الأربعاء 28 سبتمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

ماء الشعر... نار الشعر

ماء الشعر... نار الشعر
12 ابريل 2017 19:00
وحده العقل الشعري يجاور الأضداد ويؤاخيها، أما العقل العلمي والفلسفي والديني فيباعد بينها ويجعلها متقابلة. الحياة تشبه الشعر فهي تجمع الأضداد ولا تفصل بينها. الحياة تتناغم مع العقل الشعري وتقترب منه لأنها لا تصنف الأضداد إلى موجبة وسالبة وإلى سوداء بيضاء. الحياة فسيفساء من المتضادات المتجاورة، والعقل البشري كذلك، ولعلنا لا نبالغ إذ قلنا إن القانون الخفي للشعر هو التضاد، وإن وحدة المتضادات هي الأرضية الأساس للعقل الشعري. ولا نزعم أننا في هذا الفصل سنكتشف قانون التضاد بل سنكشف عن بعض الظواهر المتضادة التي تؤكد لنا هذا التصور. ينبئ تاريخ الشعر عن وجود نمطين من الشعراء ضمن الطبقة الفاعلة للشعر في أي عصر من العصور، والتي تعلو على الطبقة الضعيفة التي تقوم بإعادة إنتاج المنجز الشعري لشعراء الطبقة الفاعلة، إذ تعمل الطبقة الفاعلة على إنتاج متصل ومبدع وتخلق طرائقها الخاصة في الكتابة الشعرية، فهي القادرة على تشكيل أنساق شعريةٍ مؤثرة في ذلك العصر، وهي المؤهلة لفتح الرؤية الشعرية وإعادة المغامرة الشعرية إلى دائرة فعلها المتصل مع الدوائر السابقة عليها، وهي التي تقذف إلى الطبقة الضعيفة مادتها لكي تعيش هذه الأخيرة عليها لكي تلوكها… وتجتزها وتعيد إنتاجها في نصوص ضعيفة هي ظل لأصلٍ قوي ومشع. وفي هذه الطبقة الفاعلة ينهض نمطان من الشعراء، النمط الأول هو الشاعر المحرض، والنمط الثاني هو الشاعر المؤسس. وتكون مهمة الشاعر المحرض مهمة مغامرة فهو يعمل على وخز النسيج الشعري الساكن بإبرته حتى يحركه ويعمل على إيقاظه، فهو شاعر يغامر بحداثته إلى أقصاها، ويبقى في منطقة الفعل المتصل والابتكار الدائم لأشكال شعرية قلقة نوعا ما ولكنها مهمة في وظيفتها التحريضية، إنه شاعر يحمل آلاعيبه الشعرية ويمضي قوياً في إدخالها جسد الشعر من أجل أن يهتز هذا الجسد، ولذلك تكون همته إنعاشية وتجديدية، وهو في الغالب شاعر ذو عمر قصير فنياً لأن مادته التحريضية لا تمنحه مساحة زمنية طويلة بحكم انفعاله السريع دائما، وعدم انتظاره لاختمار ما يحمل في نفسه، فنجده بعد حين من الزمن وقد أُتعب وأُنهمك واعتزل الشعر، فإما أن يتركه وإما أن يذهب إلى نمط أدبي آخر. أما النمط الثاني فهو الشاعر المؤسس، وهو شاعر بصير ومتأنٍ يستشرف عصراً قادماً، ويعرف أنه يكتب بشيء من الروية، ورغم أنه شاعر محدث أيضا إلا انه ليس عجولاً ولا يلقي كل ما في صدره دفعة واحدة، ولذلك لا يتعب بسهولة. إن الشاعر المؤسس يؤسس نمطه الإبداعي ببطء وروية ليبقى هذا النمط مؤثراً قوياً نشطاً أطول مدة ممكنة يهيمن على مراحل شعرية مقبلة دون أن يكون معرضاً للتمزق والتداعي بسرعةٍ كبيرة، وغالباً ما تتصل مادة الشاعر المؤسس هذا مع مادة الشعراء المؤسسين قبله، حتى أنها تشكل امتداداً مبدعاً لها، وتفصل مراحل الشعر وتطوره حسب قوة هؤلاء الشعراء المؤسسين لأنهم أصحاب طرائق شعرية باقية لا يستطيع وقت قصير من الزمن أن يسقطها بسهولة. التأسيس والتحريض يختلف التأسيس عن التحريض بتماسك الكتابة التأسيسية وهشاشة الكتابة