الاتحاد

الملحق الثقافي

الشريشة... ماء الحكاية!

كانت هناك حتى قبل أن تولد الأساطير أو يوجد إنسان أو طير أو خيانة أو شر (أرشيفية)

كانت هناك حتى قبل أن تولد الأساطير أو يوجد إنسان أو طير أو خيانة أو شر (أرشيفية)

«ولك مثل شجرة.. إن قطعت لها ساقاً، صار ساقها زرعاً مقدساً»حكمة قديمة(1)
تمارس المرويات الشعبية سحرها وتوغلها نحو جذر الخرافة ونحو الأقاصي المبهمة والفاتنة في مخيلة كبار السن، ومنها ما ينقله لنا الإرث الحكائي المحلّي بأن النائم لمدة أربعين يوما تحت شجرة « الشريشة» وجمعها شريش في اللهجة الإماراتية لا مسّ يصيبه، ولا مرض يقربه، ذلك أن النوم خلال هذه الفترة قد يكون كافيا لطرد العلل والشرور، الظاهر منها والخفيّ، كما أن هذا المسلك الفطري لطلب الشفاء قد يعيد للجسد المنهك والمبتلى تلك الطاقة العلاجية المهدرة في قسوة الألم والتباريح.
تبدو هذه المرويات الشعبية وكأنها في تماس مضيء مع المقدّس والميثولوجي، حيث لا حدود ولا عوائق تفصل هنا بين الممكن والمستحيل، أو بين الواقعي والأسطوري.
ولكن لماذا هذه الشجرة بالذات؟
ولِمَ هذا اليقين الشفّاف تجاه معجزة مبهمة؟
تبدو الإجابات عصيّة ومغلقة، ولكن دعونا نلجأ لمقاربات تفسيرية: يرى الباحث: «سميث» في دراسته عن تاريخ الجزيرة العربية أن العرب قديماً كانت لهم أشجار يقدسونها تسمى: «المناهل»، وهي التي هبطت حسب اعتقادهم بمعرفة الملائكة أو الجن، حيث كان العرب يسمعون فيها جلبة راقصة وصوت امرأة تغنّي، لذلك فإن قطعها يعتبر خطيئة، وأن التقرّب إليها بالنذور والأضحيات، كانت من الواجبات اللازمة، أما اللافت للنظر، فهو إشارة «سميث» إلى أن هذه الأشجار كانت تشفي المريض إذا نام تحتها، حيث يُرشد وهو نائم إلى طريقة يستعيد بها عافيته.
أي صدمة معرفية إذن في هذا الطقس الشعائري القديم؟، وأي ألغاز غائرة وسحيقة تكشفها قصص جداتنا وأمهاتنا، هنا والآن؟
دعونا نقلب المسألة برمتها ونلجأ لحيل أخرى:
فإذا كانت لأشجار الشريش هذه القدرة الشفائية الآسرة، فلا بد أن هذه الشجرة تتمتع بميزة تخصّها وحدها، ميزة تضعها في المنطقة المحايدة بين الاعتيادي والسحري، وبين المألوف والمدهش.
ولكن هذا الاسم: «الشريشة» هو الذي ذكرته الأدبيات الطبية السنسكريتية منذ ألف عام تقريبا، وأطلقت عليه اسم: «أريشتا» أي شافي الأمراض، ويصفها الهنود أيضا ب: «صيدلية القرية» نعود إلى الصدمة الميثولوجية مجدداً وإذا كانت «الشريشة» قريبة في نطقها من: «أريشتا» فإن تفسيرنا يبدو منطقياً هنا، إذا قلنا أن الاسم نفسه مشتقّ من اللغة السنسكريتية وأن بذور الشجرة قد انتقلت بطريقة ما من القارة الهندية إلى سواحلنا، وأن الاسم المحلى المحوّر قد كبر معها وانتشر أيضاً عند أهل الساحل وأهل الوديان والجبال في الإمارات ودول الخليج.
(2)نلجأ مرة أخرى للمقاربات التفسيرية، حيث تورد أساطير الهنود الحمر حكاية التوأمين «كامي وكاري» اللذين تحولا بعد الطوفان، إلى خالقين للحياة، فيشكلان هيئة البشر من القصب، ويخرجان الحيوانات من جذع شجرة.
ولعل هذا التماسّ الأسطوري يقربنا من الصورة أكثر، ويقحمنا في مجال غيبي يتسامى فوق المثال التجسيدي والمنظور والمتعارف عليه للشجرة، فالعزى التي كان يعبدها العرب قديما لم تكن سوى شجرة، ومثلها تماما:»ذات الأنواط»، و: «شجرة الحديبية»، وكسر هذا الحاجز التوصيفي لأشجار بعينها، لابد أن يكون مقرونا بحوادث ومآلات وقصص تأخذ من: «العجائبي» مادتها التوليفية الخارقة، ومخيالها الوثني المهيب في تلك الأزمنة السحيقة.
