الاتحاد

دنيا

أخيرا جاء الخلاص


سعاد جواد:
بعد معاناة طويلة لا أول لها ولا آخر مع إنسان اغتصبها وعذبها بزواج قسري لم ترضه يوماً لنفسها، بعد عشرة مؤلمة قاسية دامت خمس سنين، وبعد مطالبات متعددة للخلاص، أخيراً تم لها ما أرادت وحكمت لها المحكمة بالطلاق والتحرر من قيد هذا المخلوق البشع·
كانت في السادسة عشرة من عمرها، وردة متفتحة تحلم بالمستقبل الجميل وبفارس الأحلام الوسيم الذي سيخطفها على حصانه إلى عالم الحب والسعادة، ولكن للأسف لم يحدث كل ذلك، وإنما جاء الشيطان اللعين متنكراً بهيئة شاب بغيض المظهر والرائحة فاشل بكل المقاييس، رآها فأعجبته فقرر أن يحصل عليها بأي شكل·
قام بمراقبتها لفترة طويلة، فهو يسكن في منطقة غير بعيدة عن منزلها، كانت تخرج أحياناً مع أختها الصغيرة أو لوحدها قاصدة منزل صديقتها القريب أو تذهب إلى دكان البقال لشراء بعض الحاجيات·
خرجت في ذلك اليوم المشؤوم لوحدها وكان هو في الانتظار، لسوء حظها فقد كان في الطريق بيت مهجور لم يكتمل بناؤه، عندما اقتربت من ذلك البيت هجم عليها ذلك الوحش وكمم فمها بقبضته القوية وسحب جسدها الضعيف الصغير نحو ذلك المكان المظلم فأغتال براءتها وواقعها بالقوة، أراق عفافها وحطم حياتها وآمالها على عتبات شهواته الوحشية بلا رحمة وبلا أدنى تفكير، قتل تألقها وروحها الجميلة في سبيل نزواته الشيطانية، اغتصبها ورمى بها على قارعة الطريق ممزقة الثياب تغطيها الدماء والكدمات·
لا مفر
عادت لمنزلها تجرجر جراحها، شهق الجميع سقطت مغشياً عليها، أخذوها إلى الطبيب واكتشفوا الحقيقة التي دمرتهم جميعاً، أبلغوا عنه فتم القبض عليه، وحتى يفلت من العقوبة عرض أن يصلح خطأه ويتزوجها· كانت تتمنى أن تقطعه إرباً وأن تنزل به أقسى العقوبات·· كيف تتزوج من اغتصبها؟·· كيف تتقبل إنساناً دمر حياتها ومستقبلها؟·· كيف تتزوج من جعلها حكاية على ألسن الناس ومضغة في أفواههم؟·· كيف تتزوج من جعل أهلها يتمنون موتها وانشقاق الأرض وابتلاعها؟·· ولكن لا مفر، فالسبيل الوحيد أمامها هو الرضوخ للأمر الواقع منعاً للمزيد من الفضائح وكتماً للقيل والقال·
وبالطبع فكما اغتصبها دون إرادتها فإنه كذلك تزوجها دون إرادتها، فالقانون يقضي بأن العقوبة تتوقف في حق المغتصب إذا تزوج من اعتدى عليها، وقد قرر أهلها بأن زواجها هو الستر الوحيد للخلاص من كلام الناس·
تزوجته بالإكراه، فاستمرت جريمة الاغتصاب تحت ستر القانون وموافقة الأهل، تراه أمامها فتتذكر ما تعرضت له وشريط اللحظات الأليمة تلاحقها، وشعورها بالمرارة والقرف يزداد يوماً بعد يوم مع إنسان فاشل كريه يشكل عبئاً حقيقياً على مجتمعه، تعوّد على الفشل في حياته ولا يحب العمل ويعتمد على الفتات الذي يستجديه من أهله·
حتى بعد الزواج، كان يصر على ترسيخ صورة المعتدي في عقلها، يضربها·· يهينها·· يواقعها بالقوة، إنه إجرام متواصل بحق إنسانيتها، لا يمكن أن تتجاهله· عاشت معه بمشاعر الإنسانة المغتصبة وهي مقتنعة بأنه سيلقيها على قارعة الطريق في أقرب وقت، لم يحدث ما توقعت ولكنه فعل شيئاً أقذر من ذلك، لقد أصبح يفكر بالمتاجرة بها، كان يصفها ويصف مميزات أنوثتها أمام أصدقائه فيطمعوا بها ويحصل منهم على المال، كان يأخذها معه إلى المطاعم والأماكن التي يتواجد فيها أصدقاؤه ليريهم إياها·
تتفاجأ باتصالات مختلفة والكل يتحرش بها، إنها لا تدري من أين حصلوا على رقم هاتفها، وهي مستغربة لكثرة الاتصالات، لم تكن تدري بأن زوجها هو من يعطيهم رقم هاتفها وهو من يحثهم على محاولة الحصول عليها، لم تكن تصارحه بالأمر فتفاقمت المشكلة بازدياد الاتصالات فقامت بإخباره، وبدلاً من أن يبين لها شهامته كرجل، ابتسم بخبث وأخبرها صراحة بأنه لا يمانع في خروجها مع أصدقائه مقابل المال، صدمها ذلك الأمر فهرعت إلى أمه لتخبرها بما يقوم به ولدها، لم تصدقها الأم وقالت لها: أنت تكرهينه وتحاولين باستمرار تشويه صورته وسمعته·
حاولت أن تخبر أهلها ولكنهم لم يفعلوا شيئاً، ونصحوها بالحذر وعدم الرد على المكالمات وعدم الخروج معه، وبالطبع فليس عليها خوف لأنها تعيش في منزل أهله فلا يمكنه إدخال أحد عليها بالقوة، ولتنس موضوع الطلاق لأنه عيب كبير·
