الاتحاد

الملحق الثقافي

«سيت».. مطارح للشعر

قناة سيت مركز المدينة وقلبها النابض بالماء والقوارب المتوقفة إلا ما ندر

قناة سيت مركز المدينة وقلبها النابض بالماء والقوارب المتوقفة إلا ما ندر

- «هل أتعبتك الطريق إلى هنا؟»، قالت النادلة، وقد بدا أنها قد بلغت الخمسين للتوّ، أو تشرف عليها.
= لا، إنما تعبت من المشي. لقد جئت من السكن الطلابي في أعلى الجبل مشياً هذه الصبيحة، وكانت «سيت» قد نهضت من نومها، ممتلئةً حيويةً ونشطة، وتشبهكِ كثيرا. - «إن لم تمشِ في »سيت« فأنت لم تأتِ إليها، فلا تقل لأحد أنك قد زرتها من قبل». ضحكت وأضافت: «إن لم تمش في »سيت« فأنت لم تعرفها وهي لم تتعرف إليك» ثم أضافت جملتين أو ثلاثاً بالفرنسية لم أفهم منها كلمة واحدة. غير أننا ضحكنا معا، وابتسم لنا آخرون. إنها «باولا»، تلك السيدة صاحبة المقهى ونادلته التي يعرفها الجميع وتحفظ، هي، وجوههم عن ظهر قلب.

كانت الزيارة التي استغرقت تسعة أيام تكاد تنتهي، وها أنا في الجنوب الفرنسي في مدينة «سيت»، وقد شاركت صحبة مئة وخمسين شاعرا ومثقفا وإداريا من أغلب قارات العالم، في مهرجانها الشعري السنوي «أصوات حية من المتوسط» لدورته الخامسة... ها أنا أشعر بأنه قد أزف أوان الرحيل، هذا الذي يربك المرء مثلما يفعل الوصول. كلاهما رحيل، إنْ كان المرء لا يحنّ إلى مكان، أو يلتذُّ بأنه غريب في المكان الغريب، حيث لا يَسأل ولا يُسأل بل يستشف الطريق المجهول إلى المكان وحده.
جارتي الغابة
تفرّقت بنا السُبُل ومطارح الإقامة، نحن الذين وصلنا على الرحلة نفسها من باريس إلى مونبلييه. كان نصيبي مدرسة داخلية، من مبنيين متقابلين. عندما مشيت فيها، تذكرت تلك المدرسة الداخلية في وادي السير (قرية باتت الآن جزءا من عمان إلى الغرب منها)، كنا نؤخذ إليها في الصيف لنقيم هناك شهرا بأكمله.
ما من خدمات فندقية، بل ذاتية إلى حدّ بعيد. هي مطرح للإقامة فحسب. نذهب منها إلى مركز المدينة صباحا ونعود إليها أوائل الليلة المقبلة أو لا نعود.
كانت نافذة الغرفة التي كُتب عليها اسمي تطلّ على جبل تغطيه بأكمله غابة من الصنوبر والسرو. في تلك الظهيرة أمكن لي أن أستعيد رائحة الصنوبر ذاتها في المدرسة الداخلية تلك التي خبرتها في الطفولة. كنّا نجمع ما تساقط من أوراق الصنوبر، تلك الأوراق الإبرية، ونحرقها ومن راحة الدخان العطرية أدركت رائحة الصنوبر.
وأيضا، عند النظر من النافذة ذاتها إلى الغابة، كان هناك العديد من البيوت والفيلات التي يخال المرء أنه قد جرى تصميمها وفقاً لمزاج العمارة الفرنسية مطلع الستينات من القرن الماضي، ذات النزعة التجريبية. كان الأقرب إليّ بيتا من طابقين بشرفة هي «البالكون و«التراس» معا، إلى حدّ أن البيت بدا من طابقين منفصلين، لولا تلك الدرجات التي تصل الأعلى بالأسفل في البيت الذي واجهته الأمامية من زجاج كلها تقريبا.
حقا، إنها بيوت، لكل منها عزلته الخاصة وألفته في الوقت ذاته، ومزاجه الخاص، وربما حكايته أيضا. بيوت تصلح للتذكر. بيوت ويُؤوى إليها. بيوت، كما لو أنني رأيتها ذات منام.
في الصباحات القليلة التي قضيتها هناك، كنت أسمع أصواتا متعددة لطيور لم أدرك لها شكلا، ولا أستطيع تخيلها. أحيانا تكون الأصوات هادئة وعميقة، وأحيانا أخرى حادّة ومنفعلة. لم أسمع من قبل ما هو أقرب إليها من الأصوات فأشبهها به، لكنها أصوات تصل إلى المرء في منامه من فرط ما تلحّ.
صباحا، كنا نلتقي في مطبخ في البناية المقابلة. لم تكن تلك اللقاءات لتناول شيء ما من قبيل الإفطار فحسب، بل مساحة للقاءات في الشعر والسياسة والأوضاع في المنطقة العربية والموقف الرسمي للدولة الفرنسية تجاه الحرب الأخيرة على غزة. كل مَنْ التقيتهم من الفرنسيين في «سيت» من أبنائها وغير أبنائها كان يشعر بالخجل من موقف دولته المتراخي بوصف هذه الدولة لاعبا أساسيا تاريخيا في المنطقة، وليس هذا فقط، بل يلمح المرء أن ما يحدث للفلسطينيين هو ضد اعتداد الفرنسيين بذاتهم، على اعتبار أن فرنسا قوة كبرى قادرة على الحسم النهائي. هكذا يفكر البعض حقيقة.
مدينة للشعراتخذت ادارة المهرجان مقرها في قلب مركز «سيت» وأغلقت كل الشوارع إليه بما يوازي إغلاق مربع سكني واحد في أبوظبي، وتُركت للمشاة. وفيها كانت تعقد القراءات الشعرية على امتداد النهار. رغم أنها كانت شوارع ضيّقة من اتجاه واحد. لكن في هذا المربع ذاته كان يتوزع الشعراء والسائحون على المقاهي والمطاعم وتخاض هناك نقاشات حول الشعر تتحول إلى لقاءات بالفعل. كان الشعراء الفرنسيون هم الأكثر انخراطا بها. أما نحن، الشعراء العرب، فكنا أقرب إلى مزاج التجوال الليلي منه والنهاري. أحسب أننا كنّا سعداء جدا بهذه المدينة وكانت هي، أيضا، سعيدة بنا. أو كنا نشعر أن من حقنا الإحساس بذلك.
في الأسفل، أي في مركز المدينة وقلبها النابض بالماء والقوارب المتوقفة إلا ما ندر، وكذلك بالناس والشخصيات الغريبة الطالعة من خيال المدينة ذاته ربما، كانت القنوات واسعة وعريضة وتمتد فوقها، على هيئة شِبْه القوس، جسور كثيرة تمر بها السيارات مثلما الناس.
هنا غالبا ما يكون المكان مزدحما بالبشر حتى الصباح التالي تقريبا، ففي هذه العطلة الصيفية لا يأوي الناس إلى بيوتهم بل يتأخرون كثيرا عن عاداتهم التي أرجأوها حتى هذا الخريف. هنا تجد أنواعا كثيرة من الأفراد والأشخاص، هنا تجد الصحبة أو «الشلة» لكن لا تجد جمهورا. والأرجح أن السيتيون من الذين لا يستفيدون من الصيف ومزاج السهر فيه ينزعجون جدا. لقد «رفش» ذلك الرجل الستيني بعكازه كرسيا كان يحاذي طاولة أضيفت إلى الرصيف لاستيعاب المزيد من الزبائن. كان الممر ضيقا بين الطولات، والرجل نزقا وغاضبا، ثم قال كلاما مبهما بالنسبة لنا، دون أن يأبه بالفرنسيين أو يلتفت إليهم أولئك الجالسين على الطاولة المضافة وقد أزعجهم. تكرر الأمر ذاته، تقريبا إنما بوضوح أكثر بعد ذلك. أثناء إحدى القراءات الشعرية، مرّ رجل يحمل عكازا وقام بالأمر ذاته إنما على كرسي كان يتكئ عليه مصور فوتوغرافي وقام بالفعل نفسه تماما. مع ذلك لم تأبه لإزعاجه الممثلة الفرنسية هي التي كانت، في اللحظة ذاتها، تقرأ ترجمة قصائد لشاعر بوسني، بل تقصدت أن ترفع من صوتها أعلى أثناء ما كان الرجل يقول كلاما غاضبا ما.
هكذا، فإن مزاج السيتيين من الصعب الحكم عليه، إنما قد يفسر بعضا من هذا أن «سيت»، ليست كباقي مدن الجنوب الفرنسي، أي لم يكن بُناتُها الأوائل من الفرنسيين، إنما احتل الإيطاليون منطقة «سيت» أوائل القرن الثامن عشر وبنوا المدينة الأولى التي هي الآن قلب المدينة حيث ما تزال المباني على هيئتها الأولى ويتوارثها أصحابها القاطنون فيها حتى الآن. عندما جاء الإيطاليون جلبوا عائلات من بلادهم معهم ولما غادروا كانت في المدينة عائلات فيها الفرنسي مثلما الإيطالي، ثم جاءت العرب من الشاطئ الجنوبي للمتوسط خلال القرن العشرين وما زالوا يجيئون وفي صحبتهم الأفارقة والآسيويون. إنما ظلت مدينة مغلقة على ذاتها المنقسمة بين الفرنسي والإيطالي، فهذه الذات هي تحكم المدينة انتخابيا واقتصاديا.
يبدو أن «سيت» من المدن المتوسطية ذات المزاج الصعب. مثلما يبدو أنه مزاج قد اشتُقَّ من هذه الجبال المغطاة كلها بالغابات. مع ذلك من المثير للاهتمام علاقة الفرد السيتي بمدينته: شارعا، ورصيفا ومقهى، وحديقة عامة، وغابة، وجبلاً وأفراد آخرين يتقاسمون معه الهواء والمكان ذاتيهما. إذ رغم ضيق شوارعها و«خلقها» إلا أنها تتسع لجميع ساكنيها والقادمين إليها.
من الصعب على زائر «سيت» للمرة الأولى أن يدرك بمخيلته جغرافيا المدينة على ما هي عليه حقيقة. كان الجبل الذي نقيم فيه، بحكم الرحلة اليومية من المدرسة الداخلية إلى موقع المهرجان، لا يطل إلا على مركز المدينة في الأسفل. حتى للوهلة الأولى يكاد يحسب أن هذه هي المدينة فحسب وما حولها يتبع لها إداريا وهي بدورها تتبع مدينة مونبيلييه، التي هي وليون أبرز مدينيتين في الجنوب الفرنسي.
لقد انقلبت الصورة تماما، بعد أن صعدنا إلى أعلى الجبل. كان الجبل شبه جزيرة. يقف كأنما متعاليا على المتوسط الذي يميل لونه في مثل هذه الأوقات من السنة إلى الرمادي متعدد الدرجات. الغابة ذاتها أيضا، تلتف حول الجبل. المدينة في سفوح هذا الجبل والجبل الذي يقابله على اليابسة، وكذلك عبر امتداد النهر الذي يجري فيها. يتدفق النهر إلى المدينة، مباشرة، من جهة الشرق، ولم تروّض تدفقه هذا إلا القنوات التي جعلته هادئا ورائقا فيما هو يؤول إلى المتوسط. إنها مدينة نهرية تشاطئ بحرا وتفتح نافذة يُرى منها المتوسط بأكمله. هذه هي «سيت».
فاليري وميروأنجبت «سيت» لفرنسا مثقفين اثنين: بول فاليري، جان فيلار مؤسس مهرجان أفينيون الفرنسي، الذي كرمه لدورته لهذه السنة بإعادة عرض مسرحية كان قد أعدها للمهرجان نفسه العام 1951 وحملت العنوان: «أحلام أمير همبورغ».
إنهما الآن يتجاوران في المكان ذاته: مقبرة »سيت«. يفصل بينهما يفصل بينهما ممر واحد وقبور كثيرة، في هذه المقبرة التي لم يتجاور فيها الأغنياء مع الفقراء. إنما هي لجهة الأغنياء الموتى تكاد تكون متحفا تذكاريا بحق.
