الاتحاد

دنيا

موهوبة ولكن

سعاد جواد SUAD-JAWAD@ HOTMAIL.COM: لقد أعطاني الله منحاً كثيرة، لقد جعلني موهوبة ومميزة في كل شيء··· بلا فخر أستطيع أن أقول بأنني أشكل ثروة من الثروات البشرية الهامة في هذا الوطن، ولكن للأسف فإن كل ما أملكه من مواهب لم تستثمر استثماراً حقيقياً فانقلبت تلك الطاقة التي أملكها إلى معاناة مستمرة أعيشها بسبب الظروف المحيطة بي؛ وبصراحة أكثر فإنني أعاني لأنني أعيش تحت جناح زوج لا يقدر مواهبي وكان هو السبب الرئيسي في معاناتي المستمرة، والشيء الآخر هو أنني لم أجد القناة المناسبة التي تتبنى مواهبي المتعددة فأتمكن من تسخيرها لصالح الوطن·
ليس بالسهل أن يفهمني الآخرون إلا إذا استعرضت بعض جوانب حياتي التي أعيشها، فليسا محني القارىء لأنني لا أملك ترتيباً كافياً لأفكاري المشوشة، وسأعرضها بشكل غير متسلسل وباختصار، لأنني لو فصلت أسلوب حياتي بشكله الحقيقي لاحتجت إلى كتب ومؤلفات عديدة لا تستوعبها السطور القليلة في هذا المنبر·
كنت في السابعة عشرة من عمري، طالبة في الإعدادية، عرفته وأحببته، كنت متعاطفة معه بسبب إصابة في ساقه تمنعه من الاستقامة في المشي، لم يكن يعمل ولم تكن له امتيازات ولكني اخترته· أحسست بأن قلبه دافئ وفيه الكثير من الحب، بالطبع كنت مخطئة فقد اكتشفت مع الوقت بأن قلبه متحجر ومليء بالقسوة والأذى·
كنت مندفعة في مشاعري، قلت له سأقف إلى جانبك، سأكون لك عوناً وسنداً، سأجعل منك إنساناً قادراً معطاء، وعدته وعوداً كثيرة ولم أنتظر منه وعداً واحداً بأن يمنحني الحب والسعادة، لم أكترث، وبقيت مندفعة في مشاعري حتى تم الزواج وانتقلت للعيش معه في منزل أهله·
منذ البداية عرفت بأنني إنسانة غير مرغوب فيها في تلك الأسرة، إنها من الأسر المنغلقة على نفسها لا ترحب بالغرباء وتفضل زواج الأبناء من داخل الأسرة نفسها، عرفت ذلك ولم أكترث وقررت أن لا أفشل وأن أستقتل لأكسب حب الجميع·
أول بلوى ابتليت بها هي أنني اكتشفت بأن أم زوجي تتعامل بالسحر وتستخدمه للإيذاء ولتحقيق ما تريد· مرت سنة واحدة على زواجنا وكنت سعيدة وفرحة بزوجي وبحملي وبطفلتي الأولى، ولم أعي بأن الأمور كلها ستنقلب في حياتي بهذا الشكل·
انتابتني أعراض مبهمة، شيء يشبه الجنون، أركض في أرجاء المنزل بلا وعي، النار تشتعل في رأسي وفي جسدي، أعراض كثيرة لم أستطع تحديدها وقد عجز الأطباء في تفسيرها، نزيف مستمر في الرحم يمنع اقتراب زوجي مني· خمس سنين من العذاب والأذى، أهرب إلى منزل أهلي ثم أعود مرة أخرى لزوجي ثم أهرب من جديد والأسباب كثيرة، زوجي تغير، صار يكرهني كرهاً لا يوصف، صار يهينني ويضربني وبهجرني لفترات طويلة·
نصحني الناس بزيارة أحد المعالجين، ذهبت إليه فأخبرني بوجود أعمال كثيرة في منزلي، دلني على معظمها فاستخرجتهم فتحسنت حالي بعض الشيء، توقف النزيف وحدث الحمل ولكن الطفل يموت في بطني في الأشهر الأولى من الحمل، أصبح لديّ هوس شديد للأمومة وصرت أبكي وأمزق ثيابي من شدة التأثر· كنت أسمع أمه وأخواته وهن ينصحنه بالزواج من أخرى لأنني لا أنجب الأطفال ولأنني مجنونة· توسلت إليه بأن يعطيني فرصة ويخرجني من جحيم العيش في بيت أهله، أخيراً رضي بأن يستأجر لنا شقة فانتقلنا إليها بعد معاناة طويلة لا أول لها ولا آخر·
أول نجاح
