الاتحاد

الاقتصادي

الدلالون يشعلون أسعار الأسهم قبل طرحها للتداول


رأس الخيمة - صبحي بحيري:
في الجمعية العمومية التأسيسية لشركة رأس الخيمة العقارية التي عقدت الشهر الماضي، انتحى خمسة ممن يحملون جنسيات عربية جانباً وبدأوا في حوار تفاوضي كان المشهد ملفتاً أمام القاعة التي ستشهد الجمعية العمومية بعد لحظات وكان جوهر الحوار الدائر بين الخمسة هو مساومة على شراء أسهم يملكها ثلاثة منهم في الشركة بواقع 6819 سهماً لكل مكتتب·· بدأ المزاد بثلاثة دراهم للسهم الذي بلغت قيمته الحقيقية أثناء الاكتتاب 1,01 درهم· وانتهى المزاد وقد ارتفع سعر السهم إلى خمسة دراهم يوم اجتماع الجمعية العمومية التأسيسية التي أعلنت أن السهم سوف يطرح للتداول بسوق أبوظبي للأوراق المالية خلال الشهر الجاري· في اليوم التالي للجمعية تحرك سعر السهم في 'السوق السوداء' انخفاضاً ليسجل 4 دراهم ومع كل خبر ينشر عن الشركة أو أي شركة أخرى قيد التأسيس تتحرك الأسعار في السوق السوداء التي باتت موازية للسوق الرسمي·
موجة الارتفاعات التي شهدتها أسعار الأسهم خلال شهر يونيو الماضي قذفت بالآلاف من الموظفين والعمال والعاطلين من الوافدين إلى داخل السوق أملاً في جني أرباح الأسهم المتداولة وبات الجميع يعرفون الآن سر المهنة 'اكتتب في شركة جديدة·· وسوف يخصص لك نسبة من الأسهم·· ثم قم بعرض ما تم تخصيصه لك للبيع في السوق السوداء من خلال إعلان صغير في مجلة الوسيط أو أي صحيفة يومية وستجد مشترين'·
فالبيع والشراء في السوق غير الرسمي تحكمه قواعد خاصة ويغري بمزيد من المغامرات·· فالخبراء والمحللين يرون أن الاكتتابات الجديدة هي الأضمن بالنسبة لصغار المستثمرين·· وصغار المستثمرين يرون أن المشاركة في الاكتتابات الجديدة لا تكلفهم شيئاً والعائد بالنسبة لهم مضمون لكن إغراءات الربح السريع التي 'لحست' عقول العديدين تركت العديد من المآسي نرصدها في التقرير التالي:
(م· س) شاب مصري تزوج في يونيو الماضي· وعاد إلى أبوظبي بعد اجازة استمرت شهرين على أمل أن تلحق به عروسه بعد ستة أشهر على أقصى تقدير ولأنه دخل إلى سوق المال من باب الاكتتابات الجديدة التي تستوجب تقديم مبلغ كبير بالنسبة له قبل التخصيص فقد اضطر إلى الاستدانة لإكمال مبلغ الاكتتاب وعندما تأخرت الشركة في رد الأموال بعد التخصيص بدأت مشكلة محمد الذي اضطر للكذب على زوجته داعيا اياها لإرجاء القدوم ريثما يستثمر مصروفات الزواج في سوق الاسهم !·
إغراءات
ولأن اغراءات الكسب السريع سيطرت على عقل الشاب الذي بات ملاحقاً طوال ساعات دوامه الرسمي لجهاز الكمبيوتر لمتابعة أخبار أسواق المال فقد أكمل الاستدانة واشترى أسهم شأنه شأن كل زملائه في العمل·· ومع موجة الصعود التي شهدتها الأسواق خلال شهري مايو ويونيو الماضيين داعبت أحلام الثراء عقل الشاب القروي لكن زوجته التي انتظرت أكثر من عشرة أشهر أملاً في اللحاق بزوجها طلبت الطلاق بعد أن أخلف الزوج وعده معها أكثر من مرة·
