مصطفى عبد العظيم (دبي)

أشاد الرئيس التنفيذي ومؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي، البروفيسور كلاوس شواب، بالاستجابة السريعة والفاعلة للقطاع الخاص بدولة الإمارات لمواجهة جائحة فيروس كورونا المستجد «كوفيد-19»، ومساندته الحكومة والجهات المختصة للتصدي لهذا الوباء.
وأكد أن «كورونا» شكل اختباراً فعلياً لصدقية أنموذج رأسمالية أصحاب المصلحة، الذي يعزز دور أنشطة منظمي الأعمال في خدمة المصالح المحلية والعالمية.
وأشار كلاوس شواب في أحدث مقالاته، التي خص بها «الاتحاد»، لأمثلة ومبادرات عديدة من كبرى الشركات والمؤسسات في الإمارات، للمساهمة في مكافحة الوباء، سواء بالخدمات المباشرة أو التبرعات النقدية والعينية. وأكد أنه في ظل استمرار حالة الطوارئ الصحية العالمية بسبب انتشار فيروس «كورونا»، تتزايد التداعيات الاقتصادية، فقد تراجع النمو الاقتصادي العالمي، وشرعت الشركات في إلغاء تقديم الخدمات للعملاء، وأصبح الملايين من العمال عاطلين عن العمل أو مفصولين من الناحية العملية.
وأوضح، أن هذه التداعيات تطرح تساؤلات عديدة عن نظام «رأسمالية أصحاب المصلحة»، الأنموذج الاقتصادي المستنير الذي تبنته العديد من الشركات قبل بضعة أشهر. وكيف يمكن تكييفه مع ما نشاهده اليوم؟
وأشار شواب إلى أنه «للإجابة على هذا السؤال، علينا تذكر المقصود بنظام رأسمالية أصحاب المصلحة، والذي يعني ضمان الحفاظ على الشركة ومرونتها على المدى الطويل، واندماج الشركة في المجتمع».
وأوضح أن أي أزمة اقتصادية قصيرة المدى، مثل تلك التي تسبب فيها «كوفيد-19»، تكشف عن الشركات التي تُجسد بالفعل أنموذج أصحاب المصلحة، والشركات التي تتظاهر بذلك فقط، وتحافظ بصورة أساسية على توجه تحقيق الربح على المدى القصير.
وأكد أنه لا شكّ في أن الفيروس المستجدّ، والمبادرات الاحترازية التي أدى إليها بمختلف أنحاء العالم تسببت بصدمات شديدة لشركات عديدة، وأن كثيراً منها اضطر إلى تبني تدابير صعبة للغاية، لتفادي إيذاء موظفيها، فقد تم إغلاق شركات صغيرة ومتوسطة عديدة في مجال الضيافة والتجزئة والسفر، بناء على أوامر حكومية أيضاً، ما أدى إلى عدم قدرتها على اتخاذ ردّ فعل خاص بها.
ويرى شواب، أن الاختلافات بين ردات الفعل المختلفة من الشركات العالمية بات مثيراً للاهتمام، فهناك شركات توجه أعمالها حقًا نحو أنموذج ربحي طويل المدى، وشركات ذات أنموذج ربحي قصير المدى، يتطلّب منها تقليص حجم العمالة لديها على الفور، لتحافظ على الربحية على المدى القصير.
ويشير شواب إلى أن بعض الشركات استخدمت أرباحها المتزايدة في السنوات الماضية في برامج إعادة شراء الأسهم الرئيسة، ما عزز ربحية هذه الشركات على المدى القصير. إلا أنه مع مواجهة هذه الشركات لمشكلة نقص الاستثمارات أو الاحتياطات الاستراتيجية، بات العديد منها أول من يعاني في الوقت الراهن، إضافة إلى عدم قدرتها على تصحيح هذا الوضع من دون تدخل الحكومة.
ويأتي المثال الأكثر وضوحاً من أكبر شركات الطيران الأميركية، التي أنفقت 96% من تدفقاتها النقدية خلال السنوات العشر الماضية لشراء الأسهم المستردة. في المقابل، استخدمت بعض الشركات الأرباح للاستثمار في التحول الرقمي، واستقطاب المواهب، والبحث والتطوير، ما منحهم الآن القدرة على الاستجابة بشكل جيد، والذي تفتقر إليه الشركات الأخرى.
على سبيل المثال، احتلت مايكروسوفت المرتبة الأولى في تصنيف الشركات المساهمة في شركة JUST Capital، وهي متعاون في متتبع الفيروسات التاجية لجون هوبكنز، وتوفر للمعلمين إمكانية الوصول والتدريب لبرنامج Teams الخاص بها للتدريس عن بُعد. وهي أمور يمكن لمايكروسوفت القيام بها بسبب أنموذج أعمالها المبتكر، ولكن أيضاً لأن أصحاب المصلحة يتوقعون منهم أن يكونوا من أوائل المستجيبين في أوقات كهذه.
ويلفت شواب إلى أنه وعلى الجانب الآخر استمرت بعض الشركات خلال الأسابيع الأخيرة في الإعلان عن مكافآت وعلاوات قياسية لمدرائها التنفيذيين، استناداً إلى الربحية وأسعار الأسهم للسنة المالية 2019. على سبيل المثال، رغم أن شركة الطيران البريطانية EasyJet، التي طلبت مساعدة الدولة بعد أن اضطرت إلى إلغاء معظم رحلاتها، لم تقرر إلغاء دفع أرباح بقيمة 174 مليون جنيه استرليني. إن مبدأ الربحية قصير المدى هذا لن يكون من السهل نسيانه، ولا ينبغي ذلك، سواء من العملاء أو الموظفين أو الحكومات، الذين يعاني الكثير منهم.
