الاتحاد

دنيا

أين أنت يا أبي؟


القاهرة ـ سارة صلاح:
في زمن عجيب ينادي فيه الأولاد آباءهم بأسمائهم مجردة دون احترام·· في أيام صعبة طالت فيها شوارب 'العيال' وانحنت قامات الآباء·· في عصر مرفوض يقول فيه الابن لأبيه حين يخاطبه: أنت؟·· في مثل هذا الزمن مازال هناك من هو على استعداد لأن يدفع نصف عمره لكي يقبل يدي والده·· لكي ينحني على الأرض ويمسح له -بكل الحب- حذاءه·· هذا الابن موجود لكن المشكلة أن الأب نفسه غير موجود!·
هذه حكاية شاب جامعي في التاسعة عشرة من عمره لم تهزمه الظروف المادية ولم يشعر باليأس وهو يكافح الحياة من داخل حجرة فوق سطوح عمارة قديمة بحي الظاهر، لا الدراسة صعبة في نظره ولا غلاء الأسعار يهمه، ومع ذلك فهو يعيش إحساسا مريرا قد لا يجربه كثيرون·· أنا ذاك الذي كنت من يقول عنه إيليا أبو ماضي قصيدته الموجعة 'جئت لا أعلم من أين·· لكني أتيت'·
مجرد صورة
أنا إنسان على قيد الحياة لا توجد عندي شهادة ميلاد تخبرني أنا ابن من في هذه الحياة! أنا اسمي جمال·· أعرف والدتي تماما، فقد فتحت عيني على الحياة لأجدها أمامي، أما أبي الذي لا أعرف عنه سوى اسمه علي شحاتة، فقد كان دائما في عيني مجرد صورة فوتوغرافية في إطار صغير على 'كومودينو' بجوار فراش والدتي·· هذه الصورة كانت كل ما لدي عن 'أبي'·
كنت طفلا في الرابعة من عمري حين سألت أمي ببراءة: لماذا لا يعود بابا ظهر كل يوم من عمله ليتناول الغذاء معنا مثل آباء أولاد الجيران؟ قالت لي ببرود: بابا مات! ويكمل 'جمال' حكايته قائلا: حين كبرت سنوات فوجئت بأمي تردد حكايات أخرى عن أبي·· أول حكاية كانت بمثابة صدمة قوية حين اعترفت لي بأنها ليست متأكدة من انه مات أو أنه مازال على قيد الحياة؟· صرخت فيها: 'يعني هو والدي عايش ولا ميت·· وإذا كان عايش·· فينط؟ لم تعطني إجابة واضحة، كان جبلا من الصمت والأسرار يرقد فوق لسانها فلا تستطيع الكلام، وفيما بعد قالت لي إن والدي كان يعمل مترجما في اليونسكو في العاصمة اللبنانية بيروت، بل إنني من مواليد شارع الحمراء ببيروت وأن ثمة مشاكل قد حدثت، ومع بداية الحرب الأهلية في لبنان خطفني أهل أمي من والدي في بيروت وأحضروني لأعيش معها في القاهرة·
حكايات متناقضة
ثم عادت أمي لتدر حكايات متناقضة عن أبي مرة تقول لي إنها تراسله، ومرة أخرى تزعم أنه اغتيل وأنها تخشى أن تبوح لي بمعلومات أكثر خوفا عليّ، لكن قلبي أبدا لم يصدق هذه الحكايات·· قلبي كان يقول لي أن أبي موجود· كم من الليالي استيقظت فيها وهي نائمة وظللت في الظلام وحتى الفجر أحدق في الصورة الفوتوغرافية الصغيرة·· كلمته بدموعي الصامتة·· أين أنت يا أبي·· ولماذا أنا بعيد عنك·· لماذا قدري أن اُحرم منك·· أنا أقضي طفولتي وشبابي دون أب أحبه وأحترامه·· أخاف منه وعليه·· آه لو تعلم كم احتاجك·· كم تنقصني نصيحة منك·· من يقول وأفعل هذا ولا تفعل ذاك·· من ينهرني إذا تأخرت في العودة إلى البيت·· من يحذرني من أصدقاء السوء·· من يفرح إذا نجحت·· من يمسح لي عرقي إذا كلت قدماي من البحث في الشوارع عن عمل كي أستقل بحياتي وأنفق على دراستي·· من غير الأب·
ينهي 'جمال' حكايته بتأثر: استنفذت كل الوسائل مع أمي توسلت إليها·· صرخت في وجهها·· بكيت لها، لكنها أبدا لم تساعدني ولم تعطني أي خيط يقودني في رحلة بحثي عن أبي؛ وهنا كان لابد مما لابد منه، رحلت عنها وعن البيت، حملت ملابسي وصورة أبي، جاهدت حتى عثرت على عمل أنفق منه على دراستي ومعيشتي· استأجرت حجرة فوق سطوح بيت قديم، أي وقت فراغ عندي غير العمل والدراسة أقضيه في البحث عن والدي·· لابد أن أجده·
ذهبت إلى اليونسكو فقالوا لي إنه بالفعل كان يعمل في بيروت منذ 18 عاما· ذهبت إلى الصليب الأحمر الدولي فوعدوني بمساعدتي· الأيام تمر لكني أبدا لن يتولاني اليأس، سأذهب إلى آخر الدنيا· سأفعل أي شيء لكي أجده وساعة أن تكحل عيناي برؤياه قبل أن أغمر وجهه بقبلاتي ودموعي وقبل أن اغسل يديه بمليون قبلة سأنحني على الأرض· سأشكر الله وأقول: الأب لا يعوضه شيء في الحياة؟

اقرأ أيضا