استوطن الموتى السيتيون في أعلى الجبل الذي فيه مركز مدينتهم، في حين رضي السيتيون الأحياء بالسفوح والضفاف. إنما إلى الأعلى من مكانهم (أي الموتى) أقيم متحف في بناء تاريخي ضخم يحمل اسم «بول فاليري»، الذي قال مرة: «لا تنتهي القصيدة بل تُتْرَك»، أحد أبرز مثقفي فرنسا في النصف الأول من القرن العشرين، وأحد أكثر الشعراء الفرنسيين اهتماما بتلك الآصرة التي تربط الفلسفة والشعر معا.
هو متحف بحق، من طابقين واسعين. ما إن تنظر إلى واجهته الأمامية وقد خرجت للتو من المقبرة حتى ترى تمثالا نصفيا له يقف على جهته الجهة اليمنى للبوابة الرئيسية، وما إن تنفتح هذه البوابة أمامك حتى تجد تجد نفسك أمام ساحة واسعة إلى اليمين تلتهم ثلثي المتحف تقريبا وفيها كل مقتنيات الخاصة بالمتحف من أعمال فنية أصلية تعود في أغلبها لفناني مختلف المدارس والاتجاهات الفنية التي ظهرت في باريس منذ مطالع القرن العشرين، وهي الفترة ذاتها كلها التي عايشها بول فاليري وأثّرت في كتاباته، أما في تلك الجهة القليلة إلى اليسار، فيجد المرء بعض التذكارات التي يمكن له أن يحملها معه من حيث أتى: أعمال بول فاليري صادرةً حديثا، مجلة أدبية تحمل اسمه ومتخصصة بأدبه وتصدر مرة في السنة عن المتحف. كتاب صور يخصه، (تي شيرتات) عليها اسم متحفه وكذلك أقلام من الحبر الجاف بالإضافة إلى بطاقات معايدة تحمل صورا للوحات من مقتنيات المتحف. وكتب، هي كتالوجات ضخمة، فيها صور الأعمال الفنية للمعارض التي أقيمت في المتحف. كان آخرها معرض للاسباني خوان ميرو، يمكن وصفه بأنه «تجربة استعادية» من نوع ما لسوريالية ميرو على امتداد رحلته الفنية. كنا محظوظين بهذه الزيارة وفي هذا التوقيت، لأن «ضيوف» بول فاليري من الفنانين الأوروبيين والفرنسيين البارزين لا ينقطعون عن زيارة متحفه طيلة العام، فهو يستضيف هنا واحدا من بينهم لكل موسم من مواسم السنة.
في الطابق الأعلى، آنَ انتهينا من صعود الدرجات، التي ملأناها صخبا بالحديث عن لوحات بيكاسو في الأسفل بالمقارنة مع أعمال لسلفادور دالي ليست موجودة هنا حتى ساد الصمت، فقد كان رائعا هذا التمثال النصفي البرونزي لبول فاليري، يحمل توقيع نحّات فرنسي لم أتمكن من قراءة اسمه جيدا، غير أنه يعود للعام 1934، أي قبل وفاة هذا الشاعر بعشرة أعوام، هو الذي ولد في »سيت« ذاتها في العام 1871.
وسوى ذلك فاجأنا ذلك الصوت القادم من بعيد في آخر الركن الخاص بعرض المقتنيات الخاصة ببول فاليري. وما بين التمثال وذلك الصوت الذي كأنه لشاعر يقرأ، ثمة الكثير من ما يمكن الحديث عنه: دفاتره الأولى، وخربشاته على أوراق منفصلة كان قد كتبها قبل طباعة أولى كتبه في العام 1889، و1891، وقصائد مكتملة التحرير وإعادة النظر على أوراق تحمل في أسفلها توقيع الشاعر، أيضا أصداف ومفاتيح وأقلام كان يستخدمها، وصحون خزفية في أسفلها وعلى جوانبها اقتطاعات من أقواله أو أشعاره.