وتواكبت المشاكل الأسرية مع حركة تصحيح الأسعار التي شهدتها الأسواق المالية خلال الأسبوعين الماضيين وبات 'المستثمر الصغير' رهين مشاكل مع زوجته ومشاكل مع أسهمه التي فقدت جزءا كبيرا من قيمتها نتيجة لجهله بقواعد اللعبة·
إن حكايات الوافدين وصغار الموظفين من المواطنين مع الأسهم لا تنتهي فلا تكاد تخلو جلسة لهؤلاء من الحديث عن الأسهم·· وباتت الرهانات على صعود الأسهم شئا طبيعيا بين هؤلاء وفي عرفهم أن 'أملاك' سوق يلحق بإعمار في غضون عام واحد· و'الدار' سوف تكمل المثلث والمستقبل مع رأس الخيمة العقارية·· والبائع دائماً خسران وغيرها من المصطلحات التي باتت تميز هؤلاء عن غيرهم·
محمد الخولي شاب مصري جاء إلى الإمارات بتأشيرة زيارة اشتراها بسبعة آلاف جنيه مصري·· وعندما سألته ماذا ستعمل ولماذا دفعت كل هذا المبلغ في تأشيرة تبقيك داخل البلاد لمدة شهرين فقط؟ قال لو استطعت تدبير اقامة بأي طريقة أستطيع العمل في سوق الأسهم بمدخرات أصدقائي هنا فالعائد لا يقل عن 30% شهرياً· وهو ما يعني أن تدبير 50 ألف جنيه يمكن أن يحقق عائدا كبيرا كل شهر يقتسمه مع أصحاب رأس المال مناصفة وعندما سألته: وهل لديك خبرة بالأسواق المالية؟ قال: كانت لي تجربة في مصر في التسعينيات خسرت فيها كل ما أملك· ومر شهران دون أن يستطيع الشاب المصري تدبير الإقامة على حد قوله·· وعاد إلى بلده بعد أن تبخرت أحلامه في أن يصبح مستثمرا في السوق المالي!!
إن نماذج الحالمين بالثراء أكثر من أن تحصى· وإذا كان البعض يدخل إلى السوق من 'بوابة' الاكتتابات الجديدة فإن آخرين دخلوها من باب المضاربة وهؤلاء يشكون من الشكوى من تعنت الوسطاء الذين لا ينفذون أوامر الشراء في الحال مع هبوط الأسهم في ساعات التداول الصباحية أو قبل الإغلاق·· ايضاً لا تسعفهم السيولة لإعطاء أوامر الشراء في أوقات التراجع ويقولون إن الكبار والمحاسيب يشترون على المكشوف أي أن الوسيط يقوم بالشراء للكبار دون أن يكون هناك رصيد كاف في الشركة لهؤلاء ويتم البيع في اليوم التالي ليجني الكبار أرباحا طائلة يحرم منها صغار المستثمرين·
إن شرائح عريضة من أبناء المجتمع من المواطنين والوافدين انتقلت من مقاعد المتفرجين على ما تشهده الأسواق المالية إلى قاعات التداول وهي ظاهرة تؤكد مدى الأهمية التي تمثلها الأسواق المالية في ظل حالة الازدهار التي يشهدها الاقتصاد الوطني·
ولأن لكل ظاهرة جديدة مقالبها فقد ظهرت على السطح مشاكل نتيجة الخلاف بين بائعي الأسهم خارج قاعات التداول قبل طرحها ومشتريها، فهذا السوق لا تحكمه قواعد ثابتة يمكن الرجوع اليها·· فقد يكتشف البائع أن السعر الذي اتفق عليه مع المشتري أقل من المتداول في السوق غير الرسمي·· وقد يكتشف المشتري أن الأسهم التي اشتراها لم تطرح للتداول في القريب وغيرها من المشاكل التي يتدخل العرض لحسمها لكن تبقى المشاكل بين المتعاملين خارج السوق الرسمي·
