الاتحاد

عربي ودولي

العرب في المهجر الأفريقي يبحثون عن هوية


القاهرة - محمد عزالعرب:
مازالت أفريقيا بشكل عام منطقة معتمة بالنسبة للعرب رغم إنها الجوار المباشر للأمة العربية وفيها تسع دول عربية تضم اكثر من ثلثي سكان الوطن العربي كله·· أما المهاجرون العرب في أفريقيا سواء كانت هجرتهم مؤقتة أو دائمة فهي منطقة أكثر إظلاما وغموضا مع أن كثيرين من المهاجرين العرب احتلوا مواقع قيادية في بلدان المهجر الأفريقية· وفي ندوة 'المغتربون العرب في المهجر الأفريقي' التي نظمها برنامج الدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة وإدارة شؤون المغتربين بالجامعة العربية قال الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى إن عدم توفر البيانات والمعلومات عن الكفاءات العربية المهاجرة وصعوبة الحصول على المتاح منها يعوق التعرف عليها مما استوجب التفكير في آليات جديدة لمتابعة وحصر هذه الكفاءات ودراستها ووضع الخطط المناسبة لها مطالبا بتكاتف جهود الجامعة ومراكز البحث والوزارات في الدول العربية لإنشاء قاعدة بيانات أساسية فيما يتعلق بهؤلاء المغتربين بعد إنشاء إدارة بالجامعة تُعنى بشؤون المغتربين لحماية حقوقهم في بلدان المهجر·
وشدد على أن الجامعة العربية في إطار اهتمامها بمؤسسات المجتمع المدني تسعى لتجميع المغتربين العرب ضمن منظومة محددة للعمل على خدمة أهدافهم وتحقيق مصالحهم والحفاظ على حقوقهم وتنمية انتاجهم وإبداعهم والاستفادة من عطائهم لأمتهم ليكونوا خير سفراء لها·
عطاء السماء
ودعا د· كمال المنوفي - عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة- إلى وضع تصورات حول خريطة توزيع المغتربين العرب في أفريقيا ومعرفة المشاكل التي تواجههم والدور المطلوب من الجامعة العربية لمساعدتهم ومدى مساهمة المغتربين في التفاعل مع الشعوب الأفريقية ودورهم الاقتصادي والاجتماعي في مجتمعاتهم الجديدة وتأثيرهم في تشكيل الصورة الذهنية عن العرب لدى الشعوب الأفريقية·
وأشار د· أحمد الرشيدي -مدير برنامج الدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة- إلى أن بعض المغتربين العرب في المهجر الأفريقي نجحوا في أن تكون لهم مساهمات في تنمية مجتمعاتهم الجديدة، حيث نجح اللبنانيون المقيمون في ساحل العاج في أن تكون لهم اليد العليا في عدد من القطاعات الاقتصادية الحيوية حوالي 60 في المئة ناهيك عن سيطرتهم على 70 في المئة من تجارة الجملة ونحو 80 في المئة من الشركات العاملة في جمع البن والكاكاو وتصديرهما الى الخارج ، وقد أشاد الرئيس هوافيه بوانييه أول رئيس لساحل العاج بعد الاستقلال بجهود اللبنانيين في بناء اقتصاد دولته حيث وصفهم قائلا: اللبنانيون عطاء من السماء وقد أرسلهم الله هدية لنا واذا كان من وجود للصناعة في هذه البلد فالفضل يعود الى نشاط اللبنانيين وذكائهم· واكد ان اندماج المغتربين العرب وتفاعلهم مع التطورات السياسية في دول المهجر الأفريقي يختلف من حالة الى أخرى بحسب ما يكون عليه الوضع القانوني لهذا المغترب العربي أو ذاك مشيرا إلى أن المغترب العربي الذي اكتسب جنسية دولة الاستقبال واصبح من مواطنيها يشترك مع غيره من بني وطنه الجديد في كل ما يتعلق بالتطورات السياسية في هذا الوطن وحاول بعض المغتربين اللبنانيين ترجمة وضعهم الاقتصادي المتميز في مجتمعاتهم الأفريقية الجديدة الى ثقل سياسي ونجح بعضهم في الوصول الى عضوية البرلمان كما في حالتي جنوب أفريقيا وغينيا بيساوي ونجح البعض الآخر في تبوأ منصب مستشار رئيس الدولة كما في حالتي غينيا الاستوائية وبوركينا فاسو·
