الاتحاد

الملحق الثقافي

«جابو».. حياة سحريّة حتى النخاع

غلاف الكتاب

غلاف الكتاب

تفاصيل جديدة ومثيرة، وغير مطروقة من حياة «جنرال الرواية» العالمي، أسطورة الرواية في أميركا اللاتينية، جابرييل جارثيا ماركيز، سيتمكن القارئ العربي من معرفتها لأول مرة في قالب جديد وممتع، من خلال سيرته المصورة الجديدة، الموسومة بـ «جابو.. ماركيز: قصة حياة سحرية»، عن دار العربي للنشر والتوزيع.
السيرة المصورة التي تصدر ترجمتها العربية للمرة الأولى، تتناول سيرة حياة الكاتب الكولومبي الأشهر، ماركيز، الذي توفي في أبريل من العام الحالي، عن عمر ناهز 87 عاما، ويرد فيها أيضا قصص وحكايات شخصية عنه، وصفتها وكالة الأنباء اللاتينية الرسمية «كوبا»، بأنها «مغامرة بصرية جادة تحكي حياة أحد أعظم أساطير الأدب العالمي»، كما كتبت عنه صحيفة «الإسبيكتادور» الكولومبية الشهيرة أنه «عمل أدبي حتى النخاع.. إمبراطورية الكتاب تعاود الهجوم».
الكتاب سيكون بمثابة مفاجأة حقيقية لقراء ومحبي كاتب نوبل الكبير، وهو الكتاب الأول من نوعه في الثقافة العربية، الذي يتناول قصة حياة ماركيز «مصورة»، أو في ما بات يعرف الآن بفن الكوميكس «القصص المصورة»، نفذه المؤلف المعروف «أوسكار بانتوخا»، بمشاركة أربعة فنانين عالميين، هم: «ميجيل بوستوس»، «فيليب كامارجو»، «تاتيانا كوردوبا» و»جوليان تاريجا»، وصدر عن دار نشر «راي تاريجا» في يناير 2013.
الكتاب في لغته الأصلية يقع في 184 صفحة من القطع الكبير، وحمل عنوان «جابو.. ذكريات حياة ساحرة»، تتبع فيه مؤلفه قصة حياة الكاتب العالمي، مستندا إلى ما أورده في عمله الروائي الضخم «عشت لأوري» أو «عشت لأحكي». بالإضافة إلى اعتماده على مجمل ما تركه ماركيز من حوارات ولقاءات وأحاديث ومواد سجلها على امتداد رحلة حياته العامرة بالكتابة والأدب والصحافة.. والصعلكة والتشرد أيضا، انطلاقا من لحظة مولده ونشأته في «أركاتا» بكولومبيا، وصولا إلى فوزه بالجائزة الأكبر والأهم في العالم، جائزة نوبل في الآداب، عام 1982.
جابرييل جارثيا ماركيز، الشهير بـ «جابو»، تعد سيرة حياته بتعقداتها وتشابكاتها، ولحظاتها المفصلية، لحظات الإحباط والفشل ولحظات الانتصار والفوز والوصول إلى أقصى ما يطمح إليه كاتب، الشهرة والمال والانتشار الساحق، كل ذلك يعد رواية ضخمة بمعناها الحقيقي، سجل منها ماركيز نفسه جوانب منها في عمله الروائي البديع «عشت لأروي». عاش ماركيز ليروي بإبداعه ورواياته قصة البشرية وآمالها وطموحها اللا نهائي للحرية والحب والحياة والسحر والجمال، كتب ماركيز «مئة عام من العزلة» ليقول للدنيا «أنا الحكاء العظيم.. أنا جابو».
وإذا كان لرواية «بدرو بارامو» للمكسيكي خوان رولفو تأثير عميق على كل كتّاب ما عرف في تاريخ الفنون والآداب بتيار «الواقعية السحرية»، والتي قال عنها بورخيس إنها من أفضل روايات الأدب العالمي، فإن جابرييل جارثيا ماركيز قال عنها إنه عندما قرأها لأول مرة، لم يستطع قراءة أي روايات أخرى لعدة أشهر، حيث بدا أنه تمثلها تماما وهو يكتب رائعته «مئة عام من العزلة»، التي أعلنت تدشين وإعلان وسيادة تيار روائي بأكمله ساد لأكثر من ربع القرن أو يزيد، وما زالت تأثيراته سارية حتى اللحظة الراهنة في أنحاء متفرقة من المعمورة.
لكن المدهش وما لم يقله ماركيز أو يعلنه أو يصرح به أنه أصبح علما راسخا على هذا التيار، تيار «الواقعية السحرية»، في الرواية والأدب والفن جميعا! فإذا ذكرت الواقعية السحرية ذكر ماركيز، وإذا ذكر ماركيز حضرت الواقعية السحرية وحلقت ووصلت إلى ذرى رفيعة من الإبداع والخيال الإنساني المدهش بحيويته وانطلاقه وجموحه.