التحريضية رغم تلازمهما وضرورتهما معاً، وتكون الكتابة التأسيسية عادةً أقل حدة وانفعالاً وأقل إطلاقية، وهي تمضي مع حقيقة هادئة في نمو متساو وطبيعي يشبه نمو أية ظاهرة كبيرة أو أي عمل تأسيسي آخر في مجال آخر، أما الكتابة التحريضية فتكون إطلاقية وسريعة، ولها ما لفورة صاحبها من تطرف واضطراب نصيب واضح. يقع الشاعر المحرض على محيط نسيج عصرهِ في حين يقع الشاعر المؤسس في مركز عصرهِ … في بؤرته، ولذلك فإن هناك عددا كبيرا من الشعراء المحرضين في كل عصر أدبي، وهناك عدد أقل بكثير من الشعراء المؤسسين في نفس ذلك العصر. وبمعنى آخر هناك شعراء محرضون وهناك شاعر مؤسس، وهذا جدل أوجدته طبيعة العلاقة بين التحريض والتأسيس، بل وتؤكده مقاربات أخرى مستعارة من مناطق أخرى غير أدبية، فالتحريض والفعل الكثير ينتج في الجسم الحي مثلا جهازاً واحداً مقابلاً تتمثل فيه ردود الأفعال وطرائق التحريض، وهذه قاعدة بيولوجية معروفة، تؤكد أن التحريض في النسيج الثقافي عبارة عن فعل حي ينعش خلايا وجسد هذا النسيج، وتكراره يؤدي إلى تأسيس جهاز حي من الاستجابة الخلاقة التي تنهي فعل التحريض هذا لتستقر في رقي ثقافي جديد سيكون مادة لتحريض جديد وهكذا. يصح إذن أن نسمي التحريض مغامرةً، والتأسيس بصيرةً وتحتفظ المغامرة بكل ألقها وقوتها وجمالها وعنفها لتكمل عمق وحكمة ومعمار البصيرة، ويصح أن نسمي التحريض تحدياً والتأسيس استجابة ويحتفظ التحدي بكل مبرراته وضرباته المتلاحقة وقدرته على إنعاش النظام الأدبي ليجد صداه في الاستجابة العميقة التي تكون ضرورية وتاريخية ومحكومة بتوازن خلاق. يجد الشاعر المحرض نفسه إلى جوار الشاعر المؤسس في نفس العصر الأدبي، وربما في جيل أدبي واحد، ويفترض هذا التعايش نمطاً خاصاً من العلاقة والتعامل لكي لا تخسر المرحلة الأدبية أيا منهما، فكلاهما ضروري لجدل هذه المرحلة. وأهم ما في علاقتهما هو حوارهما المتصل حتى ولو سادت لغة الريبة والشك في أهمية ما ينجز كل واحد منهما، ولكن الحوار بينهما ضروري لأنه الكفيل ببقاء التوازن بينهما وبين العصر الأدبي الذي يعيشانه معاً… فإذا ما غاب الحوار بينهما وتأكد غيابه فسيضطر كل واحد منهما أن يتضمن في داخله وجود الآخر، وهي عملية شاقة ومرهقة ولكنها ممكنة… ويبقى البديل عنها وجود وتعايش وتحاور الشاعرين معا… الشاعر المؤسس والشاعر المحرض. على المحيط.. في النسيج يقع الشاعر المحرض على محيط نسيج عصرهِ في حين يقع الشاعر المؤسس في مركز عصرهِ… في بؤرته، ولذلك فإن هناك عدداً كبيراً من الشعراء المحرضين في كل عصر أدبي، وهناك عدد أقل بكثير من الشعراء المؤسسين في ذلك العصر نفسه. حوار.. وريبة يجد الشاعر المحرض نفسه إلى جوار الشاعر المؤسس في العصر الأدبي نفسه، وربما في جيل أدبي واحد، ويفترض هذا التعايش نمطاً خاصاً من العلاقة والتعامل لكي لا تخسر المرحلة الأدبية أيا منهما، فكلاهما ضروري لجدل هذه المرحلة. وأهم ما في علاقتهما هو حوارهما المتصل حتى ولو سادت لغة الريبة والشك في أهمية ما ينجز كل واحد منهما، ولكن الحوار بينهما ضروري لأنه الكفيل ببقاء التوازن بينهما وبين العصر الأدبي الذي يعيشانه معاً.
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©