مواقع قيادية
وأشار د· ابراهيم نصر الدين -رئيس قسم النظم السياسية بمعهد البحوث والدراسات الأفريقية- الى اندماج بعض المغتربين اليمنيين في الحياة السياسية لمجتمعاتهم الأفريقية الجديدة فصار منهم الوزراء وأعضاء البرلمان مثل نجيب بالعلا وزير الشباب والرياضة في كينيا ود· عبدالقادر شريف نائب وزير الخارجية في تنزانيا وهاشم عبدالله السقاف عضو البرلمان التنزاني مسلطا الضوء على الخطوة المهمة التي اتخذتها الحكومة اليمنية في عام 1997 والمتمثلة في انشاء وزارة خاصة برعاية شؤون المغتربين ومتابعتهم في دول المهجر ومن بينها دول المهجر الأفريقي حيث تعتبر بمثابة الإطار التنظيمي الحاكم لعلاقة هؤلاء المغتربين بوطنهم الأم·
ودعا د· محمد عاشور -الاستاذ بمعهد البحوث والدراسات الأفريقية- الى الاهتمام بالجاليات العربية في الدول الأفريقية والبحث عن سبل التواصل معها للاستفادة منها في توطيد العلاقات العربية الأفريقية ومساعدة تلك الجاليات في تنفيذ وتطوير مشروعاتها وتوفير الرعاية والحماية اللازمة لها بما يصب في صالح الطرفين، وهو ما يقتضي تحديد خريطة وحجم الوجود العربي في أفريقيا وحالة الجاليات العربية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وعلاقتها بدول المهجر الأفريقية وشعوبها وطبيعة علاقتها بدول المنشأ وقضايا الوطن·
وقال :ان الجالية اللبنانية هي أكثر جالية عربية في أفريقيا من حيث الانتشار حيث تمتد من مصر شمالا إلى جنوب افريقيا جنوبا ومن السنغال غربا إلى تنزانيا شرقا، مع اختلاف نسبي في حجم وثقل الوجود في كل منطقة، مقسم اللبنانيين في الدول الأفريقية إلى ثلاث فئات: الأولى هم أولئك الذين اندمجوا اجتماعيا في المجتمعات الأفريقية وتجنسوا بجنسيتها متخلين عن جنسيتهم العربية وتزوج بعضهم بأهاليها الافارقة وان ظلت طائفة منهم على ارتباط عاطفي بوطن الاجداد والثانية هم الذين استوطنوا المجتمعات الأفريقية بصورة دائمة وتجنسوا بجنسيتها مع الاحتفاظ بجنسيتهم اللبنانية وعاداتهم وتقاليدهم ويقومون بزيارات من وقت لآخر إلى أوطانهم الأصلية واقاربهم والفئة الثالثة يعتبرون وجودهم في الدول الأفريقية مؤقتا هدفه طلب الرزق وتحسين مستوى المعيشة· وأوضح انه من اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 عرفت أفريقيا الغربية هجرة لبنانية جديدة كانت وجهتها الأساسية ساحل العاج التي تضاعف عدد اللبنانيين فيها ثم بنسبة أقل السنغال وسيراليون وتشكلت الهجرة من الشيعة القادمين من الجنوب ومثلوا 90 في المئة من مجموع المهاجرين اللبنانيين في تلك الحقبة الأمر الذي اسفر عن زيادة التنوع الديني بين المهاجرين ما بين كاثوليكي و أرثوذكسي وماروني من ناحية، وسني وشيعي ودرزي من ناحية أخرى· إلا أنها واجهت نكبة حقيقية بدأت عام 1989 في ليبريا باضطهاد جماعي للمهاجرين ونهب وتخريب شامل لمؤسساتهم الاقتصادية والعمرانية والاجتماعية وأدى ذلك إلى تهجير أبناء الجالية اللبنانية في ظروف مأساوية ترافقت عامي 1990 و1991 مع حربي الخليج الأولى والثانية·
