الاتحاد

دنيا

أحمد السويدي: عرفت البحر وأهواله


دبي-موزة خميس:
تضم قائمة منجزاته لقب وصيف العالم في مونديال العالم للفئة الثالثة لموسم ،2005 وأيضاً وصيف بطولة الإمارات الدولية لزوارق الفئة الثالثة لعام ،2005 وحقق بطولة أوروبا لزوارق البروفي مع المتسابق الإيطالي ماثيو نيكوليني وبطولة الإمارات لزوارق الفئة الثالثة· ويعد أحمد السويدي، بطل سباقات الزوارق، من أشد الناس عشقاً للبحر، كيف لا وقد تربى في بيئة بحرية وكبر على يد أهم النواخذة، واكتسب مهارات أشهر(كابتن) قبطان لمختلف أنواع الرياضات البحرية والزوارق·
عاش أحمد طفولته في منطقة الجميرة، قرب الميناء، وكانت أخته فاطمة بمثابة الأم منذ أن فقد والديه وتربى يتيماً في عمر لم يتجاوز الخامسة عشرة عاماً· كانت كل أفكاره تتجول خارج جدران الصف المدرسي، وتهرول لتترك آثارها على الشواطئ القريبة، ولذلك لم يكن يعير أدنى تفكير لما يحدث داخل قاعة الدرس، وعندما سأله أحد المعلمين ذات يوم، هل هو معهم أم هو نائم العقل؟، رد مجيباً: 'بل واعي العقل، ولكن أريد الخروج للبحر'·
ما إن يخرج من مدرسته في كل يوم، حتى يلقي بالكتب ويحمل الصنارة ويذهب ليعتلي السفن، ويصطاد السمك، كان عشق البحر يكبر بداخله مع إشراقة كل صباح· ومن أمام بيتهم المطل على البساط الازرق، عندما (تسقي المايه) ويصبح البحر مداً، يرمي بنظره إلى البعيد ليراقب الرجال الذين يخرجون في السباقات البحرية، فاعتاد قلبه على (المحامل والشواحيف) السفن الشعبية في سباقات الزوارق التراثية، وكثيراً ما كان ينتهز الفرص المواتيه ليتقرب إلى(الجلاليف) صانعي تلك السفن، فقط ليتلذذ بمشاهدة قطع الخشب، ودق المسامير في هيكل السفينة·
في عمر الثامنة عشر عاماً بدأ المشاركة في الزوارق الشراعية، ومن بين من كانوا يملكون زوارق للسباقات، إبراهيم راشد الطيار صاحب المحامل الشراعية· ولأن أحمد كان يحلم بكيفية التعامل مع البحر وفنونه والمشاركة في سباقات الزوارق الخشبية والشراعية، فقد جالس ورافق أشهر النواخذة مثل: سيف المنصوري وعبدالله بن جرش· وهو يرى أن عبدالله حارب أحد أهم رجال البحر وقد تعلم منه معنى الفرق بين الدقل والبيوار وأسماء الحبال· وهكذا·· فقد ضم أحمد خبرة دخول البحر لصيد السمك مع زوج أخته إلى المعارف الجديدة التي تلقاها من أولئك الرجال، فمياه البحر التي تجري مجرى الدم منه تدعوه دوماً للعيش طافياً فوقها·
قام سلطان بن حارب، ابن سعيد بن حارب بصنع (محمل) سفينة خاصة، وخرج أحمد معه عليها رحلات متعددة وقد شعرا بعد فترة أنهما تفوقا على الرعيل الأول· كانت مهمة أحمد على ذلك المحمل العمل في صدر السفينة(مجدمي)، وشارك في تلك الرحلات أبناء عبدالله بن حارب، رجل البحر الشهير·
بعد فترة من الزمن انتقل السويدي إلى سباقات القوارب التي تسير بالمكائن، وقام على إثرها بالذهاب إلى خليفة بن حارب وطلب منه أن يصنع له سفينة لتكون وسيلته للمنافسة، فسأله: وهل تقدر على ذلك ؟ فأكد استطاعته· تم صنع محمل وشارك معه مجموعة من الشباب، وقد وضع نصب عينه الفوز وليس المكاسب المادية، وأصبح يشارك في المحامل الخشبية لمدة خمس سنوات، وكان أداؤه يزداد إتقاناً يوماً بعد يوم·
زورق بوجسيم
لم ينس أن الكابتن علي بوجسيم، حكم كرة القدم الدولي، من رجال البحر الذين صبغتهم ملوحة البحر بذلك اللون الذي ينم عن عشق أبدي، فقام بالاتصال به وذهب لمقابلته، وحدثه عن رغبته في المشاركة في السباقات القادمة على أن يستخدم زورقه· كان الكابتن بوجسيم ممن خاضوا سباقات كثيرة ولديه زورق لا تقل قيمته في ذلك الوقت عن 300 ألف درهم، وقد قاد بنفسه زورقه وحصل على المركز الأول، فما كان منه إلا أن أهدى ذلك الزورق لأحمد السويدي بالإضافة لماكيناته، بعد إن استمع منه إلى سيرة مشاركاته في السباقات الشراعية والخشبية، فتمنى له التوفيق ورؤيته على منصة التتويج·
كان أحمد متشوقاً للجلوس في قمرة القيادة وأن يمسك بنفسه المقود، ولكن كان أشد ما يضايقه في البداية أحزمة الأمان التي لم يتعود بعد عليها، وفي السباق فاز بالمركز الثاني عشر واعتبر ذلك إنجازاً· بعدها·· ترك بعد ذلك كل شي في حياته إلا البحر والزورق·
يأسف أحمد لأن الكثير من الشباب يقضون وقتهم متسكعين بين المقاهي ويمارسون التدخين وتجرع الخمور والسهر، وملاحقة النساء ؛ والحياة أثمن بكثير من تلك التفاهات وأن الله سبحانه وتعالى لا يوفق مرتكبي المعاصي ولو بعد حين، فالتفوق والنجاح من شروطه النزاهة والمحافظة على الشرف·
في إحدى السنوات وخلال إحدى السباقات في أبوظبي، وقع حادث توفي على إثره الشيخ خالد الصباح، وكان أحمد يشارك بزورق القوات المسلحة، وإثر ذلك الحادث تم وقف جميع السباقات لمدة أربع سنوات من أجل وضع نظام أمني لكل الزوارق التي تشارك في السباقات فيما بعد· وقد أدخلت ضمن مكونات الزوارق مواد تستخدم في صنع الطائرات وستنالس ستيل، وزجاج لا يتطاير عند الكسر· خلال تلك المرحلة كان أحمد قد بدأ في المشاركة في سباقات (الفورمولا 4) في دبي، حيث كان من مؤسسي تلك السباقات إلى جانب: عارف الزفين وبطي الأملح وبدر بن حارب وجمعة بن حارب وحميد بخيت ومبارك النيادي· وبعد ثلاث سنوات انتقل إلى (الفورمولا 2) وشارك في سباق كأس رئيس الدولة الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان 'رحمة الله عليه'·
وجد السويدي أن سباقات (الفورمولا 2) ذات السرعة غير العادية خطيرة، فانتقل إلى (الفورمولا 2000)، ولكن شاءت الأقدار أن يتعرض لثلاث حوادث انقلاب، ولا ينسى أن أحدى تلك الحوادث طار فيها زورقه ووقف عمودياً في الجو ثم هبط به· ويعاني أحمد من آثار خياطة في عدة أماكن من جسده، ورغم ذلك جرب جميع الفئات حتى سمي بالمتسابق الشامل، والآن يعترف أنه لو قدمت له ملايين للمشاركة في فئة الفورمولا فإنه سيعتذر عن المشاركة فيها·
الطليان والسلام الوطني الإماراتي
كان أحمد من المعجبين ببطل السباقات الإيطالي ماثيو نيكوليني، وهو يشارك في الفئة الأولى ضمن فئة العالم، ويعتبر من أشرس المنافسين في سبيل البطولة، وكان دائم التفكير بحلم المشاركة مع كليني· ذات يوم رن الهاتف وقت الغداء، وكان المتصل ماثيو الذي أعرب عن إعجاب الطليان بالمشاركات التي قام بها أحمد، وعرض عليه أن يكون إلى جواره في السباق القادم وستكون البداية في أبوظبي، ولكنه لم يرد بالجواب القاطع وطلب منه عشر دقائق للتشاور مع سعيد حارب مدير الاتحاد الذي كان يأخذ قيلولة، وما أن سمع صوت أحمد حتى سأله سؤال الأخ الأكبر للأصغر قائلاً: 'هاه·· شوتبغي' ؟، فأخبره باتصال نيكوليني، فصمت برهة ثم قال متسائلاً: وهل تقدر؟ وعندما أكد له مقدرته، أخبره أن يتصل بسكرتير الاتحاد كي يكتب له رسالة موافقة· في تلك الليلة لم ينم من شدة التأثر والفرحة·
ومنذ أول تجربة للزورق، ما إن خرج نيكوليني من القمرة حتى ربت على كتف أحمد، وقال له: أنت رائع فعلاً، ولكن السويدي سأله: بأمانه ما رأيك في قيادتي؟ فرد عليه ممتاز جداً· وذات يوم حين التقى ماثيو مع الأستاذ سعيد حارب أخبره قائلاً: إن متسابقكم من أروع المتسابقين، وكانت حصيلة المشاركة الأولى الفوز بالبطولة، نال إثرها على شهرة عالمية·
