الاتحاد

الملحق الثقافي

وجه فان جوخ: هلاوسدوار الشّمس

فان جوخ بريشته

فان جوخ بريشته

شيئان يحركان روحي: التحديق في الشمس والتحديق في الموت (ف. ج)
وجه قسّ منبوذ. وجه أخطأ طريق الأنبياء واندحر إلى بؤس متصوف أعزل بلا مريدين أو أتباع. وجه خلق لتبتهج به أمّ الكوارث الإنسانية.
طالما تعامل فان جوخ مع وجهه بريبة وشبهة وقلق، فوجوده تعويض لموت أخيه الذي سبقه، لم يتجشم الرسام عناء حمل اسمه وفقط، بل تحمل شقاء ازدواجية ذاته المتصلة بذات أخيه الميت، ومنها ازدواجية وجهه، إنه السبب التراجيدي لثقل وكابوسية وجهه المضاعف، لا سبيل إلى الفصل بين وجهه الأصلي ووجه أخيه الذي يعوض وجوده المفترض.
هناك صورة دامغة تفرض سطوتها عليّ كلما تأملت وجهاً عاتياً ومرعباً، وجهاً مستفزاً وموخزاً للانتباه، وجهاً يضطلع بقيمة علامة. فأول شيء يهاجسني هو تخيل مكانه الأول، المدينة أو القرية التي شهدت حادثة ولادته، لنقل أن رائحة تراب هذا المكان الذي صنع منه الوجه، تفوح منه، وهذا ما يفسر انزلاق خيالي إلى «جروتزندرت» التي ازداد فيها فان جوخ، فكيف يمكن النبش عنها في زخم أطياف وجهه؟ ربما تكفي رائحة ولون التراب الذي شكل المادة اللعينة لخزفية وجهه وشكله ...
يفصح وجه فان جوخ عن تاريخ حافل بالفشل والخسارات والأعطاب الميتافيزيقية الحرّى اللاتحصى، فشله في أن يتحول إلى قسّ وخطيب في كنيسة أو كلاهوتي استثنائي خرج من إرث التوراة بضياع ماحق، فشله في الدراسة (خاصة مادة الرياضيات)، فشله العاطفي مع النساء (مع ابنة عمه «كي» على سبيل المثال)...الخ
يشفع لوجهه الدمث خروجه أو انحرافه عن منظومة التربية وقوانين التعليم الأكاديمي ووصايا الفن... وجه منزعج ليس لعصامي بالضرورة، بل لكائن منذور لجنونه الشخصي وحده، منذور للأرياف وحياة البوادي، منذور لمآسي العمال والفلاحين. من فرط امتصاص وجهه لهذه الأقطاب الثلاثة (حياة الأرياف – العمال – المزارعون) صارت علامته تتواشج وتناقضاتها. إذ يبدو الوجه في الصورة أعلاه كما لو كان لمزارع محنك، عالم بأحوال النبات، خبير بعلم التربة وعرّاب لمتغيرات الطقس، كما يبدو في تخييل ثان، وجهاً لعامل بحسّ نقابي عال، مما يجعله مرشحاً ليكون رئيساً لنقابة عمال المناجم ... أما الصورة البكر المتناغمة حد التطابق مع حساسية وجهه وبلاغتها المفرطة في الحزن والألم، هي صورة الهلوسة الغريبة التي تعتمل في كيمياء وجهه، تكشف عنها نظرته الفوسفورية المأخوذة بما وراء حدود المكان. نظرته الساهمة والشاردة تكشف عن هوس بما وراء التخوم، وما عساه يكون هذا الما وراء إلا النداء الغامض للبراري والضواحي ... كم يضيق وجهه ذرعا بكآبة المدن ويتلبد حنقاً وقلقاً أكثر في العواصم (باريس الشتائية مثلا) ولا ينبت الضوء في خزفه إلا عندما ييمّم بشطره صوب الجنوب.
