموروثة التي اكتسبها أفراد المجتمع الكويتي منذ عقود، وهي المكان الذي يجتمع فيه كل أطياف المجتمع من الرجال للتشاور و تبادل الآراء ، حتى أدرجت الحكومة الكويتية الديوانية ضمن خطة بناء البيوت فبات المنزل الكويتي لا يخلو من الديوانية·· و ذكر عميد كلية العلوم الاجتماعية السابق و أستاذ علم الاجتماع في جامعة الكويت د· يعقوب الكندري أن الديوانية في الكويت لعبت أدوراً عدة في المجالات السياسية و التربوية و الفكرية والاجتماعية و كذلك الإعلامية، حيث كانت و لازالت مصدراً للأخبار و هي أول مكان وصلت إليه الصحف من البصرة و الهند·
كما أشار إلى الدور الذي لعبته الديوانيات في فترة الاحتلال الصدامي الغاشم على دولة الكويت ·· حيث دأب أعضاؤها على مواصلة الناس وتوزيع المساعدات بشتى أنواعها وأشكالها·
ولفت د·الكندري خلال حديثه إلى أن أول مستشفى في الكويت لم يكن المستشفى الأميركي، و إنما كان موجود في إحدى الديوانيات وهي البعثة الطبية في ديوانية ''بودي'' '' الاتحاد'' تحاورت مع د·يعقوب الكندري حول الديوانية و أثرها في تاريخ المجتمع الكويتي و فيما يلي نص اللقاء:

الديوانية باتت تشكل جزءاً لا يتجزء من النسيج الاجتماعي الكويتي ·· فهل لك أن تسرد لنا التاريخ الاجتماعي لوجود الديوانيات في الكويت؟
؟؟ الديوانية الكويتية هي جزء أصيل و عادة من العادات الاجتماعية التي توارثها الكويتيون، وتعتبر مختصة بمجتمع الرجال، و تؤدي هذه الديوانية مجموعة من الوظائف الاجتماعية كانت في الكويت ولازالت·· منها وظائف اجتماعية وسياسية و تربوية و فكرية، كانت الديوانية التقليدية في الكويت محصورة على طبقة من أعيان البلد والشيوخ والأمراء، و لكن نظراً لأهميتها و دورها أصبحت الديوانية الآن جزءاً أساسياً من حياة المجتمع بكافة شرائحه و لا تقوم على طبقة دون أخرى ·· والديوانية عبارة عن امتداد لما يسمى بمجلس شيخ القبيلة ·· فلكل شيخ كان هناك مجلس يضم مجموعة من أفراد و أبناء الشعب، و هذا الامتداد التاريخي وصل من خلاله حاجة المجتمع و طبيعته في بداية تأسيس الكويت إلى وجوده وامتداده إلى شيخ الكويت، واستمد أيضا منه الشيوخ و الأمراء و أعيان البلد مجالسهم عبر هذا الامتداد التاريخي و كان كل أعيان البلد لديهم ديوانياتهم الخاصة يلتقون خلالها عامة الناس، إلى أن حدثت عملية التغيير الاجتماعي و الطفرة المادية، فشعروا بأهمية التواصل الاجتماعي فانتشرت الديوانيات بداخل المجتمع المحلي و أصبحت ظاهرة فريدة داخل المجتمع الكويتي بالتحديد، على الرغم من وجود العديد من المؤسسات المشابهة لها في المجتمعات الخليجية·
؟ ما الذي يميز الديوانية الكويتية؟
؟؟ إن ما يميز الديوانية المحلية هي الأدوار التي تؤديها داخل المجتمع ·· فلقد لعبت أدوراً سياسية مهمة، على سبيل المثال لا يمكن أن ينجح عضو مجلس أمة ما لم يكن لديه مجموعة من الضمانات و الدعم الذي قد يتلقاه من ديوانيات المنطقة، و كذلك تعتبر الديوانية وسيلة ضغط سياسي من خلال طرح توجهات النائب داخل الديوانية و كذلك الديوانيات شكلت بعض الوسائل الضاغطة على النائب لإقرار المشاريع، و كذلك هي تبني أيدلوجية محددة خلال عرض المواضيع ·· ويعد ذلك دوراً سياسياً مميزاً و ما كان سيتواجد إلا بسبب وجود دور تاريخي للديوانية الكويتية التقليدية التي لعبت دوراً سياسياً أيضا في الماضي، حيث جرت فيها أول انتخابات لاختيار المجلس التأسيسي وحصل فرز داخل الديوانية، و نتذكر الشيخ يوسف بن عيسى الجناعي في ديوان البدر ··فلقد كان لها دور كبير و لا زال هذا الدور و هذا ما يميز الديوانية الكويتية عن بقية المؤسسات الموجودة في المنطقة·