في عام 2004 عندما شارك لأول مرة ضمن سباق دولي، كان العربي والخليجي الوحيد، وعندما شارك في بطولة إيطاليا التي تعتبر من أشهر السباقات في العالم ويشارك في ذلك السباق 60 زورقاً، وفي ذاك العام تم صنع الزورق في الأرجنتين وكان الشرط أن يكون كاملاً من الخشب، ويعتبر اليوم من أسرع الزوراق وهو برعاية علي خميس اليماحي· عندما وصل أحمد لمطار ميلانو تاه فاستنجد بماثيو نيكوليني، وكان طوال الوقت يشعر أنه في تحد ومنافسة وغير قادم للنزهة، وكان شديد الخوف من تلك النخبة من أبطال العالم المشاركين في البطولة، ويعتبر الطليان من أشرس المتسابقين·
أجريت تجارب حرة، وكان جمهور المتفرجين الذي حضر تلك التجارب بالآلاف، وتم فحص زورق اليماحي الذي قاده أحمد بواسطة الميكانيكي ماركو ديفيتي، وهو من أشهر مهندسي الصيانة ولا يخرج للعمل إلا بطلب مسبق وحجز· كان السباق في النهر، حيث لا أمواج كما هو الحال في البحر، وكان أحمد قد تعود على سباقات البحر، وقد تم تجريب الزورق لمدة ساعتين، وكانت السرعة تسجل بواسطة أجهزة حاسوب خاصة بالسرعة وقد كان زورقه هو الأسرع، وطوال الوقت كان يستعيد الخبرات التي رسخت في ذاكرته نتيجة احتكاكه مع سعيد حارب الذي يملك موهبة البراعة في شؤون البحر·
عاش أحمد طوال عمره يحب الحرية، ولديه شعور مفرط بالروح القيادية، ولذلك طلب من المتسابق الذي يشاركة قمرة القيادة أن يؤدي المهمة بطريقتة الخاصة، فهو يعتقد أن شطارة المتسابق تبدأ من شكل الانطلاق· قام علي خميس اليماحي بتأجير طائرة هليكوبتر للتصوير، وفي ذات الوقت تحمل المسعفين والطبيب في حال وقوع حادث، وقد بلغ عدد المتفرجين 130 ألفاً، ولاحظ أحمد أن ريكاردوا، والذي كان يفترض به أن يشاركه في القيادة متردداً وخائفاً، فتخلى عن إشراكه في الزورق، وقد علم أن ريكاردوا ذلك كان قد أشترى زورقاً خاصاً ليشارك به خصيصاً لمنافسته، وقد فاز أحمد الذي كان حلمه أن يعزف الطليان السلام الوطني الإماراتي وهو يقف على المنصة، وعندما أرادوا كسر زجاجة خمر على زورقه احتفاءً به، رفض وأخبرهم أن الخمر حرام عند المسلمين·
ريكاردوا يعلن إسلامه
يتذكر السويدى تلك اللحظات التي وصل فيها بصعوبة بالغة إلى المنصة من تزاحم المعجبين والإعلاميين، حيث احتاج الأمر إلى ساعة كاملة، وقد بقي الطليان يكتبون لمدة ثلاثة أشهر عن البطل الإماراتي الذي انتزع الكأس· ما أثار السويدي في تلك الأيام، أن ريكاردوا قام بالاتصال باللجنة وأخبرهم أن هناك شيئاً غيرعادي في زورق اليماحي، فلا يوجد اي زورق سرعته كذلك إلا أن يكون مزوداً بأجهزة غير قانونية، وقال أحمد إنه يتحدى أي متسابق يقول إنه وصل إلى محاذاته وتجاوزه طوال فترة السباق، فجاءت لجنة فحص وبعد معاينة طويلة ثبت أن كل ما في الزورق مطابق للمواصفات، ولم يحدث فيه أي تغيير منذ الفحص الأول، وهنا جاء ريكاردوا إلى أحمد واعتذر منه وبارك له، وأصبح فيما بعد صديقاً مقرباً وأخبره أنه دخل السباق ليتحداه، وفيما بعد نطق ريكاردوا الشهادتين ودخل الإسلام على يده·
لم ينس السويدى أن علي اليماحي كان أحد أهم الأشخاص الذي قدموا له الدعم المالي والمعنوي، وهو مخلص كرفيق درب وكجهة داعمة، ولذلك يكن له كل الاحترام ويتمنى أن يبقى التواصل بينهما، وهو يعتبر أن أهم أسباب النجاح البعد عن الخطأ في حق المعبود وفي حق الناس بعد ذلك، وأن يكون الإنسان متسامحاً، متواضعاً وبعيداً عن الغرور

اقرأ أيضا