الاتحاد

ألوان

الماء أساس كل حي والمحافظة عليه واجب شرعي

القاهرة (الاتحاد)

تُعاني مناطق عديدة من العالم هذه الأيام من الشح المائي والجفاف، وتعالت الأصوات التي تحذر من هذه الظاهرة الخطيرة التي تهدد معظم الدول، بما فيها التي تتمتع بقدر كبير من الأمطار، مما يجعل القضية تفرض نفسها على طاولة البحث والنقاش لإيجاد حلول عاجلة إنقاذاً للبشرية وكل المخلوقات على الأرض، فالماء نعمة إلهية وحق عام للبشرية، كان الإسلام سباقاً في الدعوة إلى صونه وحمايته والحفاظ عليه‏،‏ باعتباره من أهم وأغلى نعم الله على البشر وكل الأحياء‏، ودعا علماء الدين إلى المحافظة على المياه ومصادرها، وعدم التعرض لها بأي نوع من التلوث أو الإسراف أو الهدر، باعتبار أن المحافظة عليها واجب شرعي، محذرين من التهاون مع هذه القضية التي تهم كل فرد على الأرض.

لا إسراف ولا إفساد
يقول الدكتور عبد الفتاح إدريس، أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر: إنه لا غرابة في أن تمثل المياه هذه الأهمية الكبيرة على المستوى الدولي، فالماء أساس كل حي، قال تعالى: (... وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ...)، «سورة الأنبياء: الآية 30»، وقد نشأت الحياة منذ البداية وستبقى إلى يوم الساعة مرتبطة بالماء عصب الحياة، والماء يعني الزراعة، والغذاء والشراب والطاقة، ونظراً لهذه الأهمية القصوى جعله الله حقاً شائعاً بين البشر جميعاً، فحق الانتفاع به مكفول للجميع دون إسراف ولا إفساد ولا احتقار ولا تعطيل، وهذا يعني أن مصادر الماء لا يجوز لأحد أن يحتكرها أو يمنعها عن الآخرين. وأشار إلى أن الإسلام قرر مجموعة من القيم والآداب والأسس والقواعد للمحافظة على الماء وحمايته من التلوث، منها النهي عن الإفساد في الأرض، فقال تعالى: (... كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ)، «سورة البقرة: الآية 60»، ومعلوم أن تلويث الماء بشتى الطرق هو إفساد في الأرض لما يترتب عليه من أضرار جسيمة لكل من يستخدم هذا الماء الملوث من البشر والأحياء الحيوانية والنباتية.
واجب شرعي
يقول الدكتور سالم عبد الجليل وكيل أول وزارة الأوقاف المصرية الأسبق: يعد ترشيد استخدام المياه وتنمية مصادرها واجباً شرعياً، كما يجب على الجميع التصدي لظاهرة الإسراف في الماء التي نهى الإسلام عنها في قوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)، «سورة الأعراف: الآية 31»، فالماء ثروة غالية هيأها الله لكل المخلوقات في الأنهار والبحار والأمطار، قال تعالى: (... وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ)، «سورة إبراهيم: الآية 32»، وإذا أمعنا النظر في تعاليم الإسلام وأحكامه نجد أنه عني عناية بالغة بالحفاظ على الثروة المائية، من خلال عدة توجيهات ملزمة للناس منها الاستخدام الأمثل، والاعتراف بنعمة الماء وحمد الله عليها، والمحافظة عليه نقياً طاهراً وعدم الإسراف فيه، والعناية البالغة بالمصادر المائية. وكان للإسلام السبق في إقرار مبادئ ترشيد الاستهلاك لكل ما في يد الإنسان من نعم وثروات، باعتبار أن الإسراف والتبذير من أهم عوامل الخلل والاضطراب في منظومة التوازن البيئي المحكم الذي وهبه الله للحياة والأحياء في هذا الكون.

