الاتحاد

تقارير

تحولات سياسية جديدة في كوبا

آنيا لاندو فرانش
كاتبة أميركية متخصصة في الشؤون الكوبية


على غير المعتاد كان الأسبوع الماضي حافلاً بالأخبار عن كوبا، وعلى رأس القائمة جاء مع نهاية الأسبوع باختيار لمانويل دياز كانيل البالغ من العمر 52 عاماً كنائب أول للرئيس، وهو أول شخص يعين في هذا المنصب خارج قادة الثورة التقليديين، ويبدو أن النائب الأول السابق للرئيس تنحى لإفساح المجال أمام جيل جديد من القادة لتولي المسؤولية. ويُعتقد أن دياز كانيل سيخلف الرئيس الحالي، راؤول كاسترو، الذي أعاد التأكيد على أنه لن يترشح لولاية رئاسية جديدة، ملتزماً بما سبق أن تعهد به في عام 2008 عندما بدأ ولايته الرئاسية الأولى. وأكثر من ذلك فقد ساند راؤول وضع سقف لعدد الولايات الرئاسية المسموح بها ومعها تحديد سن معين بالنسبة لكبار المسؤولين الحكوميين، مشيراً إلى أنه سيمضي قدماً في تنفيذ أجندة الإصلاحات. يُذكر أن اثنين من نواب الرئيس الخمسة من النساء واحد فقط بينهم ينتمي إلى المجموعة التي قادت الثورة الكوبية.
والملفت أن فيديل كاسترو الذي حضر في ظهور نادر له جلسة الجمعية الوطنية وأدلى بحوار للصحيفة الناطقة باسم الحزب الشيوعي «جرانما» في وقت سابق من الشهر الماضي، لا يبدو أنه هو أيضاً أخذ على حين غرة بالإصلاحات التي يباشرها شقيقه على رأس الدولة، إذ أكد في الحوار أن الثورة هي «التغيير» الجوهري الذي شهدته كوبا. وفيما يصر فيديل على أن التغييرات الجارية ما هي سوى تصحيح للمسار، يحرص راؤول على إيصال رسالة واضحة للشعب الكوبي مفادها أن كوبا بدأت رحلة التغيير، وهو تغيير بطيء ولكنه أكيد ويتجه بخطوات ثابتة نحو تحديث الدولة. وعلى رغم الشك الذي ما زال قائماً لدى الكوبيين، وتأكيد راؤول نفسه أن الإصلاحات الجارية لا تعني العودة إلى الرأسمالية، يشعر المواطنون بأن انطلاق الإصلاحات يبشر بتحولات أخرى قادمة.
ولكن المشكلة التي قد تزعج المراقب هي مدى انفصال الولايات المتحدة عن التطورات الجارية في كوبا، وقد لاحظ ذلك أحد أشد المنتقدين للحكومة الكوبية وهو المعارض، يواني سانشيز، الذي يقوم حالياً بجولة في البرازيل بفضل الإصلاحات التي أدخلها راؤول كاسترو على قانون الهجرة، فقد قال: «إن الحصار الأميركي المفروض على كوبا تحول إلى معلم من معالم الحرب الباردة ولم يعد له من مبرر في عالم اليوم». وخلال الأسبوع الجاري شهدت واشنطن الشرارة الأولى لنقاش طال انتظاره حول السياسة الأميركية تجاه كوبا، ولاسيما فيما يتعلق باستمرار إدراج اسم كوبا على لائحة الدول الراعية للإرهاب. فقد وضعتها الولايات المتحدة في تلك اللائحة منذ عام 1982 لدعمها الجماعات اليسارية المتطرفة في الأميركتين، ولكن منذ انهيار الاتحاد السوفييتي قبل أكثر من عشرين سنة خلت انهارت معه التسهيلات التي مكنت كوبا من رعاية تلك الجماعات اليسارية. بل إن وزارة الخارجية اعترفت مراراً بأن كوبا لم تعد تدعم الفصائل