الاتحاد

دنيا

لغتنا الجميلة

اللغة العربية جميلة وثرية، وبها من الألفاظ ما يخلب العقول والألباب، ومن كثرة المرادفات والمعاني وتشابهها ما يعطيها زخماً قل أن يوجد في غيرها من اللغات المستخدمة بين البشر، علّ هذا ما جعل العرب يهتمون بلغتهم بشكل غير متعارف عليه بين الشعوب الأخرى، حتى وإن انتاب هذا الاهتمام بعض فترات الضمور، نظراً لظروف ومشاكل طارئة، قد أضّنت المجتمع العربي وأثّرت بشكل سلبي على كثير من نواحيه ومقوماته، ومنها اللغة·
ومع ذلك فالتاريخ والوقائع يشهدان بأن تمكن العرب من لغتهم، فاق كل مدى، وليس أدل على ذلك من أن القرآن الكريم جاء باللغة العربية متحدياً العرب آنذاك أن يأتوا بسورة واحدة من مثله كما قال تعالى (وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (الآية 23 سورة البقرة)· ومن المعروف لدى دارسي وعلماء مقارنة الأديان، أن أي دين سماوي يستمد معجزاته، من نزوله على قوم قد برعوا في مجال ما، فيظهر هذا الدين مبدياً طلاقة قدرة الله سبحانه وتعالى على عباده، فيما يمنحهم من تمكن وقدرة· مثال ذلك، أن قوم سيدنا موسي (عليه السلام) عُرفوا بالسحر واشتغالهم بفنونه، فجاءت معجزات سيدنا موسى التي نعلمها جميعاً، كما اشتهر قوم سيدنا عيسى (عليه السلام) بتقدمهم في الطب وعلومه، فجاءت معجزاته، من شفاء الأكمه والأبرص، وأحياء الموتى بإذن الله، وغيرها من المعجزات التي تواترت إلينا عبر التاريخ· ومن جماليات اللغة العربية الكثيرة، نذكر في هذا المقام قول الشاعر المصري اسماعيل صبري (1854- 1923) الذي لٌقب بشيخ الشعراء، حين كان يناجي محبوبته متلاعباً بالألفاظ، مستخدماً اسمه (إسماعيل) واسم محبوبته (أسما) في شعره الذي حاول به استرقاق قلبها، وهي ترده وتستمهله إلى حين عودة والدها من رحلة الصيد في الصحراء، ومن ثم محادثته في أمرها، أو طلب يدها كما يُقال في هذه الأيام، فنجده يقول:
طرقت الباب حتى كل متني
فلما كل متني كلمتني
قالت: يا إسماعيل صبراً
قلت: يا إسما عيل صبري
قلت: أين أباكِ
قالت: فاء في الفيفاء ليفيء لنا، فإذا فاء فاء·
ويقصد الشاعر بال (متن) هنا أصبعه الذي كان يطرق به باب منزلها، وأما الفاء الأولى في البيت الأخير فجاءت بمعنى ذهب، والفاء الثانية بمعنى عاد، والفيفاء هي الصحراء كما نعلم جميعاً، والفيء هو الصيد· حقاً، كم هي جميلة لغتنا، وما أجمل أن نستمتع بها·

أحمد السعداوي

اقرأ أيضا