وعلى العكس من ذلك، أعلن أرني سورنسون، الرئيس التنفيذي لشركة ماريوت، الذي تضررت شركته وموظفوه بالغ الضرر، أنه لن يتقاضى لا هو ولا رئيسه رواتبهما في عام 2020، كما أعلن تخفيض أجور الفريق التنفيذي للنصف. وقد ضرب هذا الموقف مثالًا في تآزر الشركة مع موظفيها والمجتمعات التي تعمل بها. وعلى الصعيد نفسه، أعلن كلّ من رئيس شركة طيران الإمارات تيم كلارك، وغاري تشابمان رئيس دناتا، مزود خدمات المطارات العملاق، تنازلهما عن رواتبهما بالكامل لمدة 3 أشهر، تضامناً مع موظفي الشركتين الآخرين، في حين ستشهد رواتب كبار الموظفين والمدراء في طيران الإمارات تخفيضاً مؤقتاً يراوح بين 25 و50% ، في حين لن تتأثر رواتب العاملين في الدرجات الدنيا.
ويؤكد شوب أن كون الشركة شركة مساهمة لا يقتصر في هذه الأوقات على ردات الفعل قصيرة المدى فقط، حيث يمكن للشركات التي تبنت أنموذج أصحاب المصلحة ببساطة أن تقدم المساعدة بشكل أفضل خلال هذه الأزمة، لأن أنموذج أعمالها أكثر قوة، وتحالفاتها مع أصحاب المصلحة الآخرين في المجتمع ، مثل الحكومة والجمهور يعتبر أقوى بشكل عام.
وأشار شواب إلى أن شركة الشحن العملاقة «ميرسك» تعتبر أفضل مثال على المؤازرة، فهي تسهم بسفنها ومساحة حمولتها لإيصال إمدادات الطوارئ والمعونات لمختلف أنحاء العالم، بالتالي فإنها تتبنى طرق شحن لا تعود عليها بأي ربح مادي أو تجاري، ويعود ذلك لتعاون أصحاب المصلحة في العمل. وتعد الدنمارك، حيث يقع المقر الرئيس للشركة، إحدى الدول التي تحمي العمال والشركات أكثر من غيرها خلال هذه الأزمة، ما يضمن للشركة والعاملين حصة كبيرة من رواتبهم. هذا ويسمح «العقد الاجتماعي» بين شعب الدنمارك والحكومة والأعمال التجارية لهم بتبني المرونة والاستباقية في أوقات الأزمات.
كما أشار شواب إلى إعلان «يونيليفر»، الأسبوع قبل الماضي تبرعها الفوري بـ 50 مليون دولار من الصابون لمنصة عمل كوفيد، التي تم إنشاؤها استجابة لحالة الطوارئ الصحية العالمية من قبل المنتدى الاقتصادي العالمي، وبالشراكة مع منظمة الصحة العالمية.

مبادرات
نوه كلاوس شواب بالأمثلة والمبادرات المتنوعة لكبرى الشركات والمؤسسات المحلية في الإمارات التي تسهم في العمل على مكافحة الوباء، سواء من خلال الخدمات المباشرة أو من خلال تقديم التبرعات النقدية أو العينية، مشيراً إلى تخصيص مجموعة الفطيم مبلغ 27.2 مليون دولار «100 مليون درهم إماراتي» لتغطية قيمة إيجارات المؤهلين من تجار التجزئة وأصحاب المتاجر في مركزي «دبي فستيفال سيتي مول» و«فستيفال بلازا مول» التجاريين، الذين يواجهون ضغوطاً مالية بسبب تأثر أعمالهم بداعيات انتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19).
بالمثل، تبرعت مجموعة القرق بـ 3.5 مليون دولار (13 مليون درهم) لدعم التدابير الطبية الوقائية ودعم الاستعدادات الصحية، إضافة إلى دعم مبادرة التعليم عن بُعد، في حين تبرعت مجموعة الحبتور بـ 50 سيارة إسعاف مزودة بأفضل وأحدث التجهيزات، ومرافق للحجر الصحي لضمان توفير الدعم الطبي المناسب. ويرى شواب أن هذه الالتزامات تُعد جزءاً من استجابة ممثلي القطاع الخاص في الإمارات للجائحة، والتزامها للعمل يداً بيد مع السلطات المختصة للتصدي لهذا الوباء والتهديد المتنامي، وقد شهدت الدولة عدداً لا يحصى من المبادرات المماثلة.
ويؤكد شواب أن الشركات صاحبة المصلحة تُدرك أن حالات الطوارئ الصحية العالمية، مثل فيروس «كوفيد- 19» تتطلب من جميع قطاعات المجتمع والجهات الفاعلة فيه إعادة توجيه نفسها مؤقتاً لتقديم الاستجابة اللازمة لحالات الطوارئ، فهي تتمتع بالمرونة والاستعداد للقيام بذلك، مشدداً على أن هذه هي الشركات نفسها التي سعت إلى تحقيق ازدهار طويل المدى، وشجعت نظام رأسمالية أصحاب المصلحة، الأمر الذي يتطلب دعم هذه الشركات أثناء هذه الأزمة، وبعد انتهائها، خاصة وأنها هي التي تمثل الأنموذج الاقتصادي الذي سيسهم في تجاوز هذه الأزمة والعودة للازدهار من جديد في المستقبل.