الاتحاد

دنيا

منصور الرحباني·· يترجّل

منصور الرحباني

منصور الرحباني

ليس مستغرباً أن يترجّل في هذه الأيام، حيث تُحرق غزة، وهو الذي تفاعل مع عاصي لتشدو فيروز لفلسطين أجمل وأرقى ما صدر عن الوجدان الفني العربي: فنادى ''سيفاً فليُشهر''؛ وقرع ''أجراس العودة'' إلى ''زهرة المدائن''؛ مستعدّاً مع ''بحارة يافا'' لعبور ''جسر العودة'' إلى ''القدس القديمة'' بعد أن بشّر أننا ''راجعون''·

لكنّ صمت ''ملوك الطوائف'' أمام محرقة غزة آلمه، على ما يبدو، وقد زاده العيش ''مع الغرباء'' حزناً حتى شعر بأنه ''الغريب الآخر''، فآثر أن ''يُسافر وحده ملكاً'' ليعود إلى شقيقه من جديد ولينضمّ إلى صحبه في آخر ''المحطة''، زكي ناصيف وحليم الرومي وتوفيق الباشا وفيلمون وهبي وعفيف رضوان!
أدركه الرحيل قسراً؛ وكلّ نفسٍ ذائقته، لكنّ غياب الجسد لا يُغيّب عملاً بلغ أثره في الناس حدّاً لا يُمكن نسيانه لئلا تستحضر الذاكرة ما قاله المتنبي ذات يوم:

وإذاخفيتُ على الغبيّ فعاذرٌ / أن لا تراني مُقلةٌ عَمياءُ!
رحل يوم الثلاثاء الماضي في مستشفى ''أوتيل ديو'' في بيروت عن أربعة وثمانين عاماً وقد طوى الصفحة الأخيرة في كتابٍ لم يعرف لبنان مثله، يكفي أنه وشقيقه قادا ثورة موسيقية وغنائية في تاريخ الموسيقى العربية والأغنية والمسرح الغنائي، وخلقا مفهوماً جديداً للأغنية الشعبية البسيطة والقصيرة من دون إطناب أو تكرار أو تطويل في لغة موسيقية خاصة لها مفردات جديدة، وأعادا إحياء الذاكرة الغنائية القديمة مستخرجين منها أجمل الألحان والأغاني في صياغة معاصرة، وغنّيا للناس والوطن والأرض والتاريخ والقضايا العربية، وطارا بالعامية اللبنانيّة على جناح صوت فيروز وقد أوجدا للأغنية اللبنانية مكاناً على ساحة الفنّ العربي، كل ذلك من خلال أسطورة فريدة من نوعها أسمتها الناس بـ ''مدرسة الرحابنة''·
لكنّ موته لا يُغيّب آخر الفرسان فحسب؛ بل يدفن سرّاً لطالما كتمه: ما دور كلّ من الأخوين في الأعمال التي قدّماها؟!
لم يعرف أحدٌ شيئاً عن مسؤولية إبداعهما، لجهة الكتابة والألحان، إذ إصرّا على إخفاء سحرهما المشترك وراء اسم واحد (الرحابنة)، بل إن مؤلّفاتهما امتزجت إلى حدّ كانا لا يستطيعان أحياناً تحديد مَنْ فعل ماذا، وإن قيل مرة إن منصور هو الشاعر وعاصي هو الموسيقي، لكن لا أحد يبدو متأكداً إلا من شيء واحد: ''تشرّدا في منازل البؤس كثيراً وسكنا بيوتاً ليست ببيوت''، ثم عاد منصور إلى نصفه الآخر، ألم يقل قبل 23 سنة راثياً أخاه: ''مات نصفي الآخر''؟

محطات في حياته

سنة 1925 وُلد في حيّ فقير في أنطلياس، وإن كان ينتمي في أصل جدوده الى قرية رحبة الشماية في عكار كان طالباً كسولاً، وكثير الهروب من المدرسة! تلقى دروسه الأولى في مدرسة راهبات ''عبرين''، ثم في مدرسة ''فريد أبو فاضل'' في أنطلياس، ثم انتقل بعدها إلى مدرسة ''القلبين الأقدسين'' في بكفيا، ولاحقاً إلى مدرسة ''كمال مكرزل''
كان الوضع الماديّ الصعب للعائلة يدفعه إلى العمل في قطاف الليمون إذ كان والده حنّا يعزف البزق في مطعم اسمه ''فوّار''!
سنة 1933 عمل مع شقيقه عاصي في مقهى ''المنيبع'' في شويا·توقف عن التحصيل العلمي لمساعدة والده، لكنه عاد إلى أنطلياس في أواخر الثلاثينيات بعد أن تخلى والده عن المقهى وفتح دكاناً في ساحة المدينة ·
في خريف عام 1938 تعرّف على المؤلف الموسيقي الأب بولس الأشقر، فتتلمذ على يديه لمدة 6 سنوات مع شقيقه عاصي الذي كان قد امتهن التدريس، فتعلّما المقامات الشرقية والأنغام العربية وكتابة النوطة
شارك في تمثيل العديد من المسرحيات المدرسية، ثم أصدر مجلة ''الأغاني'' للأخبار والقصص المتسلسلة، فلاقت رواجاً منافساً لمجلة ''الحرشاية'' التي كان يُصدرها شقيقه عاصي!
سنة 1941 انخرط في سلك بوليس بيروت العدلي، ثم انتقل بعد فترة للعمل موظفاً في الأمن العام في عهد الانتداب الفرنسي، وتسلّم مسؤولية النظارة، تمّ تعيينه لاحقاً مسؤولاً عن مخفر ''الجميزة''، ثم مراقباً لمطاحن بيروت، ثم مسؤولاً عن القلم العدلي وتوزيع الأحكام للتنفيذ·
أسّس مع عاصي فرقة فنية جوالة أطلقا عليها اسم ''فرقة ولاد الرحباني''، وراحت تجول على القرى والمدن المجاورة وتُقيم الحفلات حتى أصبح لها جمهور يُتابع أعمالها وينتظرها في ثلاثة أماكن: مقهى ''سعادة'' على الدورة، مقهى ''منصور'' على الزيتونة وفي مقاهي عاليه وسائر المصايف اللبنانية·
سنة 1945 بدأ وشقيقه التعامل مع الإذاعة، وذلك بدعم كبير من ميشال خياط·
سنة 1948 قام فؤاد قاسم مدير البرامج في الإذاعة بتعيين عاصي عازفاً، فالتحق منصور بالإذاعة ليُشارك شقيقه التأليف الموسيقي، وليبدأ الناس بمعرفة ''الأخوين الرحباني''· كذلك، التحق الأخوان بدروس في التأليف الموسيقي لدى برتران روبيار الأستاذ في الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة·
سنة 1949 بدأت العلاقة بين عاصي ونهاد حداد، حيث لحّن أول أغنية لها حملت عنوان ''حبذا يا غروب'' من كلمات قبلان مكرزل ·
سنة 1951 أصدر مع عاصي ديوانهما الشعري المشترك الأول في دمشق بعنوان ''سمراء مهى''·
سنة 1952 التقى صبري الشريف رئيس القسم الموسيقي في إذاعة الشرق الأدنى ووقّع معه اتفاقاً على مجموعة من الأغاني·
سنة 1953 عمل في الإذاعة حتى وقوع الاعتداء الثلاثي على مصر سنة 1956 فآوقف التعاون معها واستقال من الشرطة وانصرف مع عاصي إلى الأعمال الفنية من خلال إنتاج برامج إذاعية ·
سنة 1955 اقترن عاصي بنهاد حداد التي عُرفت فيما بعد باسم فيروز·
سنة 1957 راح الأخوان يخطوان نحو الشهرة بدءاً من مهرجانات بعلبك·
سنة 1963 شارك في تأليف الفرقة الشعبية اللبنانية التي تولّى إدارتها صبري الشريف·
أعماله
أهم المسرحيات: أيام الحصاد ،1957 عرس في القرية ،1959 موسم العز ،1960 البعلبكية ،1961 جسر القمر ،1962 الليل والقنديل ،1963 بياع الخواتم ،1964 دواليب الهوا ،1965 أيام فخر الدين ،1966 هالة والملك ،1967 جبال الصوان ،1969 الشخص ،1969 يعيش يعيش ،1970 صح النوم ،1971 ناطورة المفاتيح ،1972 ناس من ورق ،1972 المحطة ،1973 قصيدة حب ،1973 لولو ،1974 ميس الريم 1975 وبترا ·1978
الأفلام: بياع الخواتم ،1965 سفر برلك 1966 وبنت الحارس ·1968
الكتب: أصدر كتابين أهداهما إلى عاصي، وهما: أسافر وحدي ملكاً، وأنا الغريب الآخر·
بعد وفاة عاصي، أنتج المسرحيات التالية: صيف 840 (ووقعها باسم ''الأخوين رحباني'') ،1988 الوصية ،1992 آخر أيام سقراط ،1998 قام في اليوم الثالث ،2000 القداس الماروني ،2000 أبو الطيب المتنبي ،2001 ملوك الطوائف ،2003 حكم الرعيان ،2004 نبيّ جبران ،2005 زنوبيا ،2007 وعودة الفينيق التي افتتح بها مهرجان بيبلوس (جبيل) صيف عام 2008 وما زالت تقدّم على مسرح كازينو لبنان·

اقرأ أيضا