كيف يمكن أن تكون مشاعر هذه الإنسانة وهي مجبرة على العيش مع إنسان منحط مثل هذا؟ أخيراً وبعد معاناة طويلة لا أول لها ولا آخر جاءها الفرج، حيث كشفه أخوه وهو يحاول الاستدانة منه، وعندما لم يعطه ما يريد قام بالتحدث عن زوجته وعن مغرياتها ومحاسنها أمامه· فقام الأخ بمجاراته ليعرف ما يهدف إليه فقال له: سأجعلك تنام معها إن أعطيتني مبلغ كذا، هنا انكشفت حقيقته ومدى حقارته فبصق أخيه بوجهه وفضحه أمام الأسرة كلها، ثم ضغط عليه ليطلق تلك المسكينة التي تتعذب بالعيش مع مخلوق منحط مثله·
رفض أن يطلقها، فقام الأخ برفع دعوى للطلاق باسم الزوجة وشهد لصالحها بسوء سلوك أخيه·
كانت تلك القضية من أسرع القضايا التي حصلت فيها المرأة على الطلاق بعد أن ثبت للمحكمة مقدار الضرر الذي تعانيه تلك المرأة، ومقدار الخطر الذي ستتعرض له فيما لو استمرت في ذلك الزواج·
الطوق البغيض
أخيراً تم لها الطلاق وتحررت من ذلك القيد البغيض الذي استمر خمسة أعوام كاملة شاخت فيها تلك الفتاة ورحلت عنها الابتسامة وجميع مظاهر التألق والجمال التي كانت تمتلكها، وهي تحمد ربها لأنها لم تنجب منه طفلاً يحمل اسمه أو يربطها به بأي شكل من الأشكال·
حاولت أن تبدأ من جديد وأن تترك ورائها جميع المشاعر السلبية المؤلمة وأن تبحث لنفسها عن عمل يكفيها الحاجة إلى الآخرين، بعد بحث طويل وجدت عملاً بسيطاً كبائعة في أحد المحال النسائية، كانت سعيدة جداً لأنها أصبحت إنسانة حرة لها كيان ولكن، هل يتركها ذلك النذل لتحيا حياتها بشكل طبيعي؟ بالطبع لا·· فقد صار مثل الشبح يلاحقها في كل مكان تذهب إليه، تحس به وهو يلاحقها، وكلما تلتفت ورائها فإنها لا تراه، يختبىء بسرعة، تشعر بأنه يقتنص الفرصة لإيذائها من جديد· أخبرت أهلها، فلم يصدقوها وقالوا لها بأن ذلك مجرد وساوس نتيجة لما تعرضت له ونتيجة لخوفها المستمر منه·
فجأة وبدون مقدمات، طردها صاحب العمل مع أنها كانت مخلصة وملتزمة وهو يمتدحها أمام باقي العاملات، أحست بأن طليقها وراء ما حدث ولكن ليس لديها إثبات لهذه الفكرة·
عادت من جديد لعملية البحث عن عمل، فوجدت عملاً بسيطاً كمشرفة في حضانة للأطفال حمدت ربها لأنها ستكون قريبة من الصغار الذين حرمت منهم ولم تفكر بالسبب ولم تبحث عنه·
كانت حريصة جداً عند خروجها من المنزل، خائفة طوال الوقت، حذرة من تعرضها لهجومه الشرس مرة أخرى، أصبحت تعيش حياة طيبة لولا خوفها المستمر منه، الكل يعتبرها مبالغة في خوفها ولكنها كانت تقسم لهم بأنه يطاردها باستمرار دون أن يلحظ وجوده احد·
في أحد الأيام كانت مدعوة لحضور حفلة عرس إحدى صديقاتها، لقد قاطعت الاستمتاع بالذهاب إلى الأعراس والخروج ليلاً لأنها تخاف على نفسها، ولكنها اضطرت للذهاب إلى العرس نتيجة إلحاح صديقتها المقربة· عند عودتها من العرس، حدث ما كانت تخاف منه، فبمجرد نزولها من السيارة وتحركها خطوات نحو باب المنزل خرج عليها ذلك النذل وأمسك بها وهو يحاول اغتصابها من جديد، شعرت بالخوف الذي شل أوصالها وكاد أن يفعل ما يريد، ولكنها فجأة وبشكل غير متوقع أحست بأنها تملك القوة الكافية لأن تدافع عن نفسها، رفسته بقوة ولكمته ثم غرست أظافرها الحادة في لحمه فمزقته، امتدت يدها على حذاءها ذي الكعب المدبب فقذفته بقوة باتجاهه ثم أطلقت صرخات الاستغاثة المدوية فخرج الأهل والجيران فأوسعوه ضرباً ولم يتركوه حتى أصبح شبه مغمياً عليه، ابلغوا الشرطة فجاؤوا وألقوا القبض عليه وأودعوه السجن بعد أن رفضت أن تتنازل عن حقها في هذه القضية·
لأول مرة تحس بالراحة والاطمئنان، لقد تخلصت من خوفها المزمن من ذلك الإنسان الذي حطم حياتها وملأ قلبها بالخوف والتعب، أحست بأنها انتصرت أخيراً على من ظلمها كل تلك السنين، وأنها ستعيش بأمان مرة أخرى، وحتى لو خرج من السجن فإنه لن يستطيع أن يؤذيها أبداً لأنها تخلصت من عقدة خوفها منه وإلى الأبد وسوف تحيا من جديد بشعور آخر يعطيها الحق في الحياة بشكل طبيعي وبلا خوف أو ذعر أو كوابيس مفزعة·

اقرأ أيضا