اليسارية المسلحة، الأمر الذي دفع بعض الأوساط في واشنطن إلى المطالبة بشطب اسم كوبا من اللائحة دون أن يتجرأ أحد من الإدارات المتعاقبة على القيام بهذه الخطوة. ثم وفجأة ظهر تقرير في الصحافة خلال الأسبوع الماضي أعاد الموضوع إلى الواجهة، فقد نقلت صحيفة «بوسطن جلوب» عن مسؤولين أميركيين بارزين رفضوا الإفصاح عن هوياتهم أن الكوبيين «ما عادت تنطبق عليهم معايير الدولة الراعية للإرهاب». ومع ذلك أضافت الصحيفة أنه لا قرار رسمي اتخذ في هذا السياق، مشيرة أيضاً إلى أن وزير الخارجية، جون كيري، يعكف حالياً على مراجعة السياسة الأميركية تجاه كوبا. غير أن الوزارة لم تسمح بأية تكهنات قد تذهب بعيداً في استنتاجاتها، ولذا سعت المتحدثة باسم الوزارة، فكتوريا نولاند، إلى وضع حد للتكهنات قائلة «لقد قرأت التقرير الصحفي، ودعوني أؤكد لكم أنه لا أساس له من الصحة، فوزارة الخارجية لا تفكر في أية خطة لشطب كوبا من لائحة الدول الراعية للإرهاب».
والحقيقة أنه على رغم نفي وزارة الخارجية على لسان المتحدثة باسمها لوجود أي مراجعة للسياسة الأميركية تجاه كوبا، تبقى المعطيات الموضوعية والتطورات الجارية دافعاً محورياً لتغيير السياسية الأميركية، وربما ما تنتظره الإدارة هو ظهور دافع قوي يبرر التغيير الأميركي مثل الدور الذي تضطلع به كوبا حالياً في التوسط للوصول إلى حل سلمي بين الحكومة الكولومبية ومسلحي «فارك» المناوئين للحكومة الذين كانوا يحصلون طيلة العقود السابقة على التدريب والسلاح الكوبيين. فهل كانت اعترافات أكثر من مسؤول أميركي خلال الأسبوع الماضي بشأن عدم وجود صلة بين كوبا والإرهاب بالون اختبار قبل الإعلان عن التغيير؟ وهل كانت رسالة موجهة إلى السلطات الكوبية التي تحتجز المواطن الأميركي، آلان جروس، الذي حكم عليه بـ15 عاماً سجناً لمحاولته إقامة شبكة اتصالات لا سلكية للإنترنت دون الحصول على ترخيص حكومي؟ مهما يكن الأمر فإنه لا يمكن إنكار وجود محاولات جارية على الجانب الأميركي لطي صفحة الماضي مع كوبا، وربما بالتوازي مع تصريحات المسؤولين الأميركيين غير الرسمية جاءت الزيارة التي قام بها السيناتور، باتريك ليهاي، رئيس لجنة الاعتمادات المخصصة للعمليات الخارجية، للمرة الثانية إلى كوبا مصطحباً معه مجموعة من زملائه في الكونجرس. وفيما ذهب البعض إلى أن السيناتور عاد بخفي حنين بعدما أخفق في الضغط على كوبا لإطلاق سراح المواطن الأميركي، إلا أن الزيارة تحمل أكثر من ذلك، فالوفد الزائر كان يعرف أنه لن يعود مع المواطن الأميركي، وأن كوبا لن تخضع لأي ضغوط، ولكنه كوفد أميركي كان لابد له من إثارة الموضوع مع المسؤولين الكوبيين، لتبقى الحمولة الأساسية للزيارة هي انتقال مسؤولين أميركيين إلى كوبا شخصياً وكسرهم للحاجز النفسي، ربما تمهيداً لما قد يأتي مستقبلاً من تطورات تغير وإن على نحو تدريجي العلاقات الأميركية الكوبية.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا