«أحد شروط السعادة، ألا يتحطم الرابط بين الإنسان والطبيعة».
ليو تولستوي، أديب وروائي روسي

حسناً، ظهر في النهاية شيء إيجابي على الساحة جراء وباء «كورونا» المستجد.
ولنقل بروز بقعة بيضاء وسط سواد متجدد ومتسع.
لنترك جانباً أعداد المصابين والضحايا حول العالم، والاقتصاد الذي «سرقه» الوباء، والخلافات حول التعاطي معه، و«الثقافة» التي تتشكل قسراً لا طواعية بسببه.
بل لنترك على الهامش، التحذيرات التي تتحدث عن ضرورة التعامل السريع والمنهجي مع النفايات الناتجة عن الأدوات والمعدات المرتبطة بـ«كورونا»، فوضعية البيئة على الأرض تحسنت بصورة لافتة في الأسابيع القليلة الماضية، والسبب معروف للجميع، وهو توقف الأعمال والحراك الاقتصادي بشكل عام، بما في ذلك انخفاض حركة الطيران إلى النصف تقريباً حول العالم، وتراجع وتيرة النقل بكل أشكاله، وبالطبع توقف آلاف المصانع عن العمل، إلى آخر أشكال الجمود الاقتصادي المسيطرة على الساحة العالمية حالياً.
وهذه «الإجازة» للكرة الأرضية، قللت -وفق العلماء- اهتزازات قشرة الأرض نفسها، وانخفض مستوى «الضوضاء» أو «الجلبة» الزلزالية.
وهذا يعني من وجهة نظر علمية، سهولة رصد الزلازل، ما يفسر وجود مراكز رصد الزلازل في مناطق هادئة دائماً.
ولكن للأمانة، لا يوجد دليل علمي واحد حتى الآن، بأن انخفاض النشاط البشري، سيقلل من إمكانية وقوع الزلازل، مع وجود الدليل، على أن «كورونا» أسهم في تقليل الانبعاثات الملوثة، بتوقف الحراك الاقتصادي وتراجع النشاط الاجتماعي.
إلا أن السؤال الأهم هنا يتعلق بمدى استدامة «نظافة البيئة»؟ فهذه الأخيرة ليست إلا حالة عابرة، وسرعان ما ستعود الانبعاثات إلى الأجواء وفي الأرجاء، مع عودة حركة الحياة في كل ميادينها، فور القضاء على الوباء القاتل، أو احتوائه.
ومن هنا، فإن الجانب «المُفرح» على الصعيد البيئي، ليس أكثر من مرحلة آنية، لا يمكن أن تدوم في ظل حركة البشر الطبيعية.
وربما طرح هذا الجانب الإيجابي لـ«كورونا»، أفكاراً تساعد في المعركة العالمية الراهنة لتقليل التخريب البيئي، مثل رفع مستوى «العمل والدراسة من المنزل». وإسراع بعض الدول إلى تحويل خدماتها بصورة أكبر للساحة الإلكترونية.
لنقل باختصار، خفض الحراك الفعلي لصالح «الافتراضي»، رغم أن هذه التسمية الأخيرة ليست ملائمة، لأن ما تفعله «افتراضياً» يطرح مخرجات واقعية.
البيئة «ارتاحت» بالفعل في الأسابيع الماضية، وهذه الحالة العابرة، تسهم في الواقع بصياغة الثقافة الجديدة للبشرية كلها، إلى جانب عوامل لا تحصى تسهم في صنعها.
إنها «ثقافة» ما بعد «كورونا»، أو ما بعد المصيبة.
وفي التاريخ، كثير من الأزمات الكبرى، أنتجت سلوكيات كان الجميع يعرفها قبلها، إلا أنهم رفضوا ممارستها.
لا أحد يتوقع أن تُحل مشاكل البيئة بعد الوباء، ولكن بالتأكيد ستكون هناك آليات جديدة، تخفض الأضرار التي تلحق بها.
إنها «ثقافة» الضرورة، الناتجة عن وباء، نظرت إليه بعض الدول في البداية على أنه لا يخصها.