الاتحاد

دنيا

حماية الحرف العمانية.. منظومة متكاملة تؤسس لإنتاجية مدروسة

في عمان نوع من التربة يستخدم في إنتاج الصناعات الفخارية (الصور من المصدر)

في عمان نوع من التربة يستخدم في إنتاج الصناعات الفخارية (الصور من المصدر)

يوسف البلوشي (مسقط) - تعتبر الحرف العمانية إحدى أهم الصناعات، التي انتعشت مؤخراً بسبب اهتمام السلطنة فيها، نتيجة إدراك القائمين على هذه الصناعة بأهميتها كونها تمثل أيضا جانبا أساسيا في الموروث الحضاري. وتخطط عمان لإنشاء كلية متخصصة في الحرف التقليدية تمنح درجة أكاديمية لخريجيها، في سبيل دعم القطاع والاستفادة منه والتشجيع على الانخراط فيه.

شهد الإنتاج المحلي للسلطنة من الصناعات الحرفية المطورة ارتفاعاً ملحوظاً، وتسعى الهيئة العامة للصناعات الحرفية إلى مواكبة التطورات الحرفية، والتي تطرأ على عمليات الإنتاج الحرفي بما يتواكب مع الحداثة القائمة على الالتزام بأصالة الموروثات الحرفية، حيث يعد قرار اعتماد الهيئة تشكيل فريق متخصص لدراسة الواقع الحرفي العماني خطوة نحو الأخذ بمسببات العمل والأداء المبني على مؤشرات موضوعية، تؤسس لإنتاجية حرفية مدروسة.
دور اقتصادي
مع احتفالات السلطنة باليوم الحرفي العُماني، الذي صادف الثالث من مارس الماضي، والذي يعد احتفاء وطنيا يُرسم فيه واقع المنجز العماني، وما تحقق من مشاريع نهضوية شاملة جعلت من السلطنة في مصاف الدول الرائدة في النمو والاستقرار، متجاوزة مراحل قياسية من الإنتاجية والعطاء لتشهد البلاد تنمية متكاملة.
وتحرص الهيئة العامة للصناعات الحرفية على النهوض بالقطاع الحرفي العُماني تأكيداً على أهمية التطوير، الذي يقوم على أساس احترام مهن الآباء والأجداد والحافظ على الهوية الوطنية للبلاد، كما تواصل الهيئة جهودها نحو تحقيق منظومة متكاملة للقطاع الحرفي العُماني، حيث شهد القطاع الحرفي العُماني خلال العقد الأول من عمر الهيئة نمواً قياسياً ونقلة نوعية في مختلف مجالات العمل الحرفي.
في هذا الإطار، قال علي المسروري، من هيئة الصناعات الحرفية: إن الاهتمام بهذه الشريحة من المجتمع العماني يأتي انطلاقاََ من الدور الاقتصادي للصناعات الحرفية العمانية، مشيراً إلى جعل مسابقة السلطان قابوس للإجادة الحرفية ضمن المسابقات الوطنية؛ لتقوم بدور التحفيز واستثارة مكامن الإبداع لديهم في هذا المجال.
وأضاف: «مشاركة الحرفيين في مسابقة السلطان قابوس للإجادة الحرفية في دورتها الثالثة لهذا العام تميزت بالإجادة النوعية، وصناعة منتج حرفي من الطبيعة العمانية، من خلال عمل مشاريع هادفة تسهم في دعم وتسويق المنتجات الحرفية».
وأضاف: «الهيئة تدرب حرفيين عُمانيين على أيدي مدربين متخصصين على مدار سنوات، موفرة لهم الآلات والخامات وابتكار تصاميم حديثة».
وفي نقلة نوعية للتدريب، قال المسروري تخطط الهيئة في المستقبل القريب لمنح الحرفيين مؤهلاً أكاديمياََ علمياََ من خلال إنشاء كلية الأجيال للصناعات الحرفية التقليدية، التي بدأ العمل على تأسيسها من خلال تشكيل اللجان، ووضع الخطط، وتحديد البرامج بهدف بناء صرح للعلوم الحرفية والمهنية.