تجارة التوكيلات
لقد ظهرت على السطح مشاكل أخرى، ضحيتها الراغبون في تجميع أكبر عدد من الأسهم في الاكتتابات الجديدة·· وهؤلاء يقعون ضحية نصب متخصصين في بيع 'خلاصات القيد' حيث يقوم هؤلاء وبمساعدة مكاتب الطباعة أمام المحاكم ببيع توكيلات المواطنين الذين لا يرغبون في الاكتتاب للراغبين في تجميع أكبر عدد من الأسهم حيث يكتتب المستثمر باسمه وباسم آخرين عن طريق هذه التوكيلات وعليه يحصل على أكبر عدد ممكن من الأسهم·
لكن مع شيوع الظاهرة خلال الشهور الماضية بات صاحب التوكيل يبيعه لأكثر من مشتر في كل مرة يحصل على 1000 درهم مقابل التوكيل، وعندما يذهب المستثمر للسداد في البنك قبل الاكتتاب يكتشف عملية النصب·
أبو فهد مستثمر رأس الخيمة وقع ضحية هؤلاء المتاجرين بخلاصات القيد ومن خلال متابعاته المستمرة لهذا العالم اكتشف أن بائع خلاصة القيد يكرر فعلته مع أكثر من مستثمر وفي كل مرة يحصل على 1000 درهم نظير التوكيل ويقول إن أحد أصدقائه خسر 100 ألف درهم في هذه التوكيلات·
أمام محكمة رأس الخيمة يتجمع العشرات منذ الصباح وبالتنسيق مع أصحاب مكاتب الطباعة تبدأ عملية بيع خلاصة القيد والأمر لا يحتاج أكثر من صورة جواز السفر وتوكيل ولأن العملية غير قانونية فإنها تحتاج إلى مهارات خاصة جداً فهذا العالم بات مغلقاً على هؤلاء المتاجرين وكما يقول أبو أحمد الذي وقع ضحية هؤلاء فإنه لا يستطيع إبلاغ الشرطة بعد أن يكتشف مثلاً أن مائة شخص باعوا له الوهم مرة واحدة وخسر مع كل منهم 1000 درهم·
ولا تقتصر الخسارة على مبلغ الـ 1000 درهم التي يدفعها طالب التوكيل لكنها تمتد لتربك جميع حساباته بعد أن يكون قد استدان من البنك أو باع أسهم في البورصة لتجميع مبالغ الاكتتابات التي من أجلها حاول الحصول على التوكيلات·
الوسطاء الماليون يرفضون التعليق على مشاكل خلاصة القيد ولا يجدون مخالفة تستوجب التصحيح فيما يخص التداول بين حملة الأسهم خارج القاعات ويقول عاهد نزال وسيط مالي لشركة التجاري الدولي: لا تعليق على مثل هذه العمليات فهؤلاء هم صغار المستثمرين الذين يدخلون إلى السوق من بوابة الاكتتابات ونتوقع أن نراهم مستثمرين داخل القاعات بعد فترة قصيرة·
في حين يقول إياد غيث الوسيط المالي بشركة الشرهان للأسهم: إن الاتفاق بين البائع والمشتري على أسهم يملكها أحدهما شيء طبيعي في ظل النشاط الذي يشهده السوق هذه الأيام· وهذا دليل صحة، ولا توجد مخالفات قانونية في ذلك·
ويتوقع إياد غيث أن ينتقل المتاجرون بأسهم الاكتتابات إلى خانة المستثمرين في القريب خصوصاً مع النشاط الكبير الذي يشهده السوق· ويضيف: نحن نقدم النصيحة الفنية لكل عميل جديد ونلبي له احتياجاته من البيع والشراء في حدود القانون·

اقرأ أيضا

871 مليار درهم التحويلات المالية بالدولة خلال أغسطس