الاتحاد

الملحق الثقافي

هل كان هيجل طائفياً؟

هيغل

هيغل

هل كان هيغل طائفياً؟
سؤال لا يخطر على بال أحد أن يطرحه، لا من العارفين بهيغل وطروحاته من المشتغلين بالفلسفة، ولا حتى من المثقفين، لكن هاشم صالح لديه أسباب وجيهة لكي يعلن هذا السؤال في وجوهنا. فالسؤال وسيلته إلى طرح مسألة الطائفية البغيضة التي استشرت في مجتمعاتنا، وكيفية الخلاص منها أو الخروج من مأزقها، من خلال قراءة الحالة الأوروبية وتطورها على هذا الصعيد.. والاستفادة من تجارب الشعوب الأخرى التي سبقتنا على هذا الطريق.. لكن ما علاقة هيغل بهذا كله.. الإجابة عند هاشم صالح.

في أوروبا لا يوجد كاثوليكي واحد يحقد على البروتستانتي لأنه بروتستانتي، أو العكس. انهما مواطنان متساويان في المواطنة ويتعايشان بكل سلام ووئام في نفس الشارع أو نفس الحي أو نفس البناية. وأصلا ما عاد يخطر على بال أحدهما أن يتساءل عن مذهب الآخر. المهم أنه ألماني مثله وانتهت القصة. هذه مشكلة أصبحت محلولة في ذمة التاريخ. ولكن يكفي أن ترجع قرنا أو قرنين الى الوراء لكي تدرك أنهم كانوا طائفيين ومذهبيين مثلنا الآن.
ينبغي العلم بأن ألمانيا مقسومة الى قسمين كبيرين: كاثوليكي وبروتستانتي. وهما متساويان تقريبا من حيث الحجم والعدد. ولكن ألمانيا هي بلد مارتن لوثر مدشن الإصلاح الديني في كل أوروبا وليس فقط في ألمانيا. انه مؤسس البروتستانتية والعدو اللدود للبابوية. وبالتالي فللبروتستانتية فيها مكانة عظيمة لا تنكر. على سبيل المثال: كبار فلاسفة ألمانيا ينتمون الى هذا المذهب (لايبنتز وكانط وفيخته وشيلنغ وهيجل ونيتشه الخ.. كلهم كانوا بروتستانتيين. وحده هيدغر من أصل كاثوليكي قبل أن يتخلى عن مذهبه ويصبح ملحدا. لقد عانت ألمانيا من المشكلة الطائفية أهوالاً فظيعة ومرعبة. يكفي أن نذكر هنا حرب الثلاثين عاما التي اجتاحتها في القرن السابع عشر ودمرتها وقتلت ثلث سكانها وربما نصفهم (1618-1648). وعلى الرغم من أن التنوير كان قد حصل في زمن هيجل الا أن العصبيات المذهبية كانت لا تزال مشتعلة تحت الرماد وجاهزة للاستنفار في أي لحظة. والدليل على ذلك هيجل نفسه. فعلى الرغم من أنه أكبر فيلسوف في عصره إلا أنه ما كان يطيق سماع اسم المذهب الكاثوليكي البابوي.
ويروي أستاذ الجامعة الفرنسية (فيكتور كوزان) أنه كان يجول معه مرة في شوارع كولونيا حتى وصلا فجأة الى الكاتدرائية الشهيرة. وهي من أجمل الكنائس في العالم. وأتذكر أنها سحرتني تماما عندما رأيتها لأول مرة أثناء زيارتي لألمانيا. فماذا قال هيجل وهو يمعن النظر في هذا البنيان الباذخ الشامخ؟
يقول فيكتور كوزان إنه سمعه يشتم الكاثوليكيين بل ويكاد يبصق على الأرض في كاتدرائيتهم ذاتها! وقد تعجب منه هذا الموقف المتشنج، وما كان يتوقع أن يصدر عن فيلسوف كبير مثله.