؟ هل هناك أدوار أخرى للديوانية في المجتمع الكويتي؟
؟؟ نعم ··فهناك دور إعلامي مميز للديوانية سواء تقليدياً أو حالياً ··تقليدياً كانت الديوانية مركز الأخبار و مصدرا جديدا للأخبار لما تتمثل به من طبيعة خاصة من خلال جمعها لأفراد المجتمع الواحد داخل محيطها، و كانت الصحف أول ما ينقل داخل الديوانية حيث كانت تأتي من الهند و البصرة ···وأول ما دخل المذياع إلى الكويت دخل إلى الديوانيات ·· و هذا الدور الإعلامي امتد في مجتمعنا الحديث لتصبح الديوانية منبراً إعلامياً مهماً و أساسياً داخل المجتمع الكويتي ··فالعديد من الندوات و التجمعات و القضايا التي في بعض الأوقات لا يتحدث عنها الإعلام، نجد أن الديوانية كانت و لازالت مكاناً رحباً لعرض القضايا التي لا تتناولها المؤسسات الإعلامية الأهلية أو الحكومية ·· فهي مكان مناسب لطرح كثير من القضايا الفكرية المتعددة·
؟ كيف يمكن أن تؤثر الديوانية على حياة المجتمع الكويتي؟
؟؟ من خلال عدة أدوار و من بينها الدور الاجتماعي الكبير للديوانية فهي مكان التقاء الأصدقاء و الأقارب و المجموعات السكانية من مختلف شرائحهم و فئاتهم، وتجمع الفقير و الغني و تجمع السني و الشيعي و البدوي و الحضري، فهي تجمع كافة شرائح المجتمع و أطيافه داخل قطاعها، وهي فرصة للتجمع أثناء الاحتفالات و الأعياد ومواسم رمضان و في المجتمع التقليدي، الجميع يتذكر حوادث كثيرة أسهمت فيها الديوانية الكويتية في هذا المجال ··أول مستشفى كويتي كان في إحدى الديوانيات و كان ذلك قبل وجود المستشفى الأميركاني في الكويت، حيث كانت البعثة الطبية موجودة في ديوانية ''بودي'' ··ولقد ذكر ذلك الباحث في التاريخ عادل عبدالمغني و كانت الديوانية من تقدم المساعدات المادية و المعنوية و الغذائية لأبناء مجتمع الفقراء و هناك حوادث مثل سنين'' الهيلق'' و هي سنون مجاعة مرت على الكويت و يدرك الجميع ما قامت به الديوانية عندما فتح رجال الخير ديوانياتهم للمساعدة و هذا دليل تماسك اجتماعي داخل المجتمع·
؟ هل ساهمت الديوانية في المجتمع الكويتي بالدفع نحو تعزيز الجوانب التربوية والفكرية ؟
؟؟ بالطبع ··فهناك دور تربوي مميز للديوانية تقليدياً حيث كانت في الماضي هي مكان تجمع المفكرين والأدباء، و كانت هناك ديوانيات تخصصية أشبه ما تكون بجامعات مخصصة للفقه و الشعر والنادي الأدبي وأندية ثقافية و علمية و غيرها، وبقيت موجودة في مجتمعنا الحديث و بقيت منارة فكرية من خلال ما تجمع فيه من كثير من الأشخاص
والمتخصصين الذين يجولون بداخل الديوانيات بشتى أنواع الفكر، وينقلون هذه الأفكار و التوجهات إلى العامة من الناس، لذلك لها دور مميز في حياة المجتمع الكويتي من الناحية التربوية والفكرية·
؟ هل لك أن تبين لنا دور الديوانية في الكويت إبان الغزو الصدامي الغاشم؟
؟؟ إن هذه القضية مهمة كمرحلة تاريخية في المجتمع الكويتي و هي مرحلة الاحتلال الصدامي الغاشم، حيث أدت الديوانيات دوراً فعالاً و رئيسياً و مباشراً أثناء تلك الفترة·