ثروة ونعمة إلهية
أكد الدكتور مبروك عطية، الأستاذ بجامعة الأزهر، أنه يجب عدم الإسراف في الماء، وضرورة المحافظة عليه، باستبدال كل ما من شأنه أن يكون فيه هدر للماء، وكذلك يجب علينا استخدام وسائل الري الحديثة في مزارعنا وحدائقنا، من أجل منع هذا الهدر الهائل من الماء، وأن نكون من الشاكرين لهذه النعمة الإلهية التي عني بها الإسلام عناية فائقة ووردت في القرآن الكريم في العديد من المواضع، والماء آية من آيات الله منذ بدء الخليقة، كما أن موارد المياه من حقوق الله وليست حقاً خاصاً لفرد أو فئة، بل حق عام للبشرية كافة وجميع الأجيال عامة، لذا فيجب على المسلم أن يعي حقوق الله على خلقه وعدم التفريط فيها واستخدام الموارد المائية دون إسراف أو إهدار أو تبذير، وقد أقر الإسلام مبدأ «لا ضرر ولا ضرار»، فكل ما يضر المسلمين في رزقهم ومأكلهم ومشربهم ينهى الإسلام عنه، مثل الإسراف وتلويث الماء، ومن يفعل ذلك يخالف المقاصد الشرعية التي تدعو إلى ترشيد استخدام الماء والحفاظ عليه كثروة ونعمة إلهية.

أرقام قياسية
ويرى الشيخ محمود عاشور، عضو مجمع البحوث الإسلامية، أن الماء نعمة من أعظم النعم التي خص الله سبحانه بها جميع الأحياء على وجه الأرض، وجعله حقاً شائعاً بين البشر جميعاً، وحق الانتفاع بالماء مكفول دون إسراف، أو احتكار أو منع أو تعطيل، وهذا يعني أن مصادر الماء لا يجوز لأحد أن يحتكرها، أو يمنعها عن الآخرين، وإنما يظل مشتركاً بين الناس كل يأخذ بقدر ما يحتاج، وألا يتصرف فيه بشيء من السفه، وأن نحافظ عليه، وقد وصل استهلاك الإنسان المعاصر من الماء إلى أرقام قياسية بسبب الإسراف، وبخاصة في الاستحمام والمراحيض والسباحة ورش الشوارع، وعلينا أن نوقف هذا الهدر الذي يخالف تعاليم ومنهج الإسلام، وأن نحميه من العبث، لأن الإسراف يفضي إلى الفقر والشح المائي في العديد من مناطق العالم، وهي ظاهرة تهدد نعمة من أعظم ما امتن الله به على عباده، فالماء هو أغلى ما تملكه البشرية لاستمرار حياتها.

حتى في الوضوء
وقال الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الفقه بجامعة الأزهر: إن هدر المياه والإسراف فعل يبغضه الله عز وجل، وإن وعي المواطن يظل العنصر الأهم في عملية الحفاظ على هذه الثروة الغالية واستخدامها الاستخدام الأمثل، ويغلب الإسراف في الماء مع غياب المسؤولية الذاتية في المراقبة للتصرفات والاستهلاك، ويزيد الأمر صعوبة شح الأفكار لإنتاج تطبيقات للاستفادة من كل قطرة ماء. وقد نهى القرآن الكريم عن الإسراف في أكثر من موضع، فقال تعالى: (... وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)، «سورة الأعراف: الآية 31»، وقد وقفت الشريعة الإسلامية ضد الإسراف في استهلاك المياه، حتى في مجال العبادات، فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإسراف في استعمال الماء حتى ولو كان من أجل الوضوء، فقد مر رسول الله بسعد بن أبي وقاص وهو يتوضأ فقال: «ما هذا الإسراف؟»، فقال أفي الوضوء إسراف؟، قال نعم وإن كنت على نهرٍ جارٍ»، والإسراف يتحقق باستعمال الماء لغير فائدة شرعية.

اقرأ أيضا

ترامب يوقع أمراً تنفيذياً لدعم تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي