الاتحاد

الملحق الثقافي

الوصُول إلى صخْرةِ الشابّي

محمد بنيس

محمد بنيس

(1)
نجح الشابي في أن يخلق أسطورته في الثقافة العربية الحديثة. وهو بهذا من الأسماء الأدبية القليلة التي استطاعت أن تجعل اسمها يتنقل من العادي إلى ما فوق العادي. لم يقم بشيء في حياته من أجل خلق أسطورته. كانت وفاته، وهو في الخامسة والعشرين من العمر، بداية منها انطلق قراؤه ومحبّوه ليخلقوا له أسطورة. ثم مع توالي السنوات، واستمرار تعلق القراء بشعره، ترسخ في المتخيل الأدبي العربي، مغرباً ومشرقاً على السواء، حب أسطورة الشابي والتعلق بها. ومن آثار الأسطورة أنه كتب الشعر فوق صخرة في جبل عين دراهم، التي كان يقضي فيها فصل الصيف حتى يستريح من عناء مرض القلب. لم يتوقف القراء والمحبون عن إضافة عناصر جديدة للأسطورة. ثم جاءت تونس بثورتها في الربيع العربي، فرددت الجماهير التونسية الثائرة بيتين من أبيات قصيدة الشابي «إرادة الحياة»، بما هي تجسيد لأسطورة القوة الخفية التي كان الشابي يتمتع بها.
كلمة «الأسطورة» منعشة ولذيذة حيناً، منفّرة ومقيتة حيناً آخر. وأنا أقصد من استعمال الكلمة المعنى الأول، الذي نكاد نفتقده في حياتنا الثقافية الحديثة، حيث يتحول معها الفرد إلى بطل خارق. أمر لا شك أنه معنى يثير للوهلة الأولى عندما نربطه بالشابي. بل إنني كثيراً ما لاقيت عدم التفاهم بشأن الشابي مع أصدقاء تونسيين، من بينهم شعراء أعتز بمودّتهم. لكن لنتمهّل قليلاً. أمر الأسطورة الملازمة للأدباء والفنانين، أو للفلاسفة والعلماء، من بين ما شغلني في رؤيتي إلى الثقافة العربية الحديثة بالمقارنة مع مكانة أعلام من الثقافة العربية القديمة في المتخيل الجماعي. أن يشغلني أمر الأسطورة معناه أني أرى أن افتقادها لدى أدبائنا وفنانينا الحديثين من بين الفروقات بينهم وبين القدماء. وهذا الافتقاد يفيد عدم دخول الحديثين إلى عالم المتخيل الجماعي، وهو علامة على الغربة في مجتمعهم. أّذكر الأسطورة بما هي الضوء الخلفي، الذي يدلنا على مكان المجهول الذي لا نعيش بدونه. كنا في ثقافتنا التقليدية، التي تعود إلى المرحلة الصوفية، نقدم كلمة «الكرامة» لنعت الطاقة الخفية التي يملكها بعض الأفراد. لكني أفضل كلمة الأسطورة، تجنباً لكل التباس، ولما انفتحت عليه من تأويلات حديثة، لم تعد محصورة في التعريف الأفلاطوني أو الأرسطي لها. بهذا المعنى يكون القراء هم الذين يتولون أمر خلق الأسطورة وتنميتها ونشرها، عبر أزمنة وأوضاع ثقافية واجتماعية تاريخية. كذلك هو الأمر مع الشابي، الذي لم يبلغ إلا النادرون من الأدباء والكتاب العرب الحديثين ما بلغه من وضوح أسطورته وحضورها في الحياة العامة. وحكاية صخرة الشابي من آثار الأسطورة.
(2)الأسطورة، إذن، هي التي جعلتني أرغب في الوصول إلى هذه الصخرة التي ترددت أصداؤها في أحاديث مع أصدقاء تونسيين، منذ السنوات الأولى التي زرت فيها تونس ابتداء من سبعينيات القرن الماضي. ولأن حديثي عنها أصبح من أسراري التونسية، فقد أغراني الصديق محمد لطفي اليوسفي ذات مرة بالسفر في الصيف إلى عين دراهم. لكن كانت لدي ارتباطات أرغمتني على الاعتذار.
خلال زياراتي المتتالية كانت الدعوات تيسّر لي زيارة بعض الأمكنة التي لها علاقة بالشابي. في البدء كانت مدينة تونس، المدينة القديمة وجامع الزيتونة، وقد مر وقت طويل قبل أن أصل إلى المكتبة الخلدونية. ثم جاءت القيروان، بروعة معمارها وأضوائها. وبعدها زغوان الغنية بالمياه منذ العهد الروماني. وصحبة محمود درويش زرت توزر وضريح الشابي. أمكنة ذات عمق حضاري وطبيعي، كما أن لكل واحد منها أثره الخاص في بناء الأسطورة. وأنا أحب الأمكنة، والتنقل بين أمكنة الكتاب والفنانين والمتصوفة والأنبياء من بين ما يحبب لي السفر. لست الأمكنة المختارة في الخلاء مجرد غبار ورياح، ولا المدن محصورة في جدران وبنايات جامدة، بل هي الحياة نفسها، لدى هؤلاء وأولئك. تصبح إنسانية وحضارية ومقدسة بقدر ما تمتزج بالإيقاع اليومي للناس، وبالعين الثالثة التي يهتدي بها الكاتب والفنان، أو المتصوف والنبي. من خلالها يرى العالم من حوله، ثم بإبداعه، أو كرامته ومعجزاته، يمنحها طاقة جديدة من الحركة، والكلام، والخيال، والحلم.
(3) كذلك كان أمر السفر، هذه المرة. على حين بغتة رنّ الهاتف. الشاعر معز العكايشي يخاطبني بكلمات يعبر بها عن دعوتي لمهرجان الشعر المغاربي، الذي يقترح علي أن يستقبلني كضيف شرف. مهرجان الشعر ببوقاسم، في 20 و21 نوفمبر (2014)، قال لي. استغربت من الدعوة التي تأتي في فترة يقبل فيها التونسيون على الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية. ثم إنني لا أعرف شيئاً لا عن مدينة بوقاسم ولا عن الجمعية المغاربية للفكر والإبداع التي تقيم المهرجان. كنت أنصت وأنا شبه صامت. لكنه، بحدسه فيما أعتقد، ترك الحديث عن المهرجان وأخبرني أن الإقامة ستكون بعين دراهم. عندها سألته: هل هي مدينة عين دراهم التي بها صخرة الشابي؟ فأجاب بالتأكيد. عندها وافقت على الدعوة من دون تردد. وافقت وأنا أكاد أنسى التزامات لي سابقة، وأنسى حتى عدم قدرتي على تحمل سفر وسط أسفار.
السفر إلى عين دراهم. أنا الآخر أرغب في الوصول إلى عين دراهم. هناك كان الشابي أتى لإقامات وجيزة في صيف 1932، خلال فترة اشتداد مرضه. أتخيل عين دراهم. الجبل والصخرة. وأتذكر جبالاً أقام بها كتاب وفنانون من الرومانسيين الأوروبيين. الجبال موطن الغابات، المكان المفضل للرومانسيين. على أنه لا يسعفني البث في الفصل بين ما هو رومانسي وبين ما هو طبي في اختيار الشابي لهذا المكان. هو قضى صيفاً في عين دراهم، استجابة لنصيحة طبيب القلب. وما المانع بأن يكون الاختيار الرومانسي متوافقاً مع الاختيار الطبي؟ سأسافر إلى هناك وأرى. منذ مغادرتي فاس، في بداية السبعينيات من القرن الماضي، أصبحت أسكن على الشاطئ الأطلسي، في المحمدية. المحيط بأمواجه المتمردة في كل فصل شتاء. والجبل ينادي عليّ من بعيد. عين دراهم، هذه المرة.
استقبلني في مطار قرطاج كل من رئيس الجمعية محمد صالح الرصّاع والشاعر معز العكايشي. تعرفت عليهما معاً، وقدم لي العكايشي الشاعر حميد الشمسدي، الواصل على الطائرة نفسها من الدار البيضاء. تقدم السي محمد الرصّاع نحو المقود. وابتدأنا السفر من مطار قرطاج إلى عين دراهم. انطلق الحديث عبر الطريق عن الثورة والانتخابات الرئاسية والجغرافيا والتاريخ والأدب. حديث في أحاديث. أصمت وأنصت. أحياناً أسأل عن منظر طبيعي، عن مدينة، عن شخص أو واقعة. أغفو وأنتبه بعد ذلك إلى الحديث المتواصل. تبادل الحديث ينسيني الأحداث الآنية للخراب العربي، في بلدان مجاورة أو موزعة في مناطق الشرق الأوسط. يعطيني السفر وجهاً مستوراً للأشياء والإنسان والعالم. لذلك أحب السفر، من حين لآخر.
في هذه المرة أحس بنشوة تخترق الحواس. سأذهب إلى مكان جبلي. ويضيف معز العكايشي: «المدينة متميزة ببناياتها وغابتها وبجبال خمير المعروفة بصمودها في وجه الاستعمار. عين دراهم من أجمل منتزهات تونس، صيفاً وشتاء». بعد مرور وقت قليل، حديث عن الجغرافية، عن طبرق وجندوبة، عن الشمال الغربي لتونس. «نحن نقترب من الحدود الجزائرية»، يقول معز. «انظر، إنها الإشارة الطرقية إلى الحدود، وعين دراهم تقع على الحدود الغربية مع الجزائر». أتعجب لأنني لم أكن أنتبه من قبل إلى الموقع الجغرافي لعين دراهم. ربما اسم المكان هو ما كان يثيرني. عين دراهم. يثيرني ولكن لا أشعر بأنه غريب عني. اسم له رنين مغاربي، يمكن العثور على اسم يوازيه في المغرب والجزائر، حيث توجد قرى وأماكن وأسواق مقترنة بأسماء عيون الماء، كما نفضل أن نسميها في المغرب العربي بدلاً من كلمة الينابيع المستعملة في المشرق.
(4)بعد غروب الشمس وصلنا إلى عين دراهم. مدينة كان الاستعمار الفرنسي خصها بعمارة تشبه عمارة المناطق الجبلية الفرنسية، من حيث بناء البيوت بسطوح مغطاة بالآجر الأحمر ومنقسمة إلى قسمين مائلين باتجاه الأرض. السبب هو أنها جبلة تتساقط فيها الثلوج. ويطلق عليها البعض سويسرا الصغرى. صعدنا إلى الجبل، وعلى امتداد الطريق أغلب البيوت على الطريقة الأوروبية في المناطق الجبلية، وسط أشجار البلوط والصنوبر والزان. منعرجات وأشجار وضوء خافت. في اللحظة الأخيرة فاجأتنا إشارة تدل على فندق «دار إسماعيل نور العين». اسم مركب من اسمين على الأقل. شدتني عبارة «نور العين» فكدت أغنّي موّالاً بداخلي. لم أفكر كثيراً في تركيب الاسم. ها هو الفندق، من طابقين. عند المدخل ساحة فسيحة تحيط بها الأشجار. المدخل يطل على المدينة. أضواء البيوت تذهب وتجيء في شكل خطوط كأنها الشهب. وضوء القمر يغطي الجبال والأشجار والبيوت. إقامة تبشرني بلحظات من الاستمتاع بجمال الطبيعة في مكان يتضاعف صمته في الليل. وأتذكر. في الصباح سنصعد إلى صخرة الشابي، هذا ما يعنيني في القسم السياحي من برنامج الزيارة.
هواء منعش. سماء صافية. والنجوم تظهر واضحة. لولا الحديث المتقطع عن الوضع الأمني على مقربة من الحدود، وعن النتائج التي يرتقبها كل طرف من الانتخابات، لما بقي من العالم أمامي سوى ما أشاهده في هذه اللحظة وأحس به.
في ساعة مبكرة من الصباح الموالي كنت جاهزاً. لكنني انتظرت طويلاً مع مشاركين ومسؤولين في المهرجان عبروا بدورهم عن الرغبة في الصعود إلى الصخرة. جاء الإعلامي والناشر سمير بن علي، ودعاني بلطفه لركوب السيارة. كنا متحمسين ومتوثبين. وأمام العين، التي يتدفق ماؤها هبَة من الأرض لأهل الأرض، توقف سمير، ولم يعرف أي طريق يختار للصعود. نزل ليسأل شخصاً يغسل سيارته، فإذا بنداء من بعيد يطلب منا العودة إلى الفندق والالتحاق بالجماعة للتوجه إلى بوسالم.
(5)
تفهمت طلب المنظمين بالإسراع في الالتحاق بهم. نحن هنا من أجل المهرجان، وبوسالم بعيدة بحوالي سبعين كيلومتراً عن عين دراهم. إننا هنا نقيم. ولنا يوم الغد. سنعود غداً، قال بعضنا لبعضنا. ركبنا السيارة بكل طواعية واستجبنا للنداء. نظرت إلى الجبل الصخري وإلى الارتفاع. تخيلتني أتسلق الجبل، فإذا بي تذكرت أني لم أحمل معي حذاء رياضياً يساعد على تسلق الجبال الصخرية. تركت كل ما كنت أتخيله ورائي وأخذت أركز النظر على الأشجار والطريق والظلال ولمعان الشمس المتسلل بين الأغصان. عاد التخيل من جديد وأنا صامت، أنظر. هل هذه الطريق هي نفسها التي قطعها الشابي حتى يصل إلى هنا قبل ثمانين سنة؟ كان الفصل صيفاُ عندما جاء في 1932، لكنه إنْ لم يكن مثلنا ركب سيارة، فهل كان يتبع نصيحة أطباء القلب ويمشي كل هذه المسافة بين المدينة والجبل سيراً على الإقدام؟ وهل كان يفضل الصعود إلى الصخرة في الصباح ليقضي عندها النهار كله أم كان يأتي إليها في العصر ويبقى حتى الغروب، العزيز على نفوس الرومانسيين؟
في اليوم التالي صباحاً نزلت إلى بهو الفندق. وجدت الشاعر والروائي لطفي الشابي، فوافقني على التوجه مباشرة إلى مكان الصخرة. إنه يعرفه جيداً وسبق له أن أتى إليه. كلما كانت جماعة تريد أن تقوم من تلقاء نفسها بزيارة سياحة تفشل. لذا يجب الانصراف مع الجاهزين للانطلاق من الفندق. من دون انتظار. التحق بنا كل من الشاعرة مليكة عبد النبي، المغربية المقيمة في تونس، والشاعر حميد الشمسدي، الموريتاني المقيم في المغرب، وانطلقنا نحن الأربعة. الفندق على بعد خطوات من المكان. والطريق معبّدة. لم نسأل أحداً، لأن لطفي متعود على زيارة الصخرة. كنا نمشي ونتبادل الحديث عن الشابي والوضع السياسي في تونس. عند وصولنا إلى العين انعطفنا إلى اليسار وأخذنا في الصعود. لم نشعر بأننا نقطع طريقاً، لأن الظلال كانت تغدق علينا السكينة، والضوء الذي يخترق أوراق الشجر يغير أحجام وكثافة الأخضر. كنا نصعد، فيما كانت الأرض تبدو لي منبسطة.
«انظروا، هذه هي الصخرة»، صاح فينا لطفي. توقفت. هذه هي الصخرة التي رغبت في الوصول إليها منذ سنوات. في البداية صخور عمودية كأنها أنصاب. بخفة اخترقنا الصخور، أحياناً يشد بعضنا بيد بعض. ولنا أن نصعد ونصعد نحو هذا العلوّ الذي جسّد حُلم الشابي. قلت في نفسي: لنفرض أننا سنصعد هذا العلوّ الصخري، فهل يمكننا أن نصعد مثلما صعد الشابّي إلى العلوّ الإنساني والشعري؟ انتباهي للصخور صرف ذهني عن التفكير. كلما وضعت يدي على صخرة، توقفت. بتلقائية نظرت إلى الأعلى، إلى السماء. وبعد خطوات، وضعت يدي على صخرة مستوية السطح، تطل على سهل جزائري فسيح، يبعد فيه الأفق ويبعد. هي ذي صخرة الشابي. تركت سطح الصخرة كما هو، بحجارته الصغيرة وعشبه، وقعدت.
(6)
هواء جاف في قمة جبل عين دراهم، تتنفس نقاوته فيسري في كامل الجسد انتعاش يتخلل العروق. أحسست بجسدي خفيفاً، وبما يحيط بي مصدر شعور يحررني من ثقل العالم. نسيت أنني مع غيري، أخذني المكان بعلوه ومناظر خلفيته الطبيعية إلى أكثر من مكان كان يقيم به متصوفة مغاربة، منهم الشيخ عبد السلام بن مشيش، في جبل العلم، والشيخ أحمد بن عجيبة في مدشر اعجيبش، وهما معاً في شمال المغرب.
يقول لطفي»هنا كتب الشابي قصيدتيه «نشيد الجبار» (سأعيش رغم الداءِ والأعداءِ/ كالنّسْر فوق القمةِ الشمّاءِ) و»إرادة الحياة» (إذا الشعبُ يوماً أراد الحياة/ فلا بد أن يستجيبَ القدرْ).» هي الأسطورة تتكلم. قول سمعته من أكثر من شخص وقرأته، لكن لا شيء في أعمال الشابي يثبت ذلك. فهو كتب القصيدتين «إرادة الحياة» في 16 سبتمبر 1933، وبعدها بأربعة أشهر «نشيد الجبار»، في 16 ديسمبر 1933. فيما هو زار عين دراهم في صيف 1932، بين يوليوز و20 أكتوبر، مع تنقلات في الفترة ذاتها إلى القيروان وبني خلاد. بل إنه كتب «نشيد الجبار» في نهاية الخريف، ونحن نعلم أنه زار عين دراهم في صيف واحد. لم أعلق على قول لطفي، لأنه أثر من آثار الأسطورة، وأنا أحب مثل هذه الأساطير التي ترفع الشاعر والعمل الشعري إلى عالم متخيل، محمّل بالخارق، متحرر من ضرورات الواقع الواقعي.
قعد كل واحد منا في ناحية من الصخرة، وشاعرنا الموريتاني يتناول جرعة من كأس الشاي التي لا يفارقها. أنظر في الاتجاهات كلها، أو أستسلم لدعوة أخذ صورة. أما أنا فأحب أن أحتفظ بصور المكان في داخلي، تلتقطها عيناي في أوضاع متبدلة، ثم تعود لي في مناسبات لا أعرف مسبقاً زمنها. استنشق الهواء وأحاول أن أتخيل الشابي وهو يجلس فوق هذه الصخرة مجهداً من السير على الأقدام. يتزاحم شهيقه وزفيره، يضع يده على صدره فيشعر بالهدوء ينفذ إلى الرئتين، ومنهما إلى القصبة الهوائية. يتكئ، يغمض عينيه ثم يفتحهما ويسرح البصر في الأفق من الجهتين، على الحدود بين تونس والجزائر. اعتدال درجة الحرارة وجفاف الهواء يشجعانه على مواصلة الجلوس. وفي لحظة من السكينة يشرع في الترنم، كأنه يغني نشيداً لنفسه.
شيئاً فشيئاً تبدأ حركتنا من جديد. نسلك طريقاً من جهة الصخرة وننزل إلى منبسط. نتوقف. كأننا كنا هنا منذ زمن بعيد. وكأن ما كان يعود. مع ذلك كل شيء، في المكان ذاته، يؤكد أن العالم تغير. ومفهوم الشعر العربي تغير. وأنا آتي إلى عين دراهم، هذه المرة، مزوداً بطاقة الأسطورة. أحدق وابتسم، كما لو كنت أسلم على أخي الأكبر،، أبو القاسم الشابي،، وكأن كل واحد منا ينظر إلى خطوات الآخر، يحس بسكينة الصباح والضوء، يحرك رأسه ويمضي.

اقرأ أيضا