وفضلا عن محاولات من بدت فاشلة في الرسم، قرابة خمس محاولات بالألوان الزيتية مقارنة بما في متحفه من أعمال فنية أقلّها، هناك تمثال نصفي برونزي آخر يعود للعام 1910، وقد حمل شاربين كثّين غير مشذبين. يجد المرء تجارب تمزج بين التشكيل والرسم، من بينها: مشهد امرأة عارية استلقت على بطنها ويتناثر حولها القول الشعري.
أيضا، صور فوتوغرافية شخصية وعائلية وأخرى التقطت في تجمعات، تجاور تمثالا آخر لبول فاليري من الصلصال أنجزه النحات الذي اسمه حرفيا: دون مارت رْواوارت، وفقت لوحة لبول فايري إلى جوار التمثال ذاته. باختصار، كثيرة هي أشياء بول فاليري في هذا المكان وكل منها يمتلك شرطه الخاص.
كنّا قد اقتربنا أكثر من صوت قديم لم يكفّ عن التردد، قادما من آخر الركن حيث نحن الآن. اكتشفنا أنه صوت بول فاليري بالفعل، وأن في آخر الركن ما هو أشبه بـ «محراب» صغير يأتي من الصوت حيث شاشة في وسطه تعرض القول الشعري لبول فاليري مكتوبا عبر تقنية البروجكتور. جلسنا لبعض الوقت ثم نظرنا إلى بعضنا البعض، ضحكنا قليلا وقمنا معا نحن الذين لا يوجد غيرنا ولا نفهم ما يُقال.
وربما لأن خطانا كانت متلعثمة من «غيرة» ما شعرنا بها تجاه هذا المنجز الذي لم يتحقق لأي مبدع عربي حتى الآن.
تذكارات طازجةلم يكن ذلك المحيط الذي يتوسطه موقع المهرجان بحكر على الشعراء أو المشاركين من أهل المدينة متطوعين في المهرجان، او السياح. كان لهذا المحيط شخصياته التي يتميز بها وتتميز به.
كانت الرسامة الشابة، أورلي مالبك، امرأة في النصف الأول من الثلاثينات. تمضي الوقت ترسم في مساحتها الخاصة في التقاطع بين شارعين على حافته مقهى «باولا». أحيانا تختلط بالرواد، كنت أراها تتحدث إليهم وتنظر مليا على ورقة أمامها. فيما بعد اكتشفنا أنها ترسم، غير أنها رسومات متناهية الصغر، كأن ترسما رجلا بأكمله على مساحة من «كرتون» خاص لا تتجاوز مساحته عشرين سنتيمترا في عشرين أخرى.
سألتها عن ذلك فقالت إنها ترسم لقاء «يورو» واحدا وهذا لا يشكّل عبئا على أحد، ثم إنني أرتزق من هذه المهنة التي بتُّ أحترفها الآن. قالت إنها ليست من المدينة، بل من إحدى القرى النائية في أطرافها وأنها تأتي إلى هنا في مواسم السياحة وحدها تاركة زوجها في البيت، إذ أن إقامة شخصين سوف تلتهم كل ما تجنيه لو كان الرجل بصحبتها.
قالت إنها تحبّ أن تطيل النظر في الوجوه، ما يعني أن الرسم ذريعتها لذلك أيضا. قالت أيضا إنها تحبّ الذين ترسمهم هنا، فهؤلاء الذين جاؤوا من مطارح مجهولة بالنسبة إليها سوف يمضون إلى الأماكن ذاتها ومعهم اللوحات التي هي تذكارات من هذا المكان أيضا. «أحبّ ذلك، وأحب أن ألتقي بشعراء وفنانين فرنسيين أسمع بهم ولم أرهم في حياتي من قبل».
غير أن أنطونيو ردريغي بوسِت هو الأكثر جاذبية، إلى جانب تلك الشخصيات التي يصنعها مع فريق عمله ويؤدونها في الباحة الصغيرة ذاتها على المنعطف. كان بوست في الوقت نفسه مشاركا ضمن فناني المهرجان الذين يرافقون الشعراء في قراءاتهم إنما كان يؤدي القراءة بلغة الإشارة. يقرأ الشاعرُ ما تقرأ الممثلة، فيقرأ هو، أو بالأحرى، يؤدي مونولوجا أدائيا مسرحيا بلغة البانتومايم (التمثيل الصامت) بالنسبة للشاعر، ويقرأ للصم والبكم الذين لا يتجاوز عددهم خمسة عشر فردا سواء من أهل «سيت» أم من جوارها. كان بالفعل يبذل جهدا ليس بوصفه معلما في لغة الإشارة بل بوصفه ممثلا أيضا.