وقال د· محمود ابوالعينين - الاستاذ بمعهد البحوث والدراسات الأفريقية - إن الاهتمام الأكاديمي بالجاليات العربية في أفريقيا جنوب الصحراء جاء على موجتين الأولى في أواخر السبعينيات وتوافقت مع الزخم الكبير الذي حظي به التعاون العربي الأفريقي ومؤسساته بعد حرب اكتوبر 1973 والثانية بعد أحداث 11 سبتمبر وما صاحبها من تركيز الأضواء على أعمال العنف والإرهاب في أفريقيا خاصة منطقة القرن الأفريقي وغرب أفريقيا وبين هاتين الموجتين، توجه الأهتمام لدور العرب في المهجر الأفريقي في عدة مناسبات متفرقة اهمها فترة ما بعد الاستقلال الأفريقي في بداية السبعينيات وفترة الصراعات الأهلية في أفريقيا منذ التسعينيات·
وقال إن المهاجرين العرب في أفريقيا عانوا اتهامات اجتماعية عنصرية خاصة في شرق أفريقيا وتهميش واستبعاد من مجتمعاتهم في غرب أفريقيا مشيرا الى إنه في ساحل العاج يؤثر الوضع السياسي على الوضع الاجتماعي ،ورغم ان هناك تسامحا بين اللبنانيين والافارقة فإن هذا الوضع تغير مؤخرا فالنظرة الى اللبنانيين تتلخص في انهم ليسوا محل قبول من اهل البلاد الأفارقة كما ان عددا كبيرا من اللبنانيين ولدوا وعاشوا في ساحل العاج ولم يزوروا لبنان مطلقا اضافة الى انهم لا يتكلمون اللغة العربية، لذلك فالازمة الاجتماعية مزدوجة لديهم نتيجة الاستبعاد من مجتمعاتهم التي يعيشون فيها وعدم تواصلهم مع أوطانهم الأصلية·
وأضاف أن اللبنانيين ينظرون إلى الأفارقة نظرة محدودة لا تتعدى علاقة العمل ومما يزيد من الفجوة بين الجانبين احساس اللبنانيين بتفوق ثقافتهم وعدم التواصل مع الثقافة الأفريقية السائدة، وهو ما أحدث قدرا من العزلة الاجتماعية ومقاومة الاستيعاب وعدم الثقة المتبادلة على عكس اللبنانيين في الولايات المتحدة·
المهجر··والاغتراب
ودعت د· نادية مصطفي - مديرة مركز البحوث والدراسات السياسية بجامعة القاهرة - الى إلقاء الضوء على أوضاع المغتربين العرب في المهجر الأفريقي وبيان الجذور التاريخية للهجرات العربية الى افريقيا وماهية الأسباب التي دفعتهم الى ترك بلدانهم الاصلية والاستقرار في أوطان بديلة سواء بصورة دائمة او مؤقتة وتوزيعاتهم الجغرافية ودرجة اندماجهم في مجتمعاتهم الجديدة وتفاعلهم في الحياة السياسية فيها وطبيعة الصلة بينهم وبين أوطانهم الأصلية·
وأوضح حلمي شعراوي - مدير مركز البحوث العربية والافريقية - إن المغتربين العرب خاصة اللبنانيين منهم يواجهون ضغوطا داخلية في دول المهجر الأفريقي وضغوطا خارجية مزدوجة من جانب الأطراف الغربية ذات المصلحة بالإضافة الى إسرائيل إلى جانب اهمال بلدانهم الأصلية لهم ،ففي الإطار الداخلي لم يعد التجنس حلا كافيا للمشكلة في ظل موجات الاضطرابات الداخلية العنيفة وانما الحل يكمن في صياغة علاقات ثقافية واجتماعية جديدة تحترم وجود الجماعة وتحمي مصالحها وثقافتها الأصلية وفي الإطار الخارجي فإن بناء علاقات قوية ومؤسسية مع البلدان العربية وتعزيز الروابط مع منظمات حقوق الإنسان العربية والجامعة العربية تعد من الأساليب المساعدة على حماية هذه الجماعات واستمرار ارتباطها بأوطانها خصوصا في ظل مناخ التحول الديمقراطي الذي تشهده أفريقيا ويظل تعزيز التعاون العربي الأفريقي هو حصن الأمان وخط الدفاع الأول لضمان رعاية مصالح المغتربين العرب في أفريقيا·

اقرأ أيضا

كوريا الشمالية ترحب بسعي ترامب لنهج جديد في المحادثات