الاتحاد

الملحق الثقافي

من نيرو وولف إلى أسلوب «النوار»

287531

287531

يصعب فهم ما يميّز النمط الروائي الأسود – «النوار» - عن الأدب البوليسي الكلاسيكي – باستثناء مزاعم بأنّ نمط «النوار» يتمتّع بمكانة أدبيّة أكثر ترفعاً، ليتبيّن في أغلب الأحيان أنّ الأمر ليس كذلك على الإطلاق.
والواقع أنّ هذه المزاعم تسمح لهواة هذا النوع الأدبي بالشعور بأنّهم أكثر رقيّاً عندما يقرأون في الباص، أو تحت المظلّة على الشاطئ.
وأشعر دوماً بالإحراج عندما يكلّمني الناس عن رواية تعتمد أسلوب «النوار»، لا سيّما بسبب الاستعمال المفرط لهذه اللفظة في أيّامنا هذه، أكان في مراجعات الكتب، أو في المجال الإعلاني.
ومن المؤكّد أنّ أسلوب «النوار» ليس أبداً أسلوب «جيالو»، الذي يعني حرفيّاً «أصفر»، وهو الاسم الذي يطلقه، أو كان يطلقه الإيطاليّون (والإيطاليّون دون سواهم)، على الروايات البوليسيّة الكلاسيكيّة التي تشمل شخصيّات أسطوريّة على غرار شيرلوك هولمز، وهيركيول بوارو، ونيرو وولف وكثيرين غيرهم.(واستوحي مفهوم اللون الأصفر من أغلفة الكتب المميزة الصادرة عن دار نشر «موندادوري» في إيطاليا)، أمّا صيغة هذه الروايات الكلاسيكيّة، فمعهودة، حيث تُرتَكَب جريمة تزعزع السلم المحلي، فيتولّى فرد معروف بمستويات ذكائه الراقية مهمّة تفسير الأدلّة المختلفة، ليُكشَف الجاني في النهاية ويعود النظام.
وسُجّلت استراحة من أسلوب الأدب البوليسيّ المذكور هذا في العقود الأولى من القرن الماضي، مع تطوّر الرواية الأميركيّة «البوليسية التي تمزج بين القسوة والواقعية»، التي جسّدتها أعمال داشييل هانيت، ورايموند تشاندلر، وبيتر تشايني، وجيمس هادلي تشايز، وهوراس ماكوي وميكي سبيلين.
وهذه الروايات تعبق بالجثث، وقد تشتمل على مجرم واحد أو أكثر.
بيد أنّ التحرّي لا يتمتّع بمستويات ذكاء فائقة مثل هولمز، كما أنّه ليس غريباً عن عالم الجريمة الذي يتنقّل فيه، بل يشكّل إلى حدّ كبير جزءاً من هذا العالم، لدرجة اعتماده أحياناً الأساليب التي يضعها هذا العالم في متناوله، وبالنتيجة، تتسارع وتيرة نبضه أحياناً.
ومع أنّه قد يكون صادقاً في الأساس، ليس بريئاً تماماً، لأنّ خلفيّة روايات «النوار» تجسّد عادةً مجتمعاً مريضاً.
ويرى البعض أنّ التهافت على هذا النوع من الروايات بدأ في العام 1945، مع إصدار السلسلة الفرنسيّة «سيري نوار»، بيد أنّ السلسلة المذكورة قامت بشكل أساسيّ على ترجمات فرنسيّة لروايات تعتمد تقليد قصص الجريمة البوليسية التي تمزج بين القسوة والواقعية.
ويشار إلى أنّ مارسيل دوهامل، الذي أصدر سلسلة «سيري نوار»، أطلق بياناً عن السلسلة، حذّر فيه هواة ألغاز شيرلوك هولمز من أنّ هذه القصص ستزعجهم، ومن أنّهم سيصادفون رجال شرطة أكثر فساداً من المجرمين، ومن أنّهم لن يقرأوا عن أيّ لغز غامض – أو حتّى عن أيّ تحرٍّ - في بعض المرّات، ولن يجدوا أمامهم إلاّ أحداثاً.
وتماماً كما في الأفلام، ستترجم حالة الشخصيّات النفسية إلى حركات جسديّة، وهو لأمر مؤسف فعلاً بالنسبة إلى قارئ متشوّق إلى التأمّل الباطنيّ.
قد يعكس الأمر البيئة السائدة في الروايات البوليسية التي تمزج بين القسوة والواقعية، ولكنّه لا يساعدنا على تفسير الأوضاع التي غالباً ما نراها في قصص الجرائم التي تعتمد أسلوب «النوار» الروائي.
ومنذ نحو 25 عاماً، كتبت الصحافيّة الإيطاليّة إيرين بينياردي أنّ أسلوب «النوار» يتناول بشكل خاص «القلق، وعدم الأمان، والواقع المخادع الخارج عن السيطرة...
الذي يجسّد استحالة عودة الأمور إلى نصابها، واستعادة النظام لأنّه لا وجود للنظام أساساً»، وفي حين أنّ البطل في عدد كبير من روايات «النوار» هو شخصيّة رئيسيّة سلبيّة أكثر من أيّ أمر آخر، إلا أنّه لم يعتد استفزاز المجرمين في الحانات القذرة، مع الإشارة إلى أنّ العنف في هذه الروايات يكون في الواقع قليلاً نسبيّاً.
بيد أن العنصر المهيمن في رواية تعتمد أسلوب «النوار» هو المفهوم المربك الذي يفيد بأنّ المجتمع عموماً فيه خلل منذ الأساس.(أمّا في الروايات البوليسيّة التقليديّة، فيقتصر عنصر الشرّ على المجرم وما إن يتمّ التخلّص منه، يعود المجتمع إلى سابق عهده، بأدقّ التفاصيل)، ويشار إلى أنّ التحرّي، في الروايات التي تعتمد أسلوب «النوار»، لا يكتفي بالظهور بصورة نمطيّة لها خصوصيّات مميّزة، كما كان الحال بالنسبة إلى بوارو أو فيلو فانس، وكذلك، ليست أفعاله العنصر الوحيد الذي يحدّد معالم شخصيّته، كما هو الحال بالنسبة إلى سام سبايد.
وما يميّزه هو العمق النفسيّ – مع أنّ هذه الميزة ليست دوماً غائبة في الروايات البوليسيّة الكلاسيكيّة (راجع مثلاً أعمال جورج سيمنون)، ويقال عن بعض الروايات، إنّها تنتمي إلى أسلوب «النوار»، في حين تكون بالفعل من الروايات التي تسرد إجراءات الشرطة، كما هو الحال في مؤلفات أندريا كاميليري.
وبالتالي، نبدأ بالتشكيك، حيث إنّ الرواية البوليسيّة التقليديّة اعتُبِرت، عن خطأ أو عن صواب، نتاج أكشاك الجرائد التي لا تمتّ للأدب بأيّ صلة، في حين تمّ تكريس لفظة «نوار» للروايات المباعة في المكتبات، والمعروفة بمزاياها الأدبيّة.
وبغضّ النظر عن المواضيع والأساليب المرتبطة بأدب «النوار»، يُعتبر هذا الأخير بمعظمه تركيبةً تجاريّة ذات اسم فرنسيّ أكثر تنميقاً. وبالتالي، تكثر الكتب التي لا تمتّ لهذا النوع الأدبي بصلة، والتي ينتهي بها المطاف في جيوب معاطفنا.
أمّا أنا، فلا أزال أحاول أن أعرف بالتمام ما هو أدب «النوار».

اقرأ أيضا