صحيفة الاتحاد

دنيا

الفساد والنزاهة

من أجل السلم الأهلي، الذي هو هدفنا الأول والأخير، مهما اختلفنا في التوجهات والرؤى والمشارب والمآكل والمرابع. ومن أجل التآلف الاجتماعي الذي هو مطلبنا جميعا. لذلك فإن علينا في العالم العربي أن نعكس استراتيجيتنا تماما، ونتحول من ملاحقة ومحاكمة الفاسدين، الى ملاحقة النزيهين، الذين لم يستغلوا منصبا ولا موقعا قط.. وعاشوا على رواتبهم فقط لا غير.
النزيهون لا يكادون يصرفون على أنفسهم وعلى عائلاتهم، أما الفساد فإنه يطعم المئات، وربما آلاف العائلات، وهؤلاء ينفقون الكثير من الأموال داخل البلاد ويستخدمون العمال والخدم والحشم، وبالتالي يساهمون في دفع عجلة الاقتصاد الى الأمام.
النزيهون ضعفاء ولا يمتلكون أدوات تعرقل عمل المجتمع وتضع العصي بين دواليب الحركة، وبالتالي فإن محاكمتهم لن تجر علينا المصائب والمصاعب.
للجادين فقط: أنا أكذب!!
???
كان من النتائج المباشرة للحراك الشبابي، وللربيع العربي في الكثير من الدول الناطقة بالعربية، أن دعت الحكومات الى ما يمكن تسميته بمكافحة الفساد، بحيث صار الفساد يتحرك في مناخات أصعب قليلا من الماضي، والرقابة صارت أكبر قليلا.
الفساد العربي حاليا يمر في مرحلة الصدمة، وهو يفكر في ابتكار آليات تناسب المرحلة وتخدع الرقابة..... وهنا يأتي دورنا: أن لا نسمح له بذلك ، أو – على الأقل- أن نعرقل مساعيه في التكيف مع مناخات الربيع العربي، وعودة حليمة الفساد لعادتها القديمة:
قال الرجل لصاحبه:
? يا رجل كل شيء تغير تماما..... كنت قبل سنوات أدخل على السوبرماركت ومعي 5 دنانير، وأحمل دجاجا ومرتديلا ونسكافيه وشيبس وشوكولاته ورزا وسكر.. وأعود للبيت وبعد معي نقود....!!
? وماذا يحصل الآن؟؟
? صار الموضوع صعبا.. الآن تدخل على السوبرماركت ومعك خمسون دينارا على الأقل من أجل أن تأخذ ذات الأغراض، وتعود الى البيت مفلسا.
قال صاحب الرجل اندهاشا:
? صحيح الأسعار ارتفعت قليلا، لكن ما عمرها كانت رخيصة كما تقول؟؟!!.... بخمسة دنانير تأخذ دجاجا ومرتديلا ونسكافيه وشيبس وشوكولاته ورزا وسكر .. وتعود الى البيت، وبعد معك مصاري نقودا؟؟؟... مستحيل!!
? لا لم أقل، إلا الصحيح..
? إذا قل لي كيف كنت تأخذ هذه الأغراض بأقل من خمسة دنانير؟؟... خذني على قدر عقلي.. وفهّمني.
? لم أعد اقدر حاليا.
? ولماذا لم تعد تقدر؟؟
? لأنهم صاروا يعلقون كاميرات مراقبة في المحلات!!
???
بأذنين من عجين تستمع الحكومات الى مطالب الناس في العالم العربي، هم يصرخون، لكن أذن العجين لا تسمع إلا ما تريد ولا تستقبل إلا ما تشتهي.
جاء رجل الى بيت رجل عجوز فوجده نائما وأسياخ الكباب تحيطة من كل مكان وتكاد تطمره، وقرب هذه الأسياخ القديمة والحديثة، وجد مصباحا قديما، فتناوله الرجل وقلبه بين يديه وفركه، فخرج منه الدخان الكثيف، الذي تشكل على هيئة مارد عملاق يضع يديه بشكل مكتوف. قال المارد للرجل:
? شبيك لبيت .. أنا بين ايديك.... اطلب ما تريد.
فرح الرجل ، وقال:
? أريد أن تعطيني مليونا
قال المارد:
? تريد ليمون .. أبشر!!
اختفى المارد قليلا.. ثم عاد بعدة كيلوات من الليمون.. وألقاها فوق راس الرجل.. اندهش الرجل وقال للمارد:
? قلت مليونا.......... يعني مليون دينار.. وليس ليمون.
هنا تحرك الرجل العجوز المدفون تحت الكباب وقال للرجل:
? لاتتعب نفسك .. المارد أصم أطرم لا يسمع.. أنا ومنذ عام بطلب منه يرجعني شباب .. بيروح ويرجع وبيجيب كباب.



يوسف غيشان
ghishan@gmail.com