الاتحاد

تقارير

حلب: تصعيد صاروخي جديد

ليز سلاي
حلب


كانت ظلمة الغسق تهبط على المكان في نهاية يوم آخر مرهق من أيام هذه المدينة الممزقة بالحرب عندما بدأت الصواريخ في التساقط، مؤشرة بذلك على ما يبدو إلى تصعيد مفزع في الحرب الأهلية المدمرة، المحتدمة في سوريا.
وقد تركت الصواريخ التي سقطت على منطقتين سكنيتين مكتظتين لا يفصل بينهما سوى ميل واحد، وبتتابع زمني لم يزد عن دقائق معدودات، مشاهد من الدمار تشبه تلك التي تخلفها الزلازل عادة، حيث تهدمت المنازل على نحو لم يعد ممكناً معه التعرف على معالمها، وتمزق سكانها أشلاء في لحظات، وتحول ما كان قبلها أحياء مزدهرة إلى مجرد أكوام من التراب.
والضربتان الصاروخيتان اللتان أصابتا حلب يوم الجمعة، لم تكونا أول استخدام للصواريخ الباليستية في الصراع الدائر في سوريا منذ 23 شهراً، حيث قالت مصادر وزارة الخارجية الأميركية إن صواريخ يعتقد أنها من نوع «سكود» الروسية الصنع، قد أطلقت على ريف حلب في ديسمبر الماضي، وإن ما يقرب من 40 ضربة صاروخية أخرى قد أصابت مناطق مختلفة منذ ذلك الحين.
ولكن الهجمات التي وقعت يوم الجمعة، والهجومين اللذين وقعا الأسبوع الماضي كانت هي أول هجمات تستهدف مناطق سكانية، وهو ما مثل، كما جاء في تقرير لمنظمة «هيومان رايتس ووتش» انحداراً آخر في الحرب الأهلية في سوريا.
وقد أسفرت الصواريخ الثلاثة التي ضربت مناطق سكنية في حلب، والرابع الذي ضرب بلدة قريبة تسمى «تل رفعت» -وهو ما مثل أكبر معدل للضربات الصاروخية خلال أسبوع واحد- عن مصرع 141 شخصاً، كما جاء في تقرير «هيومان رايتس ووتش»
في حي أرض الحمراء الشعبي الذي أصابه الصاروخ الثاني يوم الجمعة الماضي، وقد روى الناجون أنهم قد شعروا في البداية بأن الهواء قد اُمتص من الجو، قبل أن يتبع ذلك انفجار مدوٍّ يقولون إنهم لم يسمعوا له مثيلًا من قبل.
ومن بين هؤلاء «فؤاد حاجو» (33 سنة) الذي يعيش في منطقة قريبة، ويقول إنه قد شارك في انتشال عشرات الجثث من بين الأنقاض: «في البداية كان هناك انضغاط للهواء، وبعد ذلك رأينا وميضاً، وثم تحول كل شيء إلى سواد».
ويضيف «محمد حاج صالح» (33 سنة) وهو يجلس على حطام منزله المدمر: «كانت هناك أشلاء ملقاة في كل مكان وأجساد ممزقة بفعل الانفجار».
وقد أنكر نظام الأسد هذا الأسبوع أن يكون قد استخدم صواريخ «سكود» لقمع الانتفاضة ضد حكمه، بيد أن العديد من الخبراء العسكريين يقولون إن الأدلة المتوافرة، وقوة الانفجار، وحجم الدمار، والمشاهد الملتقطة بواسطة كاميرات فيديو لصواريخ تطلق من قواعد تقع خارج دمشق قبل الانفجارات بفترة قصيرة، تبين كلها أن الصواريخ من نوع «سكود».
كما أعربت مصادر في إدارة أوباما عن اعتقادها بأن الاحتمال الأرجح هو أن تلك الصواريخ من نوع «سكود» فعلاً.
وفي هذا السياق أدلى وزير الخارجية الجديد جون كيري بتصريح في أول رحلة خارجية له في منصبه الجديد قال فيه إن الهجمات على حلب «غير مقبولة»، وإن استخدامها يتناقض مع عرض المفاوضات الذي قدمته الحكومة السورية.
ومن المعروف أن صواريخ «سكود» ليست دقيقة، ومن الصعب تخيل أن يكون استخدامها لضرب المناطق السكنية مقصوداً به أي هدف آخر غير قتل المدنيين. هذا ما يقوله «جو هوليداي» من معهد دراسات الحرب، الذي يقدر أن مدى هامش الخطأ في تلك الصواريخ يمكن أن يصل إلى ميل.
بيد أن استخدام تلك الصواريخ يمكن أن يشير أيضاً إلى الخيارات المحدودة المتاحة أمام النظام في محاولاته الرامية لقمع ما بات معارضة مسلحة، تزداد قوة على الدوام.
وقال «هوليداي»: في حرب انتقلت بسرعة من الرصاص إلى القذائف إلى طائرات الهليكوبتر المسلحة والطائرات الحربية تعتبر صواريخ «سكود» هي التصعيد التالي إذ ليس هناك شيء أكبر موجود لدى النظام لم يستخدمه، «ويخشى أن تكون الأسلحة الكيماوية هي خطوته التالية»!
ولكن سكان المناطق المضروبة في عاصمة سوريا التجارية، يقدمون نظريات أخرى منها أن تلك الهجمات الصاروخية هي عقاب من النظام على الهجمات الأخيرة التي شنها مقاتلو المعارضة على المطار الدولي الواقع جنوب المدينة، أو ربما يكون المقصود منها جعل الناس ينقلبون على الجيش السوري الحر من خلال تحويل المناطق التي يسيطر عليها إلى مناطق غير قابلة للعيش فيها.
وبصرف النظر عن الغرض من هذه الهجمات المروعة، فإن المؤكد هو أنها تزرع شعوراً بالهلع في أوساط السكان، الذين كانوا قد اعتادوا على انفجارات قذائف المدفعية، والضربات الجوية منذ الهجوم الذي شنه مقاتلو المعارضة على حلب في شهر يوليو الماضي، وتمكنوا من خلاله من السيطرة على ما يزيد عن نصف مساحتها.
«إن قذائف المدفعية تدمر شققاً، والضربات الجوية تدمر مباني، ولكن صواريخ سكود تزيل شوارع بأكملها» هذا ما قاله العقيد «عبد الجبار القايدي» أحد القادة الكبار للجيش السوري الحر في حلب الذي يبدو أنه يجد صعوبة في معرفة كيفية معالجة التهديد الجديد حيث يقول: «تستطيع أن تحتمي من قذيفة، أو من ضربة جوية، ولكن كيف يمكنك أن تحتمي من صاروخ سكود».

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سرفيس»

اقرأ أيضا