الاتحاد

دنيا

مقياس النيل مستودع أحزان المصريين وأفراحهم

المصريون القدماء اعتمدوا على مقياس متحرك وآخر حجري

المصريون القدماء اعتمدوا على مقياس متحرك وآخر حجري

طالما تطلعت أفئدة المصريين إلى مقياس النيل وهوت إليه تتنسم الأخبار أو نداءات تنطلق من مبناه البسيط، وهو المقياس العتيق والذي كانت الكلمة الصادرة عن المشرف عليه كفيلة بأن تعم الأفراح أرجاء مصر أو يسودها الحزن والقلق ويلفها الغلاء والقحط·
وقبل الحديث عن المقياس ومكانته المحورية في تاريخ مصر الإسلامية يحسن أن نشير إلى أن المصريين القدماء اعتادوا منذ فجر التاريخ قياس منسوب فيضان النيل ليس فقط لمعرفة مدى وفاء الفيضان الموسمي باحتياجات الأراضي الزراعية في الوادي والدلتا ولكن أيضا لتقدير ما سيتم تحصيله من ضرائب على المزارعين· كان هذا الإجراء من مقتضيات العدل في توزيع الاعباء الضريبية، فمع الفيضان تتغير مساحة الأراضي المزروعة وايضا تلك التي لن تزرع سواء اذا لم يصلها ماء النيل في الفيضانات المنخفضة أو إغرقها الماء في الفيضانات العالية العارمة·
ويبدو أن المصريين في العصور القديمة كانوا يعتمدون على نوعين من المقاييس اولهما المتحركة وهي غالبا من القصب الذي يتم تقسيمه بعلامات تبين مقدار ارتفاع النيل· والمقاييس الحجرية التي كانت توضع على ضفتي النيل في مواقع مختلفة وغالبا ما كانت تحوى المعابد المصرية القديمة الواقعة على ضفاف النيل مقاييس حجرية اشهرها مقياس النيل الخاص بمعبد جزيرة فيلة وهو عبارة عن سلم نقشت على جدرانه قياسات الفيضان بالأذرع كما نقش أيضا توقيت وزمن الفيضان· وعندما فتحت مصر على عهد الخليفة عمر بن الخطاب ارسل إليه عمرو بن العاص اول ولاة مصر الاسلامية كتابا اشار فيه الى عادة البلاد في قياس فيضان النيل·
وعاين المسلمون عدة مقاييس على النيل في بداية حكمهم واشهرها المقياس الحجري الذي تم تجديده في خلافة معاوية بن ابي سفيان (41 - 60 هـ) وقام الوالي الأموي عبدالعزيز بن مروان بإنشاء مقياس للنيل عند حلوان وذلك في خلافة عبدالملك بن مروان·
وابتداء من عهد الوليد بن عبدالملك (86 - 96 هـ) اصبحت جزيرة الروضة المكان المفضل لانشاء المقياس الرئيسي الذي يعتمد عليه حكام مصر في تعيين مقدار الفيضان، ويعود الفضل في انشاء اول مقياس بهذه الجزيرة إلى اسامة بن زيد التنوخي عامل الخراج الاموي، وذلك لحاجته الماسة لمثل هذا المقياس لتحديد قيمة الخراج أي ضريبة الاطيان الزراعية وكانت اهم موارد الدولة الاموية· ولكن الخليفة سليمان بن عبدالملك ابطل هذا المقياس وأنشأ آخر غيره في نفس المكان عام 97 هـ·
أما المقياس الحالي فيعود تاريخ إنشائه إلى عام 247 هـ في ايام الخليفة العباسي المتوكل على الله وقد عرف منذ اقامته بعدة اسماء منها المقياس الجديد والكبير بينما عرفت اذرعه بالقياس الهاشمي ويصل حد الوفاء فيه وهو 16 ذراعا إلى 8,14م·
وقد اختفى اسم المتوكل من النقش التذكاري للمقياس بعد قيام الوالي احمد بن طولون في عام 259 هـ بتجديد المقياس حيث يشير نص هذا العمل المعماري الباقي الى اليوم لاسم الخليفة العباسي المعتمد على الله·
وتغير نظام العمل بمقياس النيل خلال العصر الفاطمي عندما لاحظ الخليفة المعز لدين الله ان النداء في كل يوم بمقدار زيادة النيل يثير هواجس المصريين بشأن وصول الفيضان إلى حد الوفاء، اذ أمر بأن يقوم صاحب المقياس بقراءة الارتفاع بعد صلاة العصر من كل يوم ويرفع ذلك في رقعة الى الخليفة وحده ولا يذاع النداء بمنسوب الفيضان الا عند بلوغه حد الوفاء ''16 ذراعا''·
وكانت الافراح تعم انحاء القاهرة عند اعلان وفاء النيل بسجل خاص يصدر عن ديوان الانشاء في القصر الفاطمي ويترافق ذلك مع فتح السد كعلامة مادية على هذا الوفاء، حتى صارت تسمية ''عيد فتح السد'' بديلا للمسمى المصري القديم عيد الفيضان· ويعني بذلك تاريخيا فتح السد الذي كان يشيد في فصل الشتاء مع توقف زيادة النيل عند بداية الخليج الذي كان يحمل مياه النيل إلى قلب القاهرة ''شارع الخليج المصري وهو حاليا شارع بورسعيد'' فإذا ما فتح هذا السد امتلأ الخليج بماء الفيضان ومنه يتزود أهل القاهرة بمياه الشرب وفيه تجري القوارب المزدانة بالاضواء وقد اقيمت بها حفلات الغناء والرقص طوال ليالي الصيف ابتهاجا بوفاء النيل·
ولذلك كان المقياس على الدوام محط اهتمام المصريين فإشارة واحدة منه قد تحمل الافراح وقد تؤدي في حالات اخرى الى اضطراب الاحوال وهلاك الزرع والضرع·
ومن أجل ذلك وجهت عناية الولاة والملوك والسلاطين الى عمارة مقياس النيل بالروضة، فتم تجديده في عام 485 هـ خلال عهد الخليفة الفاطمي المستنصر بالله وذلك في اعقاب المجاعة التي استمرت سبع سنوات عجاف انخفض فيها منسوب الفيضان ''457 - 464 هـ'' وشبه الناس هذه الازمة الاقتصادية المعروفة بالشدة المستنصرية بسني يوسف وقد شيد بدر الجمالي الى جوار المقياس مسجدا عرف باسم مسجد المقياس·
وقام سلاطين المماليك بعمارة المقياس غير مرة فأضاف الظاهر بيبرس (658 -676 هـ) قبة فوق بئر المقياس واجرى الاشرف قايتباي اصلاحات به في نهاية القرن التاسع الهجري 15 م، كما عني به سلاطين آل عثمان ولاسيما سليم الاول وابنه سليمان القانوني وايضا السلطان سليم الثاني·
وعندما دخلت الحملة الفرنسية مصر عني علماء الحملة بدراسة المقياس وكتبوا تقريرا وافيا عنه نجده مسطرا في الكتاب الشهير ''وصف مصر'' وقد قامت الحملة الفرنسية بتنظيف بئر المقياس من الطمي المتراكم في قاعه· واضافت قطعة من الرخام مقدارها ذراع إلى عامود المقياس نقش عليها تاريخ عام (1215 هـ - 1799 م)·

بئر غائرة تسجل أحوال مياه النيل

المقياس القائم إلى اليوم عند الطرف الجنوبي لجزيرة الروضة عبارة عن بئر عميقة الغور مؤلفة من ثلاث طبقات السفلى منها على هيئة دائرة مشيدة بالحجر وتعلوها طبقة مربعة طول ضلعها اكبر من قطر الدائرة اما المربع العلوي والاخير فضلعه اكبر من المربع الاوسط، وبنهايته شريط من الكتابة الكوفية يشير إلى تجديد الوالي احمد بن طولون للمقياس في عام 259 هـ وقد نقش به اسم الخليفة العباسي المعتمد على الله· ويبدو واضحا من هذا التدرج في ابعاد الجدران المحيطة ببئر المقياس ان المسلمين كانوا على إلمام كامل بالنظرية الهندسية الخاصة بازدياد الضغط الافقي للتربة كلما زاد العمق إلى اسفل· ويدور حول جدران البئر من الداخل درج يصل إلى القاع لتيسير مهمة صاحب المقياس الذي يعاين مقدار الفيضان يوميا وايضا للقيام بتنظيف البئر من الطمي المتراكم·
ويتصل بئر المقياس بالنيل بواسطة ثلاثة انفاق ليصب ماؤها بداخله من خلال ثلاث فتحات في الجانب الشرقي واختيرت هذه الجهة لبعدها عن تيارات الحركة بالنيل والتي تتجه من الجنوب إلى الشمال· وتعلو هذه الفتحات عقود مدببة ترتكز على اعمدة مدمجة في جدران البئر وهي ذات تيجان وقواعد ناقوسية بسيطة·
وبوسط البئر يوجد عامود المقياس وهو رخامي مثمن المقطع بنهايته العلوية تاج روماني ويبلغ طوله حسب العلامات المسجلة عليه 19 ذراعا وقد قسم كل ذراع الى 24 اصبعا· ويرتكز عامود القياس على قاعدة من خشب الجميز لانه النوع الوحيد من الاخشاب المتوفرة بمصر الذي لا يتأثر بالمياه ولذلك ثبت في الاسفل عند الارض الصلبة في نهاية البئر وجرى تثبيت هذا العامود من اعلى بروابط خشبية قوية نقشت عليها آيات من القرآن الكريم·
ويستطيع زوار المقياس النزول بيسر إلى قاع البئر بواسطة درج السلم وهم بمأمن بعد أن سدت فتحات دخول المياه حفاظا على كيانه المعماري الفريد ليشاهدوا علامات القياس وليتمتعوا أيضا بمنظر الزخارف الخشبية المذهبة التي تزدان بها القبة المشيدة في القرن التاسع عشر والتي تبدو من الخارج ذات هيئة مثلثة تذكرنا بنهايات المآذن العثمانية الشهيرة·

اقرأ أيضا