في هذا الكتاب سنتعرف على ماركيز الصغير أو «جابو» الذي تربى على يد أجداده في قرية صغيرة في الكاريبي خلال فترة من التغيرات السياسية والاجتماعية العنيفة التي كانت تجتاح كولومبيا في ذلك الحين، وسنرى بأعيننا كيف تعرض في يوم واحد لتقلبات الثلج والبرد القارس والحر الشديد في ذات الوقت، مما ترك أثره عليه ليصبح جزءا من مقدمة تحفته الروائية الخالدة «مائة عام من العزلة».
يروي ماركيز في «مئة عام من العزلة»: «بعد سنوات طويلة، وأمام الفصيلة المكلفة بتنفيذ حكم الإعدام، لم يجد الكولونيل أوريليانو بوينديا سبيلا إلا تذكر تلك الأمسية البعيدة حين حمله أبوه ليرى الثلج. ماكوندو، حينئذ، كانت قرية من عشرين بيتا مبنية بالطين وأعواد القصب البري على ضفاف نهر تجري مياهه الشفافة متسرعة فوق قاع من صخور بديعة بيضاء، هائلة الجرم كأنها بيض طائر من عصور ما قبل التاريخ، لقد كان العالم جد وليد حتى أن أشياء كثيرة كان يعوزها الاسم ولكي تذكر ينبغي أن تستعمل الإصبع في الإشارة إليها».. وكأن ماركيز صور بقلمه الفذ أصداء تلك الفترة المبكرة من حياته التي اختزنتها ذاكرته وسجلتها حواسه، ليحيلها أدبا سائغا شرابه لملايين من قرائه في جميع أنحاء الدنيا.
في السيرة المصورة لـ «جابو»، سنتعرف على هذا الكاتب الذي نعت نفسه بالجنون، وكان يفر من عدسات المصورين وكاميرات الفضائيات التي ظلت تلاحقه منذ فوزه بنوبل عام 1982 وحتى قبيل وفاته بلحظات. جابرييل جارثيا ماركيز، هو الذي وضع اسم كولومبيا على خريطة العالم خلافا لما شهرت به، فلما تعد كولومبيا بلد المخدرات والعصابات المنظمة والكوكايين ولاعب الكرة الماهر «فالديراما» أو حارس المرمى بهلواني الأداء «هيجيتا»، باتت كولومبيا تعرف وتشهر ببلد «ماركيز» أو «جابو»، وباتت كولومبيا تفخر بأنها مسقط رأس أحد «سحرة الرواية» ومبدعيها العظام منذ أن ظهر فن الرواية على وجه الأرض.
سنقرأ أيضا في الكتاب الشائق أن ماركيز كان ينصح محبيه قائلاً «لا تمت من دون أن تُجرِّب جَمَال حمل عبئه»، وقال أيضا «تعلمت أن الجميع يريد العيش في قمة الجبل، غير مدركين أن سر السعادة يكمن في تسلقه».. وقال «فكرت وأنا أتسلم جائزة نوبل، تلك اللعنة التي تلاحق هؤلاء الفائزين لعدم وجود الوقت لديهم كي يبدعوا. حاولت كل جهدي ألا أكون سجين الشهرة والنجاح والسياسة أيضا. إن مئة شخص لن يستطيعوا تلبية الدعوات والإلحاحات، التي توجه إليّ والتي من الصعب رفضها دائما. لا أخضع إلا لقاعدة واحدة: لن تجدوني صباحا في أي مكان».
كتب ماركيز الروايات والقصص، عشرات الآلاف من الأسطر والصفحات سودها ماركيز دون أن يعلم أنها سطور ذهبية حفرت في تاريخ البشرية وتراثها الفني والإبداعي الخالد.. أما إذا أردت أن تتعرف على السر وراء هذه الروايات والقصص ذات البناء البسيط تارة والمعقد أخرى، حيث يمزج ببراعة مدهشة بين الواقع والخيال، وبين التأمل العميق والنظرة الساخرة، فستجد حكايات وروايات أخرى غير منظورة ولا مسطورة يكشفها صاحبها العظيم، ماركيز، لمؤلف سيرته «بانتوخا»، وستجد أن رواياته الشفاهية ستجعلك تعيد التفكير في كل المفاهيم الإنسانية عن الحب والموت والمغامرة والاكتشاف وعظمة الإنسان وتفاهته في آن واحد!
كتاب «جابو» قامت بإطلاقه دار النشر التي أصدرته في مهرجان «القش الأدبي»Hey Festival الشهير في بلدة «كارتيجانا» بكولومبيا، ولاقى وقت صدوره استحسانا كبيرا من الجمهور والنقاد على مستوى العالم، فهي المرة الأولى التي يتم فيها تناول سيرة ماركيز في كتاب كوميكس. يقع الكتاب في أربعة أجزاء، كل منها يتناول مرحلة أو محطة من حياة «جابو» الشهير بماركيز.

اقرأ أيضا