كان هيجل يفقد أعصابه أحيانا عندما تثار أمامه المشكلة الطائفية ويحمل على الكاثوليكيين البابويين حملة شديدة ويعتبرهم سبب تخلف ألمانيا. وهناك رواية أخرى تقول إنه عندما كان أستاذا للفلسفة في جامعة برلين، وبالتالي يسيطر على الفكر الألماني كله، حاول أحد الطلاب الكاثوليكيين أن يستفزه عن طريق الغمز من قناة المذهب البروتستانتي، أي مذهبه هو بالذات. فما كان منه إلا أن قصفه بنظرة صاعقة وبعبارة مقتضبة أفحمته فورا. وهذا يعني أن ألمانيا عام 1820 ليست ألمانيا عام 2000.
العربي الجديد
صح النوم! نعم التاريخ يتقدم الى الأمام. نعم هناك تطور في التاريخ. ولولا أملنا في ذلك لألقينا سلاحنا منذ زمن طويل واستقلنا. قد لا نرى نحن نهاية النفق المظلم بل هذا شيء مؤكد. ولكن ستراه الأجيال القادمة إن شاء الله. وهذا هو المهم. «العربي المستنير» قد لا يكون اليوم أو غدا ولكن حتما بعد غد. هذه هي حقيقتي، هذه هي قناعتي، هذه هي فلسفتي. العربي الجديد لن يكون بفكر قديم عفا عليه الزمن. المهم هو أن الحساسية المذهبية أو الطائفية كانت لا تزال قوية في عهد هيجل بل وحتى فيما بعده بسنوات طويلة ظلت حية منتعشة. فبسمارك، موحد ألمانيا، كان أيضا يصطدم أيضا بالكاثوليكيين البابويين مثل هيجل. لماذا كان هيجل يكره المذهب الكاثوليكي البابوي الروماني؟ ليس فقط لأنه بروتستانتي. هيجل ليس ابن شوارع! هناك سبب وجيه جدا لذلك. وهو أن المذهب الكاثوليكي كان يعتبر نفسه بمثابة الحقيقة المطلقة للمسيحية بل وللدين كله والبقية «فراطة»، زنادقة، لا يعتد بهم. وكان في أغلبيته يمثل قلعة الرجعية الفكرية والسياسية في ذلك الزمان. لقد كان مضادا للأفكار التحررية الجديدة ورأس حربة ضد العلمانية والليبرالية والحداثة. لنتذكر هنا ولو للحظة فتاوى بابوات روما المتتالية في القرن التاسع عشر. فقد كانت تكفر الليبرالية والفلسفة العقلانية والديمقراطية والحاكمية الشعبية وحقوق الإنسان وكل هذا «الوباء الحداثي» الذي ذهب بالإيمان الصحيح والحاكمية الإلهية المسيحية! فما معنى أن تكون السيادة للشعب؟ما هذا الهراء؟ السيادة فقط لله ثم بالأخص للبابا الذي يمثله على الأرض. ولكن فاتهم أن ارادة الشعب من ارادة الله. وهذه لا تنقض تلك. عندما تقرأ ادانة البابوات السابقين للحداثة وتكفيرهم لها تكاد تتخيل أن سيد قطب أو على بلحاج أو بقية الاخوان الحاليين هم الذين كتبوها ! لهذا السبب أدعو الى تأسيس علم جديد يدعى: (علم الأصوليات المقارنة). وأعتبره أعظم العلوم وأجلها بالنسبة للعرب والمسلمين جميعا. فلا يمكن أن يخرجوا من تقوقعاتهم وداعشياتهم وظلامياتهم المطبقة الا اذا اطلعوا عليه.أضيف اليه (علم التنوير المقارن) بطبيعة الحال.فهما مترابطان.
أحداث جساملكن لنعد الى صاحبنا هيجل. في كتابه الشهير «الخطاب الفلسفي للحداثة» يقول هابرماس، هيجل العصر، ما معناه: «كان هيجل أول فيلسوف يبلور بكل وضوح مفهوم الحداثة أو تصوره الخاص عنها. ولذلك ينبغي أن نعود اليه لكي نفهم تلك العلاقة التشابكية أو التداخلية التي تربط بين الحداثة والعقلانية. فلا حداثة من دون عقلانية وعلمانية وتحييد للتصورات اللاهوتية القديمة والفتاوى القطعية الإرهابية. هذا وقد استخدم هيجل مفهوم الحداثة للدلالة على فترة ضخمة بأسرها: هي فترة الأزمنة الجديدة، أو الأزمنة الحديثة، والمعنى واحد في نهاية المطاف. وكان يقصد بذلك أن شيئا ما قد حصل في أوروبا نحو عام 1500. وهذا العام يمثل الحز القاطع الذي يفصل بين العصور الوسطى والعصور الحديثة».