ولا ننسى دور الديوانية الاجتماعي و السياسي و التعاوني في تلك الفترة·· على سبيل المثال كانت هناك اجتماعات دورية لأقطاب السياسة في المجتمع الكويتي·· والمخطط الخاص للدولة بعد التحرير صدر من هذه التجمعات، و كان سمو رئيس مجلس الوزراء آنذاك الأمير الوالد الراحل الشيخ سعد العبد الله على علم و دراية بهذه التجمعات الموجودة في الديوانيات، حيث كان لها دور كبير في المجال الاجتماعي فكانت تتم عملية توزيع المبالغ المالية عن طريق الديوانيات لأن أصحاب الديوانيات أكثر معرفة بأبناء الحي، و قد كانت هناك عملية تبادل زيارات لتقوية الروح المعنوية في تلك الفترة ··كما أن العديد من الديوانيات المميزة جغرافياً كانت عبارة عن أماكن رصد و متابعة أمنية في تلك الفترة و تحرس الأحياء··ولقد كان دور الديوانية الرئيسي هو في عملية تنظيم المقاومة الشعبية أثناء فترة الاحتلال و دورها أيضا في المجال التكافلي في تلك الفترة فمن خلالها كانت تتم عقد الصفقات التجارية للجمعيات التعاونية ··إذا فالديوانية الكويتية لعبت دورا مهما في المجتمع التقليدي و الحديث وكذلك أثناء الفترة الحرجة·
؟ ماذا عن ''دواوين الاثنين'' كيف ساهمت تلك الديوانيات في تاريخ الكويت السياسي والاجتماعي؟
؟؟ دواوين الاثنين هي مرحلة من مراحل تأثير الديوانية السياسي في الوضع الراهن فبعدما تم حل مجلس الأمة في عام 1986 م بشكل غير دستوري تداعت القوى السياسة إلى تجمعات، و كانت تعقد في ديوانيات سميت بـ ''دواوين الاثنين'' بناء على التجمع كل يوم اثنين من كل أسبوع في ديوانية محددة، فأصبحت هناك تجمعات غرضها سياسي لإعادة الحياة السياسية في تلك الفترة ·· و هذا أحد الأدوار السياسية للديوانية في تلك الفترة و تمخضت عنها عودة الحياة النيابية البرلمانية·
؟ هل تعتقد أن الديوانيات قد غلب عليها الجانب الطائفي والقبلي؟
؟؟ الديوانية بفضل الله هي الجامعة في الكويت لكافة الشرائح و لكن هذا لا يمنع من وجود بعض الديوانيات المغلقة وهي قلة، ولكن مفهوم الديوانية ومن سماتها هي أنها يجب أن تكون مفتوحة والعضوية للجميع، فمتى شعر الشخص بتلاؤم بينه و بين أعضائها بقى فيها ·· و هذا يبطل أي نزعة طائفية أو قبلية قد تؤديها الديوانية فهي جامعة لكافة الشرائح ووجودها و انتشارها يساعد بشكل كبير على صفة وحدة الخلافات الطائفية و القبلية و المذهبية، لأنها تفتح مجال للمحاورة و النقاش و إبداء الرأي·
؟ ماذا عن الديوانية الشبابية ··هل هي شيء سلبي أم ايجابي للشباب؟
؟؟ إن الشباب من أبرز التغيرات على الديوانية المحلية فلقد أصبح عنصر الشباب متواجدا داخل الديوانية و أصبحت هناك العديد من الديوانيات الشبابية ··ولكن هناك إشكالية بسيطة في ديوانية الشباب و هي الإفراط في الجلوس فيها·· و تحتاج هذه القضية وقفة و دراسة متأنية·· ففئة الشباب تتميز ببعض الخاصية النفسية المختلفة، و قضاءهم لأوقات طويلة في الديوانية يعود لوجود خلل في تكوينهم التربوي أو الأثر التربوي عليهم من غياب المراقبة الوالدية، مما قد يدفعهم لقضاء أوقات طويلة خارج البيت و منها في الديوانية، و قد تكون الديوانية الشبابية مدعاة للفساد أكثر من كونها ذات فائدة، و كان لي دراسة عن هذا الموضوع فكثير من الأمور التي حصلت بداخل الديوانية مع الأسف هي دخيلة على المجتمع الكويتي، حيث أن كثير من الشباب يمارسون بعض الأمور غير المقبولة داخل الديوانية، فهناك مجموعة تمارس القمار و الرذيلة فهي مثل كأس الماء الذي قد تستفيد منه أو يكون مضراً و يرجع ذلك في كيفية استخدامه·
؟ بصفتك الأكاديمية في مجال علم الاجتماع ·· باعتقادك ما هو الحل لمشكلة انتشار الفساد في بعض الديوانيات الشبابية؟
؟؟ إنها قضية تتعلق بالأسرة فيجب تكثيف الجهود و هي قضية توجيه التركيز الإعلامي و التوجيهي من الأسرة التي هي نواة المجتمع، و يفترض أن يتم من خلالها توجه الجهود فهناك دور رقابي توجيهي يفترض على الوالدين القيام به ··،و متى ما صلحت الأسرة صلح حال الشباب و قاموا بأداء أدوارهم في المجتمع، وتصبح بالتالي الديوانية جزءاً ايجابياً مميزاً و العكس صحيح

اقرأ أيضا