ولا ننسى هنا علاقة بوذا بالشجرة التي ولد تحتها، وحكاية النخلة مع مريم العذراء وقت مخاضها.
لنقترب الآن من: «الشريشة» ذاتها، لنعاينها أكثر من خلال التماس البصري، والولوج في حقل من الألفة والملاطفة والتودّد، تبدو الشجرة الملاصقة الآن لسور منزلنا وكأنها مبعوثة وادعة وارفة، ووقوفها هكذا على نبع الظل البارد المنهمر من عليائها نحو مدائن الرمل وكائناته الخفيّة، هو وقوف يكشف عن حماية وحراسة واحتضان، ويستدعي مباهج منسية واغواءات تفضحها أنوثة الظلال بأجراسها المصمتة، لا تبدو أغصان: «الشريشة» مفرطة في العلوّ ولا أوراقها مشتتة مثل أشجار السدر والغاف والأثل أو «الجزّ» التي تمنح مجالا وفسحات لأشعة الشمس كي تسلل وتتوزع على الأرض، وتزعج المستجير بها.
على عكس ذلك تماما فإن: «الشريشة» المكتنزة بظلالها والفائضة بوداعتها، تبدو وكأنها تغري المستجير بها كي يطيل مكوثه وبياته في ملكوتها الطهراني، السائغ والريّان، فهي تمنح الجالس تحتها هذه الفسحة من التريّض والدخول في إختبارات النسك والتأمل من خلال عطش جوّاني يرتوي من عطاء مطلق وغير منقطع.
تحرضك: «الشريشة» أيضاً على تتبع إغوائها الليلي المعزز بروائحها الفردوسية الرطبة والناعمة، وكأنها تبث سيمفونية العطر بإيقاع محتدم ومنقاد لنغم غامض ومجنّح.
هى روائح سحرية وعارمة لا نشمها إلا في الهدوء الخالص والإذعان الشاخص، وفي قلب الصمت ذاته، فأية صلة إذن بين نفاذية هذه الروائح وبين موت الأصوات في أواخر الليل؟؟
وهذه الرائحة وبهذه الطزاجة التي تشعّها في الروح، لا تبدو وكأنها من هبة الأزاهير الملتحفة بأغصانها، بل هي همس الشجرة ذاتها، هي بوح الجسد الكلّي، المبتكر والفائر والرنّان، جسد أخضر ومنفلت في الشتاءات الهاذية، جسد من ماء وتراب وحلم يخفق في مناماتنا بلا تعب، وكذلك هذا الهواء الذي نحسه مندلعاً من: « الشريشة « كنفس حار وشبق وشهواني، مزنّر ببراءة، وخداع أبيض.
(3)نقترب من: « الشريشة « فإذا نحن بصحبة الحضور الأكمل، والبهاء الأنقى، وكأننا في باحة معبد، مختطفين من ضجة الخارج، ومرتهنين للذة وهيام وخشوع وتبتّل، إنها سحابة رؤيا، واهتزاز مراجيح، وغناء يشقّ الأسى نصفين، ويغسل طفولتنا بضباب مقدّس، إنها قبلتنا المسدّدة، ومنتهى توقنا، هي التي دربتنا على عشق الأعالي، وامتهان الشغب، هي التائهة في ضواحي الهواء، ونحن مراثيها الدائخة، هي كل بضاعتنا الخفية، وذخيرة أسرارنا، ذلك أننا ذهبنا في الظن أكثر مما تحتمل خطواتنا، وكانت شجرة الآلام رابضة في ركن قصي، مثل كاهنة تتوّج وحشتنا بالشوك والصبار وبضربة الريح التي بعثرت بصائرنا.
كنا في العراء مثل خيوط الشمس التي امتصها الرمل، وكانت الزنابق فوق سور المنزل، مثل بضاعة التلف ورماد الوقت، كانت أكثر من حشد في التوحّد، غير أن القوافل التي كانت ترمي موتاها في طريقنا، أصبحت أمثولة للأيام الهالكة.
لم ننقش أفراحنا كما ينبغي، ولم يكن البكاء سوى شوكة في القلب، ولكن القمر الذي رافقنا إلى المدارس، كان أكبر من فهمنا، لذلك أطلقناه مع العصافير، وأفلتناه مع طائرتنا الورقية، نحو سماء من حجر.
كانت الشجرة أيضا هناك، محروسة بجلال العتمة، طاهرة وخضراء ونديّة.
كانت هناك، حتى قبل أن تولد الأساطير، وقبل أن يوجد إنسان أو طير، أو خيانة أو شر. كانت قبل التراب والماء والهواء.
كانت هي البدء، وكانت هي المنتهى !!

اقرأ أيضا