ما الشيء الذي حصل آنذاك؟ في الواقع حصلت ثلاثة أحداث جسام غيرت وجه العالم القديم. أولها اكتشاف العالم الجديد (أي أميركا) من قبل كريستوف كولومبوس، وثانيها انبثاق عصر النهضة، وثالثها انفجار حركة الإصلاح الديني على يد مارتن لوثر. ومعلوم أنه هز عرش البابوية الفاتيكانية هزا وشق المسيحية الأوروبية الى قسمين كاثوليكي بابوي، وبروتستانتي انجيلي. ولهذا السبب فان هيجل كان معجبا بلوثر أشد الإعجاب. صحيح أن هيجل كان لوثريا بروتستانتيا من حيث الولادة والمنشأ. ولكن ليس هذا هو السبب الوحيد ولا حتى الأساسي في كرهه للمذهب الآخر المضاد: أي المذهب الكاثوليكي البابوي. هيجل لم يكن طائفيا بالمعنى الضيق والبائس للكلمة والا لما كان هيجل. وحتما لو خرج الآن لتصالح فورا مع الكاثوليكية ولما كانت له أي مشكلة مع البابوية بعد أن تغيرت وتجددت وتراجعت عن غطرستها وفتاواها التكفيرية. ولكن في وقته كانت الأمور مختلفة تماما. وكانت له مبرراته الموضوعية للتعلق بزعيم الإصلاح الديني والسخط على خصومه. فالإصلاح الديني هو الذي حرر الإنسان المسيحي من طغيان رجال الدين ووصايتهم عليه بل واستغلالهم المادي له. كانوا يحلبونه حلبا كما يقال ويمصون دمه. انظر فضيحة صكوك الغفران السيئة الذكر. ومعلوم أنها كانت السبب المباشر لانفجار لوثر بإصلاحه الكبير وانتفاضته العارمة على البابوية والكنيسة الكاثوليكية. لقد حرر لوثر الإنسان الأوروبي من نير العبودية وجعله يتذوق طعم الحرية حتى في المجال الديني لأول مرة. ومعلوم أنه لا تحرير سياسيا بل ولا حتى اقتصاديا أو اجتماعيا من دون تحرير ديني. الإصلاح الديني أولا وهو يسبق كل الإصلاحات الأخرى. وهنا بالضبط تكمن مشكلة العالم العربي. لقد انتشرت شرارة الحرية التي أشعلها مارتن لوثر كالحريق الى شتى أنحاء أوروبا بسرعة البرق. وهذا دليل على أنها كانت تلبي حاجة تاريخية. ولهذا السبب نجد أن المجتمعات البروتستانتية أقرب الى روح الحداثة من المجتمعات الكاثوليكية البابوية. لكل هذه الأسباب مجتمعة كان هيجل كارها للكاثوليكية التي تقف كحجر عثرة ضد التقدم والتطور. ينبغي العلم بأن هيجل كأي فيلسوف كبير كان يمتلك حدسا داخليا استكشافيا بعيد المدى. كان يرى الى أبعد من أنفه على عكس معظم المثقفين العرب. ولذلك شعر بأن العالم الأوروبي مقبل على تطورات هائلة وأمر عظيم. وفي مقدمته الكبيرة لكتابه الشهير (فينومينولوجيا الروح) يقول هيجل ما فحواه: «ليس من الصعب أن يرى المرء في عصرنا فترة جديدة حقا. أقصد بذلك أنها فترة ولادة لشيء ما، فترة تحول وانتقال من عهد قديم الى عهد جديد.