الجمعة 30 سبتمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

خلخلة المألوف النَّقدي

خلخلة المألوف النَّقدي
12 ابريل 2017 19:04
في حواراته المتأخرة، لا يبدو أن عبد الفتاح كيليطو لا يزال متحمّسا لكتابه الأول «الأدب والغرابة»، فهو بالكادّ يعتبره ذا فائدة مدرسية. وبالفعل فهذا الكتاب قد قُرّر منذ سنوات ضمن برامج التعليم الثانوي في المغرب. وعلى رغم ذلك، فربما لا ينبغي حصر قيمته في هذه الوظيفة التعليمية، كما لا يكفي، للحكم عليه، النظرُ إليه قياسا إلى الكتب التي ظهرت بعده، وإنما ينبغي قياس أهميته بمراعاة الظرفية النظرية والنقدية التي ظهر فيها. نقصد بالأساس المفهومات النقدية التي كانت سائدة وقتئذ في الكتابات العربية، وكذا «الثورة السيميولوجية» التي كان الفكر الفرنسي على وجه الخصوص يعرفها آنئذ، وبالأخص مع كتابات موريس بلانشو وجيرار جينيت ورولان بارت، تلك الثورة التي كانت تعكسها مجلتا «شعرية» و«تواصل». كان لازما إذاً زحزحة المفهومات النقدية وفتحها على الخارج، وإخراجها من عاداتها التي سكنت إليها لمدة ليست بالقصيرة، وإضفاء قليل من الغرابة عليها. خارج الألفة بالفعل، فإن السؤال الأساس الذي يطرحه كيليطو في هذا الكتيب هو بالضبط: كيف نخرج عن المألوف؟ كيف نصبح على هامش الألفة؟ وكيف نخلق عالما ينبض بالحياة والجدّة؟ وهو يجيب: «إذا أراد المرء أن يتجدَّد فما عليه إلا أن يغترب، أن يبدّل مقامه، أي يغرُب كما تفعل الشمس» (ص. 72) فطوبى للغرباء! إن الوفاء لعالم الألفة لا يعني التآلف معه والالتصاق به، كما أنه «لا يعني الانفصال الكلي عن عالم الغرابة» (ص. 120). و«إلا فلماذا يشعر السندباد بحاجة ملحة إلى رواية تجاربه ولماذا صار كل من سمع بقدومه يجيء إليه ويسأله عن حال السفر وأحوال البلاد فيخبره ويحكي له ما لقيه وما قاساه». ذلك أن التفكير بالغرابة وفيها هو الذي يحيلنا إلى ما ألفناه، «والغرابة لا تبعدنا عن همومنا ومشاكلنا الحالية» (ص. 66) بل إنها على العكس من ذلك هي طريقنا إلى الألفة الحق. لذلك يلجأ كيليطو إلى محاورة نصوص من تراثنا الأدبي، وإلى المؤلفات القديمة التي يتأكد عندها شعورنا بالغرابة (ص. 12). وهو يعتقد أن موضوع الغرابة والألفة لا يخص نوعاً واحداً من الأنواع الأدبية، «لا يخص البلاغة والخطاب الشعري وحدهما، بل يمكن رصده في ميادين مختلفة من الثقافة العربية» (ص. 75). بل إنه يلجأ إلى ما ظلّ غريباً مهمَّشاً داخل النصوص القديمة ذاتها، وإلى ما لم يُعترف له بهوية، ولم يستحقَّ حتى اسم النص. يحاور كيليطو إذاً مجموعة من النصوص الكلاسيكية من أجل «تملّكها»، من أجل أن تصبح أليفة «حق الألفة» إلا أنه يعتقد أنها لا يمكن أن «تقترب منا إلا إذا بدأنا بإبعادها عنا». ومن أجل هذا الإبعاد يحاول إذكاء حدة التوتر بيننا وبين تلك النصوص. وهو يستنطق الصورة التي استطاعت أن ترتسم لدينا عن الأدب الكلاسيكي، بل وعن الأدب أيا كان، فتفرض مجموعة من المفهومات التي ألفنا استعمالها فغدت من بداهاتنا بحيث يبدو السؤال حولها أمراً غريباً. تحقيقاً لذلك، يقف المؤلف في القسم الأول من كتيّبه عند الألفاظ التي نتداولها بصدد النقد الأدبي، فيحاول خلخلة منطق الهوية الذي يتحكم فيها، ويحمِّلها معنى واحداً جامداً ويفصلها عن حياتها ومخاضها، ويغفل إرادات القوة التي تتصارع من ورائها. غير أنه إذ يفعل ذلك فلا ليخلص