الاتحاد

مهرجان قصر الحصن

حكايات البحر تبهر الأجيال الجديدة في ساحة قصر الحصن

إقبال الجمهور على مشاهدة الأنشطة البحرية (تصوير عبدالعظيم شوكت)

إقبال الجمهور على مشاهدة الأنشطة البحرية (تصوير عبدالعظيم شوكت)

جلست صالحة الراشدي ذات الخمسة عشر ربيعاً تستمع بشغف من الوالد عبيد علي الزعابي صانع المراكب من مشتقات النخيل، عن حكايات الأولين مع البحر، ورحلات صيد السمك والغوص عن اللؤلؤ في أسفار ورحلات طويلة تستمر شهوراً في بعض الأحيان، وكيف كان أهل البحر قديماً يعودون من هذه الرحلة أو تلك، وفي استقبالهم ذويهم بالأهازيج الشعبية، ويبيعون حصيلتهم من المحار بحوالي 25 روبية «العملة التي كانت سائدة انذاك»، وكان هذا المبلغ يمكن للمرء أن يتزوج منه ويبني بيتاً مصنوعاً من جريد النخيل، ويحتفظ بالبقية وهو مبلغ خمس روبيات تقريبا، يستطيع أن ينفق منها لمدة موسم صيد كامل.

أحمد السعداوي (أبوظبي) - كان هذا أحد المشاهد المميزة يوم أمس في ساحة قصر الحصن ضمن الفعاليات العديدة المصاحبة لمهرجان قصر الحصن المستمر حتى التاسع من مارس الحالي، احتفاءً بمرور 250 عاماً على بناء قصر الحصن ليكون شاهداً على أحداث ووقائع مهمة في التاريخ الإماراتي.
يقول عبيد علي الزعابي إن هذا النوع من المراكب معروف باسم «الشاشة» يبلغ طوله حوالي 4 أمتار، ويتم صناعته عن طريق تجميع جريد النخيل جنباً إلى جنب بشكل معين، ثم وضع اللحاء الخارجي للنخلة في قلب المركب ثم يتم وضع طبقة من سعف النخيل في أعلى المركب لتغطي هذا اللحاء على أن تنتهي قبل حافته بمسافة تسمح بجلوس ثلاثة من الرجال، وهي سعة هذا المركب.
نماذج المراكب
وأورد أن هذه المراكب لم تعد تصنع الآن بغرض الاستخدام بعد ظهور المراكب الحديثة السريعة والأكثر أمناً لمستخدميها من الصيادين، وإنما تصنع الآن بغرض إحياء المظاهر التراثية القديمة وعرضها على الجمهور للتعرف إلى الكيفية التي كان يعيش بها الأقدمون في ظل الحياة البحرية شديدة القسوة، ولكنها صنعت رجالاً استطاعوا أن يتركوا خلفهم تاريخاً مجيداً حافظ الأحفاد عليه وطوروه إلى أن ظهرت الإمارات بهذا الشكل الجميل والمبهر لكل من يزورها أو يقرأ عنها.
ولفت إلى أن هناك من الجمهور من يحب أن يمتلك نماذج مصغرة لهذه المراكب ويستخدمها في التزيين والديكورات الداخلية للمنازل، ولذلك هو يصنع هذه النماذج ويعرضها على الجمهور في الفعاليات والمهرجانات المختلفة ومنها مهرجان قصر الحصن ويبلغ سعر الواحد منها 150 درهما.
وأورد الزعابي أن الرحلة البحرية لصيد الأسماك كانت تستغرق من عشرة إلى خمسة عشر يوماً، بينما تمتد رحلات الغوص عن اللؤلؤ إلى فترات أطول تحددها الظروف الجوية، وما يأتي به البحر من رزق إلى الباحثين في أعماقه عن البحار.
قسوة الحياة
من ناحيتها قالت صالحة الراشدي، إنها جاءت إلى المهرجان بصحبة أسرتها للتعرف إلى جزء مهم من تاريخ بلدها، وأكدت أن زيارة فعاليات قصر الحصن تعتبر من أجمل الرحلات التي قامت بها في حياتها، خاصة وأنها رأت أشياء كثيرة سمعت عنها من قبل، ولم تكن تتخيل كل هذه الصعوبة في حياة الأجداد الأولين، ومن خلال الزيارة عرفت الشكل القديم لإمارة أبوظبي وكيف كانت وكيف أصبحت الآن بفعل جهودهم التي استمرت مئات السنين.
وذكرت أن أجمل ما لفت نظرها في المهرجان هو البيئة الطبيعية التي استطاع المنظمون توفيرها في ساحة قصر الحصن، ما جعل الجميع كيف كانت الإمارات في الزمن القديم، واستطعنا رؤية مشاهد متنوعة من الحياة البحرية والحرف اليدوية، وكيف كانت تحفظ الأطعمة والأسماك البحرية لفترات طويلة، عن طريق تمليحها.
ومن خلال استكمال الجولة في الركن البحري، يكتشف الزائر لمهرجان قصر الحصن، كثيراً من المحتويات القيمة والحرف التقليدية القديمة التي يتميز بها رواد البحر بالإضافة إلى العروض الحية لصناعة القوارب التراثية والسوق الذي يمتاز بمنتوجاته المستوحاة من البيئة البحرية.
ومن أبرز تلك الحرف تجارة اللؤلؤ ونجد كل ما يتعلق بها في منطقة بيت اللؤلؤ الموجودة في ساحة القصر ضمن فعاليات المهرجان وعن اللؤلؤ يقول خبير التراث محمد السويدي، إن الوثائق التاريخية تشير لأن تاريخ اللؤلؤ في منطقة الخليج العربي يعود إلى 6 آلاف عام، وكان اللؤلؤ المستخرج من الخليج العربي أهم المصادر الرئيسية للتجارة في هذه المنطقة، وتم تصديره للبلدان الأخرى واستعماله في صناعة المجوهرات وخاصة في القرن التاسع عشر حين كان اقتناؤه رمزاً للثراء ولا يمتلكه إلا الأمراء والملوك والنبلاء.
وذكر السويدي أن عمليات بيع وشراء اللؤلؤ كانت تتم عبر مجلس الطواش، وهو مكان ضيافة في البيت العربي، وفيه يقوم الطواويش بوزن اللؤلؤ باستخدام ميزان وعدة تقييم اللؤلؤ بمشاركة عديد من تجار اللؤلؤ خصوصا من الهند، حين كان يصدر اللؤلؤ عبر طريق الهند إلى الغرب، وكان الطواش (تاجر اللؤلؤ) معروفا بالذكاء والكرم والمعرفة بالمحاسبة، ومن هنا يتم الاعتماد عليه في وزن وتقدير قيمة وسعر اللؤلؤ.
الغوص العود
ولفت إلى أن اللؤلؤ الطبيعي المستخرج من سواحل الإمارات والخليج العربي كان له تأثير كبير في أشكال الزينة والفنون لفترات زمنية طويلة، وكانت هناك مواسم عدة للغوص عن اللؤلؤ، ومنها مواسم الغوص العود (الغوص الكبير)، وهو موسم الغوص الرئيسي وكان يستمر أربعة أشهر من شهر مايو حتى نهاية سبتمبر، ويطلق على اليوم الأول «الدشة»، ويطلق على اليوم الذي ينتهي فيه الموسم «القفال»، ويقوم الغواصون بالغوص في البحر على عمق 20 متراً بهدف جمع وحصاد اللؤلؤ، وعادة ما تستغرق الغطسة الواحدة ثلاث دقائق بحد أقصى، يطفو بعدها الغواص لالتقاط أنفاسه وتسليم ما فاء به البحر، ليعاود الكرة مرة أخرى ليستمر هذا النشاط من الصباح الباكر حتى الغروب، حيث يقوم الغواص بحوالي خمسين غطسة في اليوم.
وهناك موسم غوص الرده، ويقصد بالرده العودة، بمعنا العودة إلى البحر مرة أخرى بعد انتهاء موسم العود،، وكان موسم غوص الرده من عشرين إلى ثلاثين يوماً تبدأ مع بداية شهر أكتوبر عندما تبدأ مياه البحر في البرودة، ولفت السويدي إلى أنه يقل عدد السفن والرجال في غوص الرده مقارنة مع غوص العود أو الكبير.