على الرغم من كل ما تعرضت له، إلا أنني أصررت على استكمال دراسة الثانوية عن طريق المنازل فانهيتها، وكانت تلك الشهادة تشكل تحدياً كبيراً ضد كل الظروف الصعبة التي كنت أعيشها· على الرغم من محاربة الجميع لي وعدم موافقتهم على دراستي، بما فيهم زوجي، كنت أخبىء الكتب وأذاكر في السر، وأذهب إلى الامتحانات دون أن يعلم أحد وكأنني سارقة أو مرتكبة للخطأ·· أتخفى وأختلق الأعذار للخروج من أجل الامتحانات، عموماً فقد حققت ما أريد وحصلت على الشهادة الثانوية بأعجوبة·
على الرغم من كل ما فعلته أم زوجي بي إلا أنني أرثى لها بسبب الميتة الغريبة التي ماتت بها، فقد كانت في حلقة زار وقد ارتدت أجمل الثياب لتقابل أحد أمراء الجن والشياطين، كما طُلب منها والعياذ بالله، ولكنها بدلاً من أن تقابل شيطانهم جاءها ملك الموت وقبض روحها لمواجهة القوي الجبار الذي يمهل ولا يهمل، فلا أدري كيف قابلته وبماذا بررت استعانتها بغيره طوال حياتها، وبما فعلته لإيذاء من حولها· لقد كانت ميتتها الغريبة والمخيفة سبباً في شعور زوجها بالخوف والرعب من سوء العاقبة فصار يستغفر ربه ويكرر الزيارة إلى العمرة طلباً للمغفرة، فهو الذي كان يأخذ زوجته إلى بلاد العالم المختلفة سعياً وراء السحرة وخدام الشياطين· كان يسكت على كل ما تفعله أمام عينيه ولكنه لحق بزوجته بعد مدة بسيطة، بعد أن أجريت له عملية بسيطة في عظم الرجل، ولكنه مات على إثرها·· لقد رحلا وتركا وراءهما هذه الدنيا الفانية التي غرتهما بغرورها فأنستهما لقاء ربهما المحتوم·
بعد رحيلها انطفأت النار المشتعلة بجسدي ثم تفككت عقد شعري الذي انكمش لسنين طويلة بلا سبب محدد، عاد للانسدال من جديد، ولم يعد الجنين يموت في بطني فأنجبت ستة أطفال فصار لديّ سبعة 'يحفظهم الله·
بداية جديدة
أحسست بأنني موهوبة فصرت استثمر مواهبي في شتى المجالات، قمت بتصميم مجسمات مختلفة كوسائل تعليمية فأبدعت بذلك المجال، فصارت المدارس تستعين بي لعمل تلك المجسمات، وقد حصلت تلك النماذج على جوائز مختلفة على مستوى الدولة· لقد أصبحت كالجندي المجهول الذي لا يعلم بتضحياته أحد، أنا أعمل وأجد وأبدع وغيري يستلم الجوائز والمكافآت· وجدت بأنني موهوبة في رسم الحناء والمكياج، فصرت أزين العرائس بشكل مختلف ومميز بأقل الأسعار لأنني لا أملك صالوناً خاصاً وإنما أعمل في منزلي، وتحت أصعب الظروف بسبب رفض زوجي المستمر لكل ما أقوم به·
قمت أيضاً بتصميم مسكات للعرائس كانت مبهرة للجميع، وعملت خلطات للعطور كانت مثار إعجاب الجميع، صممت مفارش أبهرت الكل ثم قمت بتدريس المعاقين وتعليمهم الأشغال اليدوية، فاكتشفت مقدرتي على التعليم المتقن لجميع الفئات· أحسست بأنني أستطيع أن أهيىء عددا كبيرا من السيدات للعمل وإنتاج أشياء مميزة يمكن بيعها والاستفادة من ثمنها، معظم النساء بحاجة للعمل لدعم احتياجاتهن المادية، وأنا قادرة على تشغيل هذه الفئة بشكل مبدع وخلاق، ولكن·· كيف السبيل إلى ذلك؟ ومن يتبنى مشروعاً ضخماً يستوعب هذا النوع من الانتاجات المطلوبة في سوقنا المحلي؟
نسيت أن أذكر بأنني بارعة في إعداد طبخات مبتكرة وغير بعيدة عن الأكلات الشعبية المعروفة، حيث أمزج بين القديم والحديث فيكون الناتج شيئاً مبتكراً ولذيذاً ومميزاً·
أيضاً فإنني أقوم بتصميم ديكورات المنزل بشكل غير تقليدي وغير مألوف، وقد قمت بتزيين بعض المنازل والمدارس بشكل لقي الاستحسان الكبير·