الجنوب المرغوب كخلاص، هو الجهة الصفراء لانجذاب فان جوخ الكلي، الأصفر الكامن في زهرة عباد الشمس، سيدمغ كينونته وأحلامه ووجوده، حتى أن بيته كان أصفر في مدينة «آرل» حيث تقاسم العيش والرسام جوجان لفترة مؤقتة قبل أن تعصف به النوبات ويبتر أذنه ويحل ضيفاً على مستشفى الأمراض العقلية. قبل ذلك، تغوّل وجه فان جوخ، وصار كابوسا يقض مضجع أهل مدينة «آرل» الذين أعربوا عن مخاوفهم بتوقيع عريضة ضده، فغادر «آرل» مكرهاً، «آرل» التي نبغ في رسم ضواحيها بشكل مذهل، وخلّد اسمها في تاريخ يضارع أبدية صفراء .
الأصفر الشمسي هو ملاذ وجهه، اللون الأنطولوجي لأقاصي انشطارات كينونته، الأصفر ليس جنته بالضرورة ولا جحيمه، إنه الحدود القصوى التي حاول أن يتماهى معها، أن يصلها ويتخطاها إلى الأبدية التي تليها... (أتساءل، ماذا لو اكتشف «فان جوخ»، صحراء الشرق أو زار أحد البلدان الأفريقية؟).
ليس محض اعتباط أن تزدهر نوبات فان جوخ في هذه الطفرة الصفراء وتحتد فيتحول إلى شبح يقض مضجع مدينة بأكملها... إنها الطفرة التي سينخرط فيها الرسام في أفق جنون محقق، ويثمر هذا الأفق المصطخب إحدى أقوى لوحاته «ليلة النجوم «، اللوحة التي لم تغادرها زهرات عباد الشمس، وهي تتقمص بشكل مجازي أطياف النجوم .
مثلما لا يمكن دحر واستبعاد واقصاء وجه ثيو أخ فان جوخ، كلما حاولنا كتابة سيرة وجه الرسام، (لولا الرسائل التي لازمت الأخوين طيلة حياة فان جوخ، لما كنا سنظفر بمنجم الأسرار الهائلة لذائقة فان جوخ وحساسيته الفنية ووعيه الجمالي وتناقضات ذاته وتوتراتها... الخ)، لا يمكن أيضاً – بالقدر نفسه – دحر واستبعاد واقصاء وجه الأخ الميت الذي عوّضه فان خوخ. (وجه الأخ الميت يفرض نفسه على سبيل التخييل في هلوسة وجه فان غوخ).
لم يكن هناك من رضا واطمئنان في علاقة فان جوخ بوجهه الذي كان يبصق عليه وينعته بالقبح، فقط لأنه لا يتجدد ومع ذلك فقبح وجهه بالنسبة إلينا يضمر وحشية نادرة وجفاء بديعاً وتعاسة نبيهة... إلى الحد الذي يستحيل فيه أن نتصور أو نطمع في كسرة ابتسامة تنتابه ولو على سبيل الخطأ. من بين مجمل لوحاته المدهشة، ثمة لوحات بعينها نجحت في أن تكون قرينة بوجهه دون الأخرى، لوحات تنقشع في أفق الرؤية كلما تأملنا وجه الرسام كما في الصورة أعلاه، هي لوحات «آكلو البطاطس» و»ليلة النجوم» و»حقل الغربان»، هذه الأخيرة الأشد تماهياً مع حدة التوتر الذي عاشه فان جوخ في طفرة جنونه المفزع، لا سبيل إلى طردها عن وجهه حقيقة، حتى أن وجهه يبدو كما لو شُكّ بمناقير تلك الغربان التي كتب بأنها تنقر دماغه، تشكّ وجهه دون أن تفقأ عينيه، العينان المصدّرتان لرعب أزرق راسخ الأثر.
لا يزاحم لوحة «حقل الغربان» قوة وغرابة وفداحة، سوى لوحات زهرات عباد الشمس، إنها الزهرة التي تضيء خزف وجهه، ووحدها تكشف عن هلاوس هذا الوجه المولع بالجنوب والشمس حد الجنون:
(كامن في زهرة عباد الشمس، أيها الأصفر، يا أنا).

اقرأ أيضا