يوم القفال

أوضح خبير التراث محمد السويدي أن نهاية رحلة الغوص عن اللؤلؤ والعودة إلى الأهل تعرف بيوم «القفال»، وهي مشتقة من كلمة «قفل» أي عاد، والقفال هو يوم عيد للبحارة وأهاليهم الذين ينتظرونهم على الشاطئ بعد انقطاع عن الأهل والأحباب دام أربعة أشهر متتالية كان خلالها عمل يومي متواصل شاق مع مؤن محدودة من الغذاء والماء على ظهر مركب لا تتعدى مساحته 50 متراً مربعاً، تمزج مشاعر الفرح والمعاناة عند البحارة ويبدأ النهام بترديد بعض أغاني الفرح بالعودة يزيد بها حماس البحارة المتشوقين بلهفة إلى العودة إلى أهلهم، الذين يشاركونهم ترديد أغانيه الجميلة المعبرة عن فرحتهم بوصول الأهل بعد رحلة بحرية شاقة وطويلة.


أبوظبي واللؤلؤ.. حكاية مكان

تقع أبوظبي على أكبر تجمع لهيرات تحوي محار اللؤلؤ في العالم، ما ساعد في تشكيل أهميتها التاريخية والاستراتيجية في صيد وتجارة اللؤلؤ وجعل منها مركزاً لوجستيا لتموين وتزويد مراكب الغوص التي تشق عباب البحر. وتشير الإحصائيات إلى أنه مع بداية القرن الماضي كان عدد مراكب الغوص في الخليج العربي حوالي 4500 مركب، وبلغ عدد الرجال العاملين على متنها حوالي 74 ألف رجل، وكانت أبوظبي وحدها تملك أكبر أسطول على ساحل الإمارات، مكون من 410 مراكب، وعدد الرجال العاملين على المراكب 5570 رجلا بمعدل واحد وخمسين في المئة من سكان أبوظبي الذين كان يبلغ عددهم 11 ألف مواطن في العام 1904.

اقرأ أيضا