هذه هي أول سمة من سمات العصر الذي نعيش فيه. حقا لقد دخلنا في عصر الحداثة أو عصر الأزمنة الحديثة. وهذه الحداثة تتمثل في حدثين كبيرين: الأول فكري والثاني سياسي: قصدت التنوير والثورة الفرنسية». وبالطبع فان هيجل يمكن أن يضيف اليهما حدثا آخر لا يقل أهمية هو: الثورة الصناعية الانجليزية. فقد قلبت بنية العالم الزراعي الريفي القديم ودشنت العصر التكنولوجي الصناعي الذي غير وجه العالم. كل هذا شكل قطيعة الحداثة مع العالم القديم. وهي قطيعة تدشينية تشبه «اشراقة الشمس الرائعة» على حد التعبير الشاعري المحلق لهيجل.
فكر قروسطيأخيرا ينبغي العلم بأن العصر الطائفي القديم كان مرتبطا بكل ما هو مضاد للحداثة. بمعنى أنه لا ينفصل عن التصورات القديمة للعالم وعن العصر الأصولي المسيحي المتحجر الذي كان سائدا في أوروبا قبل ظهور التنوير وانتشاره.لهذا السبب نقول بأن مشكلة الطائفية في العالم العربي سوف تكون عسيرة جدا على الحل. انها أمامنا لا خلفنا. فحتى الآن لم نشهد حركة تنوير دينية أو فلسفية على غرار ما حصل في أوروبا.حتى الآن لا يزال التقليديون والأصوليون يسيطرون كليا على مجال التعليم الديني. لا يزالون يصولون ويجولون فيما يخص تفسير الدين وبرامج التعليم وفتاوى الفضائيات، الخ، الخ.. ومعلوم أن تفسيرهم قروسطي خرافي طائفي عفى عليه الزمن. ولكنه لا يزال رازحا عندنا وتتعلق به جماهير الشعب الأمية الفقيرة البسيطة.حتى الآن لا يزال الدين حكرا عليهم، هذا ناهيك عن المتطرفين أو متطرفي المتطرفين من أمثال الداعشيين الذين اتخذوه رهينة ونجحوا في ذلك.على الأقل حتى الآن.والأهم من كل ذلك أن النقد التاريخي للنصوص الدينية لم يبتدئ فعليا بعد في العالم العربي ولا الإسلامي كله.هذا في حين أن هذا النقد كان قد ابتدأ في عهد هيجل ثم تواصل من بعده بكل قوة طيلة القرنين التاسع عشر والعشرين.ومعلوم أنه لا يمكن أن نتحرر من عقلية العصور الوسطى ما دام النقد التاريخي التحريري للنصوص المقدسة ممنوعا في الفضاء العربي. وعموما فان العالم العربي والإسلامي كله يعيش الآن أخطر انفجار في تاريخه كله:أي منذ ألف وأربعمائة سنة على الأقل. وهو انفجار انشطاري وصلت شظاياه وصواعقه الى شتى أنحاء العالم.لذلك قلت منذ سنوات طويلة ولا أزال أقول بأن القرن الحادي والعشرين سيكون قرن الاسلام. بمعنى أن هذا القرن سيشهد تحرر الاسلام من ذاته: أي من تراكماته التراثية وانغلاقاته التكفيرية واحتقاناته.
هل كان هيجل طائفياً؟ السؤال استفزازي بطبيعة الحال، ومن المعيب أصلاً أن يطرح بهذا الشكل. ومع ذلك فقد غامرت به أو خاطرت لكي أوضح الإشكالية المركزية: أي مدى خطورة المشكلة الطائفية في كل المجتمعات والأديان. عندما تنظر إلى أوروبا الحالية المستنيرة المتطورة، أقصد أوروبا الغربية، لا تجد أي أثر للحساسيات المذهبية أو الطائفية فيها. بل ولا يوجد تقريبا أي أثر للتدين بالمعنى التقليدي للكلمة. وهذا أول ما يصدم العربي أو المسلم القادم من الشرق ما إن تحط به الطائرة في عواصم الغرب.

اقرأ أيضا