لا بد أن تجده هناك بدءا من كل صبيحة يصنعون شخصيات مسرحية بخيالات غريبة، مثل تلك التي فيها ترضع امرأةٌ كلبها الضغير. كانت هذه الشخصيات تتوزع على المقاعد التي تناثرت على أرصفة الشوارع في محيط المهرجان وأحيانا على أبواب البيوت التي تخلو من ساكنيها السيتيين الذين مضوا في إجازاتهم خارج المدينة. نماذج هذه الشخصيات كانت ناجحة إلى حد بعيد أحيانا.
سألت بوست (وهو شاب في أوائل الثلاثينات، بجسد فتيّ وعينين خضراوين وذهن صاف): هل أنت شاعر أم ممثل؟ فقال: »لست سوى ما أنا عليه، لكنني أدرك تماما ما أفعل. أُمَسرِحُ القصائدَ فحسب«.
وزاد: «هذا العنف المبهم الذي يخرج من أعماقي يأتي من الشعر، وأقدمه، ممسرحا، بلغة الإشارة. أبقي على هذه اللغة حية كي يفهمها جمهورا لكني أضيف إليها شيئا من عندي أيضا».
صمت وسكونكنت لا أزال في تلك المقهى، عندما عادت السيدة باولا، لتسألني إن كنت أريد شيئا آخر أشربه، فسألتها عن المقهى، قلت لها إنه يشبه منزلا، هو بالفعل بيت العائلة وأقيم فيه أنا واختي معا، تقصد النادلة الأخرى التي تعمل محاسبة أيضا، فيما هي، بإنجليزيتها الفقيرة، تردّ على الرواد من غير الناطقين بلغتها.
قالت إنه بالفعل كذلك وأن عمره أكثر من مئة عام، وعند انتهاء المهرجان يعود المقهى بيتا فقط. صمتت لوهلة ثم أشارت إلى أنها وأختها، التي تكبرها بأعوام، لن تجدا بعد موتهما مَنْ يرثه فهما وحدهما اللتين تبقتا من العائلة.
صمَتُّ بدوري. ثم قالت لي، انتم الشعراء تأتون من كل العالم وتملؤون فراغا في المكان. وعندما ترحلون يعود الصمت. ثم مضت. عندما رحلنا باتجاه مطار مونبلييه من مقر موقع المهرجان، كانت الظهيرة رائقة، والمكان مغلق، كأنْ لا ساكنين فيه. والصمت مطبق.


خوان ميرو
لم نستدل إلى معرض خوان ميرو حتى سألنا عنه أحد الموظفين فقادنا إلى ممر ضيق لم نره يجاور ذلك المحراب «الذي» كنا فيه منذ دقيقة أو أقلّ. أفضى بنا الممر إلى «خوان ميرو» منذ بداياته الأولى في برشلونة. قاعة واسعة تضمّ ستة وستين عملاً فنياً تتوزع على لوحات ومنحوتات وأخرى تجمع بينهما معاً. كان لافتاً إلى أن القاعة قد غصّت بجمهور عائلة، وربما نحن أيضا من هذا المشهد الذي نادرا ما يتكرر في بلداننا.
أعمال ميرو هي تجسيد لأحلام وكوبيس، لمخلوقات لا يمكن أن تخرج إلا من مخيلة جنون خلّاق. ليست، في أغلبها، من مادة خام واحدة، بل من مواد عديدة: برونز خشب وحجر. يظل المرء يدور ويدور في مخيلة خوان ميرو وجنونه الخاص، وفي كل مرة يكتشف شيئاً جديداً: اقتطاعة من قصيدة قد يكتبها يوماً ما، أو شهقة امرأة مباغتة أمام لوحة، وربما تذكّر لاقتطاعه من حلم لم يره، يوماً، أحد سواه وخوان ميرو فقط.

اقرأ أيضا