هذا كله بالإضافة لقدرتي على تحويل المواد الخام البسيطة إلى إكسسوارات رائعة الجمال، كما أني أستطيع عمل نماذج من الجبس والسيراميك تحاكي الأشياء الحقيقية التراثية المستخدمة في المعارض والمتاحف، وما أصنعه كله ينبض فعلاً بالحياة وكأنه حقيقي·
ما يقف عائقاً بيني وبين الاستمرار في العطاء هو زوجي الذي لم يستطع أن يستوعبني ويستوعب مواهبي، إن معاناتي معه تدمرني باستمرار بشكل قاتل لا يمكن تجاوزه، فعلى الرغم من محاولاتي المستميتة لأن أكون زوجة مثالية إلا أنه لم يستطع أن يتفهمني، أحاول أن أزين له منزله بشكل يحسده الجميع عليه، جعلت من أولادنا نماذجاً متطورة في الشخصية وفي المظهر والسلوك والتفوق فلم يعر ذلك اهتماماً، أحاول أن أبدو أمامه وكأنني عروس متزينة بأحلى زينة كلما استطعت ولكنه لم يكترث لذلك، إنه يعمل في العاصمة طوال أيام الأسبوع ويعود إلينا في آخره بلا شوق وبلا أية مشاعر· إنه يرفض كل ما أقوم به، وهو غير راضٍ عن طموحاتي ونشاطاتي، أنه يحطمني بصمته، بإهماله، بكلماته القاسية المؤلمة، يفتتني على صخرة جموده وعدم إحساسه بي، أموت ألف ألف مرة، كل يوم·· كل ساعة·· ماذا فعلت ليعاملني زوجي بهذا الشكل؟ والله أنا لا أستحق ما يفعله بي، الكل يمتدحني، حتى هو نفسه يمتدحني أمام الآخرين، ويقول بأنني زوجة رائعة ونادراً ما يوجد مثلي، أما بيني وبينه فالعكس تماماً، إنه يدمرني تدميراً نفسياً مستمراً لا أول له ولا آخر· هل هو مريض نفسياً؟ هل يعي ما يفعله بي؟ هل يراني أقل مما يستحق؟ أم العكس هو الصحيح·
بين صخرتين
لم أطالبه بالكثير، وكل ما أردته هو أن يعاملني بحب واهتمام، أن يحسسني بالاحترام لذاتي، أن يبتسم لي ويقابل لهفتي بمثلها، يتحدث معي بكلمات تخلو من الاستفزاز والإيذاء، أن نخرج معاً كما يفعل باقي الأزواج، وأن يفهمني ويعينني في تحقيق ذاتي واستغلال مواهبي بالشكل الصحيح، وأن لا يجعلني أعاني من الفراغ العاطفي المدمر، وأن يعرف حقوقي ولا يقصر معي·
أعيش حياة صعبة بين صخرتين تسحقاني باستمرار، الأولى هي معاناتي مع زوجي، والثانية هي معاناتي وصراعي لتقديم مواهبي التي منحها الله لي وأن لا أبخس نفسي حقها·
المشكلة الأكثر صعوبة التي واجهتها مؤخراً هي أنني صدّقت امرأة أخبرتني بأنها تحتاج إلى عملية مستعجلة تكلفها سبعين ألف درهم، ودعتني إلى عمل جمعية بين النساء من المعارف لمساعدتها في إجراء تلك العملية· جمعت المبلغ ولكنها أخذته وهربت وتركت ثقل ذلك الدين كله على ظهري، لقد أهلكتني حسن نيتي، صرت أتقاضى المال عن كل عمل أقوم به بعد أن كنت أعمل مجاناً في معظم الأحيان، صرت أجهد نفسي بالعمل لتغطية ذلك الدين، أولادي يرونني أعمل في الطين والجبس في عز الحر وكأنني أحد العمال الآسيويين فيستغربون تصرفي ويتعاطفون معي ولكني مجبورة·· ماذا أفعل غير ذلك؟
أمنيتي أن أقود مشروعاً كبيراً وأن يكون تحت يدي عمال وعاملات ينفذون أفكاري الخلاقة، وأن يكون لي راتب جيد يساعدني على إنهاء مشاكلي المادية·
أمنيتي أن أشغل معظم السيدات في إمارتي وأساعدهن على تعلم أشياء مفيدة تحسن وضعهن المادي·
أمنيتي أن أدرس في الجامعة واحصل على شهادة··· أمنيتي أن يفهمني زوجي ويقدرني ويحبني·· أمنيتي أن استثمر كل ما هو موجود لعمل أشياء جديدة وحلوة·
أمنياتي ضاقت بصدري، فقررت أن أسطرها على صفحات الجريدة علها تجد سبيلها للتحقيق·

اقرأ أيضا