إلى بداهات مغايرة وليقيم حقائق أخرى ينتظر منا أن نألفها من جديد. فعندما يعرض لمفهوم «النصّ» على سبيل المثال، لا يشعرنا أنه بصدد تقصي معناه الوحيد الذي يصدق عليه في جميع العصور وعند جميع الثقافات، لا يشعرنا بأنه بصدد البحث عن حدٍّ جامع مانع، وبأن الصعوبات التي تعترضه صعوبات منطقية، إنه على العكس من ذلك، يحاول أن يبرز كثافة المعنى الذي يُقرَن بهذا اللفظ، وإرادات القوة التي توجد من ورائه والتي تتحكم في ثقافة ما، فتقبل أن تُسمِّي هذا الكلام نصّا وترفضه لآخر. وهذا شأن مفهومات أخرى كـالأدب والسرد، بل وفنون أخرى اعتدنا أن ننظر إليها على أنها جاهزة مثل البلاغة التي عادةً ما نتكلم عنها و«كأنها شيء واضح المعالم معروض أمامنا ببساطة وما علينا إلا أن نقطف ثماره». قد يقال: وما هذه إلا وظيفة النقد أيا كان. فالنقد، بما هو كذلك، لا بد وأن يقحم السلب ويخرج عن المألوف ويرفض ما أصبح طبيعة ثانية. فكل نقد هو خروج من الألفة نحو الغرابة! يجيب كيليطو إن النقد المعتاد، إذ يودّ اجتياز العتبة التي تفصل «فضاء الألفة عن فضاء الغرابة» والذات عن الآخر، والحاضر عن الماضي، فإنه «لا يبصر العتبة» (ص. 12) وسرعان ما يردُّ الغرابة ذاتها إلى الألفة ويوحِّد الماضي بالحاضر، والآخر بالذات، فيجعل الهوية «تلتهم» الاختلاف. وعندما يدرس النقاد هنا التراث الأدبي يطرقونه بتوظيف مفهومات ومن خلال إشكالات معاصرة فيُسقطون عليه هموم الحاضر، ويجرُّونه إلى عالمنا المألوف «وغالباً ما يتحوَّل النقد عندهم إلى تاريخ للأدب، كما يكتب رولان بارط، أعني أنهم يجعلون من الأدب موضوعاً ثقافيًا محدداً منغلقاً على ذاته كما لو كان يتمتع بتاريخ خاص به، تاريخٍ تثبت داخله قيم كما لو كانت نوعاً من الأصنام المغروسة في مؤسساتنا. إن ما ينبغي البدء بالقيام به أساسا [...] هو زعزعة فكرة الأدب ذاتها». تفكيك المفاهيم النقدية لا يكتفي كيليطو إذن بالقسم الأول من كتابه. وهو لا يقف فقط عند تفكيك المفهومات المتداولة في الأدب، وإنما يعرض لعملية النقد ذاتها ويتوجه بالسؤال لبعض العادات التي ألفناها في قراءتنا للنصوص الأدبية وانتقادنا لها. فنحن قد ألفنا مثلا أن ننظر إلى التراث الأدبي في مركزيته الرسمية فنحسب مركزا ما اعتبره هو كذلك ونهمّش ما همَّشه (ومن أجل هذا يلتفت كيليطو إلى بعض النّصوص التي ظلت غريبة على الهامش). كما أننا تعودنا على الدراسات التي تندرج في إطار ما يسمى «الإنسان ومؤلفاته» (ص. 41)، بحيث يكفي الباحثَ أن «يختار مؤلفا معينا فيبدأ بالكلام عن العصر ثم ينتقل إلى حياة المؤلف مختتما بآثاره. لقد طغى هذا النموذج على الدراسات الأدبية إلى حد أنه أصبح كالشيء الطبيعي وليس كظاهرة ثقافية ولدت في القرن الماضي» (ص. 54). وكل منا ما زال يذكر ما تعوَّدنا على تسميته في مدارسنا الثانوية بـ«ترجمة» الشاعر، حيث كانت القاعدة، أن ندع القصيدة إلى ما بعد ونُرجئ فحصها، كي نبدأ الحديث عن بيئة الشاعر ونشأته والظروف التي تلقى فيها تكوينه، والمعلمين الذين تربى على أيديهم، لنستخلص معاني القصيدة، لا من القصيدة ذاتها، وإنما مما قد يكون انعكاسا لما رأيناه في دراسة البيئة والحياة الشخصية. فكأن ما كان يهمنا في الأدب، هو أساسا ما هو خارجَ الأدب ذاته. ثم إننا لم نكن لنتصور أن يكون الناطق في القصيدة، ليس الذات السيكلوجية ولا الأنا المتكلم، وإنما النوع الذي