أوضح «تعد كلية الأجيال لعلوم الصناعات الحرفية والمهن التقليدية ارتقاء بالأداء الابتكاري والإبداعي للحرفيين، وذلك بالاستفادة من مناهل المعارف المتجددة، وتعد الكلية إحدى اللبنات الثابتة التي تضاف إلى المنجزات المتحققة للنهضة العُمانية الحديثة»، مؤكدا أنه من المتوقع أن تسهم في تأسيس طاقات أكاديمية متخصصة في مختلف العلوم المتعلقة بالصناعات الحرفية والمهن التقليدية.
من جهة أخرى، قال المسروري «تعكس مسابقة السلطان قابوس للإجادة الحرفية القيمة الحضارية والوطنية لمنتجات الصناعات الحرفية، كما تؤكد الاهتمام الكبير بالحرفيين، إضافة إلى دور المسابقة الريادي في تطوير الصناعات الحرفية المتوارثة بالسلطنة والتي تعد رمزاً يعبر عن موروث له دلالاته الحضارية، حيث تسهم المسابقة في تشجيع المشاريع الحرفية المجيدة على زيادة كفاءة الأداء في العمل الحرفي».
ذاتية الاعتماد
في موازاة جهود الهيئة يتم رعاية الحرفيين بصور متعددة من خلال تقديم الدعم المادي أو بتوفير الآلات والأدوات الحديثة، حيث سعت الهيئة لإنشاء منظمة حرفية وطنية متكاملة الأبعاد، سواء على الصعيد الإنتاجي أو القدرة الاكتفائية للطاقة اللوجستية المتعلقة بالحرف.
وفي هذا المجال أوضحت المؤشرات الإحصائية للهيئة ارتفاع عدد الحرفيين المستفيدين من برامج الدعم والرعاية الحرفية، كما تحرص الهيئة وبشكل علمي على مُواءمة الزيادة في عدد الحرفيين المنتسبين للقطاع الحرفي، حيث بلغت أعداد الحرفيين في محافظات السلطنة حتى نهاية عام 2013 نحو 10 آلاف حرفي وحرفية، ويشهد القطاع الحرفي تطوراً ملحوظاً في إرساء دعائم الإنماء والتطوير الحرفي من خلال طرح برامج متكاملة ومبادرات حرفية شاملة لدعم ورعاية الحرفيين، ومن بينها توجه الهيئة نحو تطوير مراكز التدريب والإنتاج الحرفي للانتقال إلى مرحلة المؤسسات الحرفية ذاتية الاعتماد من أجل تأسيس ثقافة الابتكار والريادة.
وتعمل سلطنة عمان على دعم القطاع الحرفي من خلال رفده بقدرات وطاقات وطنية قادرة على خلق منتج حرفي محلي ومطور، إلى جانب تحديث الحرف ورفع مستوى جودة المنتج الحرفي. في هذا الإطار نفذت الهيئة مجموعة متكاملة من المشاريع الهادفة إلى النهوض بصناعة الحرف المطورة، كما أن المشاريع الجاري تنفيذها حالياً مرتبطة بمشاريع تشغيلية وإنتاجية مباشرة للحرفيين بهدف الاستفادة منها وتوظيفها ضمن استراتيجية الاستثمار والترويج، مع اعتماد خطة مستقبلية متعلقة بتأهيل الحرفيين في مختلف مجالات العمل المتعلقة بمنهجية الابتكار المبدع.
وتتبنى السلطنة ثقافة مؤسسية ترتكز على توفير بيئة عمل حرفية راعية ومنظمة للأداء الحرفي، إذ دشنت الهيئة برامج إلكترونية تفاعلية تؤطر بصورة محكمة جميع عمليات استصدار التراخيص الحرفية، إلى جانب رصد جميع المتغيرات الحرفية.
ويؤكد تنامي الارتفاع الملحوظ في نسب الحرفيين العمانيين المسجلين ضمن قاعدة بيانات السجل الحرفي مدى جاهزية الهيئة لاستقطاب الطاقات العُمانية المنتجة، إلى جانب أنها تبرز الجهود المبذولة نحو تأمين برامج التأهيل والتدريب الحرفي لتتلاءم مع فرص الالتحاق بمجالات تصميم وتطوير وإنتاج الحرف العُمانية، إضافة إلى مبادرات الدعم والرعاية الحرفية، حيث يشهد القطاع الحرفي جهوداً متواصلة للنهوض بالحرف العمانية وتطويرها وفق آليات حديثة تعمل على ترويج المنتج الحرفي العماني.

تقدير الجهود
تقديراً لدور السلطنة في حماية وتطوير الموروثات الحرفية تم اختيار الهيئة العامة للصناعات الحرفية لشغل منصب نائب رئيس مجلس الحرف العالمي لمنطقة غرب آسيا والمحيط الهادي،نظراً لإسهامات الهيئة في النهوض بالقطاع الحرفي،والجهود المبذولة نحو تعزيز العمل الدولي المشترك في مجالات حماية وتطوير الصناعات الحرفية والذي يعبّر بدوره عن ثقة الدول المنظمة لمجلس الحرف العالمي من أجل العمل الدولي نحو تنفيذ برامج دولية مشتركة هادفة تعزز الوعي المجتمعي للصناعات الحرفية، وتطور سبل تفعيل التنسيق والتعاون المشترك.

حلول مبتكرة
تسعى عمان إلى توفير حلول مبتكرة من أجل تحقيق الإجادة الحرفية، وقد استفادت من توظيف مخرجات البيئة المحلية لخلق منتج حرفي وطني متكامل، في هذا المجال نفذت الهيئة خطة إنتاجية لصناعة حزام الخنجر من النسيج القطني المطرز بخيوط الزري، في إطار حرص الهيئة نحو تأصيل إنتاج جميع أجزاء الخنجر، كما تم تسجيل شهادات إيداع لنماذج متنوعة من مقبض الخنجر العُماني، حيث تم استخدام أغضان الأشجار العُمانية، وتتضمن مرحلة تطوير العمل الحرفي على إعداد دراسات تحليلية وفق منهجية علمية، كما تطبق حالياً مشروع الاستفادة من الأصباغ العُمانية المحلية المستفادة من البيئة في صناعة الحرف بهدف تعزيز الابتكار الوطني في مختلف المجالات الحرفية، مع الاهتمام بكل ما من شأنه دعم المنتج الحرفي كما توصل عدد من الباحثين المختصين بالهيئة إلى اكتشاف نوع من التربة المحلية المستخدمة في إنتاج الصناعات الفخارية المبتكرة، ويمثل هذا الاكتشاف نقلة نوعية على مستوى كفاءة الإنتاج الحرفي.

منافذ تسويقية
يعد البيت الحرفي العماني أحد أبرز المنافذ التسويقية للصناعات الحرفية حيث تعمل تلك البيوت على تعزيز الاستثمار الحرفي وذلك بإتاحة الفرص أمام الحرفيين لإدارة مشاريع الترويج لمنتجاتهم الحرفية بدعم من الهيئة وبجهودهم الذاتية وذلك في إطار من التبصر بمنهجيات التسويق والاستثمار الحرفي الحديث، وقد أثبتت بيوت الحرفي العماني نجاح الرسالة والهدف الذي أنشأت من أجله،وقد أصبحت مبادرات الهيئة العامة للصناعات الحرفية أنموذجاً يحتذى به في الرعاية الحرفية، وشهدت الهيئة زيارات عديدة من قبل الدول الشقيقة والصديقة للاطلاع على تجربة السلطنة في مجال تخصيص منافذ ذاتية للحرفيين. وتأسيساً لهذا النهج تم خلال العام تدشين البيت الحرفي العُماني في عبري، والبيت الحرفي العماني بوادي بني خالد، إلى جانب البيت الحرفي العماني في كل من دار الأوبرا السلطانية بمسقط «الأوبرا جالاريا»، والركن التسويقي بمتحف بيت الزبير.

اقرأ أيضا