تنتمي إليه، والتقليد الذي رسَّخه ذلك «النوع»، والأسماء التي تغزَّل بها، والقيم التي كرّسها. لقد ألفنا أن ننظر إلى العمل الأدبي من خلال ميتافيزيقا الذاتية والإرادية وفلسفة الوعي والمباشرة والنزعة السيكولوجية والأخلاقية ونرى فيه عمل النجوم و«القمم»(ص. 48) ونتيجة الإبداع، فننتقل من النصوص إلى النفسيات(ص. 48)، وننظر إلى القصيدة على أنها «تعبّر» عن نفسية الشاعر« مغفلين عمل هذا النوع أو ذاك» (ص. 83). وبهذا تحوَّل النقد عندنا إلى دروس تحاول أن ترسِّخ قيما ثابتة مألوفة، فصار الناقد عندنا واعظا أخلاقيا يلعب دور الموجه، ويعرض للكاتبِ النماذجَ التي يجب اتّباعها. إنه تحوَّل إلى«صيرفي يميز القطعة الجيّدة من المزيفة» (ص. 37) و«الأنواع النبيلة عن الأنواع السوقية» (ص. 27). لا يولي النقد هنا كل اهتمامه للنص الأدبي، وإنما يصيخ بسمعه إلى صوت الأخلاق والحكمة والعقل الذي يتكلم من خلال النصوص، بل إنه يحاول أن يُصدر هو ذلك الصوت ويتبناه. الفراغ والامتلاء يريد كيليطو أن ينظر إلى العمل الأدبي بعيداً عن كل نزعة سيكلوجية psychologisme و«فيما وراء الخير والشر»، ليقضي على تلك النظرة التي تعلي من الخطاب الأدبي على حساب أنواع الخطاب الأخرى فتعتبر «التمثل بنصوص الأدب انتساباً إلى الخاصة». وهو يحاول إخراج النقد عن ميدان القيمة والنقود والصيرفة، ليجعل منه عملاً سندبادياً يجول في فضاءات مختلفة وينقلنا من الألفة إلى الغرابة لينتج الفراغات ضد الامتلاء، «ذلك أن الامتلاء، كما يقول بارت، ذاتيا هو الذكرى (الماضي، الأب) وعُصابيا هو التكرار، واجتماعيا هو التحجر والتجمد. وفي مقابل كل هذا هناك الفراغ الذي لا ينبغي أن ينظر إليه كنوع من الغياب [...]. الفراغ هو التجدد وعودة الجديد (الذي هو نقيض التكرار)». إن الدراسات التي تحاول أن تنتقل من الامتلاء إلى الفراغ ومن الألفة إلى الغرابة لتقيم ذاكرة مضادة وتخلخل كل مركزية يمكن أن تطلق على نفسها دراسات بنيوية. ذلك أنه لا يكفيها الحديث عن بنيات للنصوص لتكون كذلك «وإلا فستكون البنيوية قديمة كما يقول بارط، فالعالم بنية والموجودات والثقافات تشكل بنيات، هذا أمر ألفناه وعرفناه منذ زمن بعيد، أما الجديد الغريب، فهو التمكن من خلخلة المركزية». ربما من أجل ذلك يصر عبد الكبير الخطيبي في مقدمة الكتاب على إدراج باكورة كيليطو ضمن «الدراسات البنيوية» . وحتى إن حاول عبد الفتاح كيليطو اليوم أن يبرئ نفسه من مثل هذه النعوت، وأن يبتعد ما أمكنه عن الاندراج ضمن مدرسة نقدية بعينها، فإننا نستطيع أن نؤكد أن كتاب «الأدب والغرابة» كان دون منازع، من أوائل المصنفات التي فتحت النقد الأدبي المعاصر على الحداثة النقدية. صَيارفة لا نُقّاد لقد ألفنا أن ننظر إلى العمل الأدبي من خلال ميتافيزيقا الذاتية والإرادية وفلسفة الوعي والمباشرة والنزعة السيكولوجية والأخلاقية ونرى فيه عمل النجوم و«القمم». وننظر إلى القصيدة على أنها «تعبّر» عن نفسية الشاعر «مغفلين عمل هذا النوع أو ذاك». وبهذا تحوَّل النقد عندنا إلى دروس تحاول أن ترسِّخ قيماً ثابتة مألوفة، فصار الناقد عندنا واعظاً أخلاقياً يلعب دور الموجه، ويعرض للكاتبِ النماذجَ التي يجب اتّباعها. إنه تحوَّل إلى «صيرفي يميز القطعة الجيّدة من المزيفة» و«الأنواع النبيلة عن الأنواع السوقية».
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©