الاتحاد

تقارير

هل الانتفاضة الفلسطينية الثالثة وشيكة؟

دان مورفي
محلل سياسي أميركي


الوضع الراهن بين الإسرائيليين والفلسطينيين، مثلما يوصف في كثير من الأحيان «لا يطاق». ولكن الأشياء التي لا تطاق من الناحية الخطابية كثيراً ما تطاق لفترات طويلة من الزمن. وهكذا، فإذا كانت «عملية السلام» الإسرائيلية- الفلسطينية قد ماتت تقريباً منذ سنوات، مع استمرار التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية، وقيادة سلطة فلسطينية لم تعد قادرة على تقديم أية تنازلات، وجمهور فلسطيني محبط وغاضب، فإن الوضع القائم ما زال على حاله على رغم كل ذلك.
والواقع أن توقع انتفاضة فلسطينية ثالثة أمر مألوف منذ سنوات -وتحديداً منذ اللحظة التي انتهت فيها الانتفاضة الثانية في عام 2005. وقد ازدادت تلك التوقعات مع عرقلة قيام دولة فلسطينية مستقلة مرة أخرى، وهو الوعد الذي أتى به اتفاق أوسلو عام 1993. غير أن تلك التوقعات فشلت باستمرار في التجسد على أرض الواقع حتى الآن.
وفي الأسبوع الماضي، كان ثمة حديث عن الانتفاضة مرة أخرى عقب موت الشاب الفلسطيني عرفات جرادات في سجن إسرائيلي خلال عطلة نهاية الأسبوع. وكانت التقارير الإسرائيلية الأولى أشارت إلى أنه لم يتسن تحديد سبب موت جرادات، ولكن بعض المجموعات الفلسطينية شددت على أنه تعرض للتعذيب عندما كان معتقلا، واندلعت احتجاجات غاضبة في الضفة الغربية خلال جنازته. وكانت إسرائيل قد أوقفت جرادات في أوائل فبراير بتهمة رمي المستوطنين بالحجارة في نوفمبر الماضي، خلال مواجهة إسرائيل مع «حماس» في قطاع غزة.
وكانت مشاعر الغضب عارمة في بلدة سعير، مسقط رأس جرادات، بالقرب من الخليل حيث تم دفنه. وقد كانت كريستا كايس هناك ووصفت المشهد كالتالي: «كان الناس في كل مكان، على أسطح المنازل وعلى الشرفات وفي المساحات المحيطة بساحة البلدة عندما نقل نعش جرادات محمولا على الأكتاف في جنازة حاشدة».
وهناك الآلاف من الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، ويقول نشطاء إن قرابة 3 آلاف منهم خاضوا إضراباً عن الطعام خلال عطلة نهاية الأسبوع احتجاجاً على موت جرادات. وإذا كان موت هذا الأخير قد ينظر إليه، من الخارج، باعتباره مأساة بسيطة -شاب غاضب يقوم برمي الحجارة، فيتعرض للتوقيف بتهمة الاعتداء، ولكنه للأسف يصاب بالمرض وهو رهن الاعتقال- فإن تلك ليست هي الطريقة التي ينظر بها الفلسطينيون إلى ما حدث على الإطلاق.
فالمستوطنة التي كان يحتج عليها جرادات -كريات أربع- يبلغ عدد سكانها قرابة 7 آلاف نسمة وتقع إلى شرق مدينة الخليل الفلسطينية، على بعد نحو 18 ميلا إلى الجنوب من القدس، أي في عمق الضفة الغربية التي يفترض أن تشكل في نهاية المطاف أساس الدولة الفلسطينية المقبلة. كما أن الجيش الإسرائيلي يسيطر على معظم الطرق في المنطقة، ويفرض قيوداً على تحركات الفلسطينيين فيها. وهناك أيضاً مستوطنة صغيرة للصهاينة المتدينين الملتزمين يقوم بحمايتها الجيش الإسرائيلي في وسط الخليل، وهي مدينة يناهز عدد سكانها 100 ألف فلسطيني يلح اليمين الديني في إسرائيل مع ذلك على أن يتم ضمها في الأخير إلى دولة إسرائيل، نظراً لأنها تحتضن الحرم الإبراهيمي، حيث يعتقد كل من المسلمين واليهود أن النبي إبراهيم مدفون فيها.
والواقع أن المستوطنات المحلية ووجود الجيش الإسرائيلي يمثلان تذكيراً دائماً للفلسطينيين في المنطقة بأنهم لا يمارسون أي سيادة حقيقية. كما أن العلاقات بين المستوطنين والفلسطينيين في المنطقة مشحونة بشكل خاص، حتى بمقاييس النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني.
فالخليل هي المدينة التي أقدم فيها المستوطن باروخ جولدشتاين على قتل 29 فلسطينياً وهم يصلون في المسجد الملحق بالحرم الإبراهيمي في عام 1994، والمواجهات الصغيرة هناك شائعة ومألوفة. وبالتالي، فبغض النظر عن الحقائق بشأن موت جرادات -الإيذاء البدني في السجن أو لا شيء من ذلك تماماً- فإنه رمز لجذور الإحباط الفلسطيني. ذلك أن السلطة الفلسطينية، بقيادة الرئيس محمود عباس ورئيس الوزراء سلام فياض، لم تتحصل على وقف توسع الاستيطان، ناهيك عن تأسيس الدولة.
ويقول يوسف منير، مدير تنفيذي لـ«صندوق القدس»، وهو مجموعة غير ربحية تدافع عن الفلسطينيين ويوجد مقرها في واشنطن، إنه إذا كانت انتفاضة أخرى واردة، فإنها من غير المحتمل أن تندلع قريباً. ولكنه يحذر في الوقت نفسه من أن ذلك لا يعني أن مواصلة السياسات القديمة نفسها أمر يمكن استمراره، ويوضح ما يقصد بقوله: «لا أعتقد أننا سنشهد تجدداً لمقاومة مسلحة من النوع الذي رأيناه في الماضي، على ذلك المستوى، قريباً.
ذلك أن سيطرة السلطة الفلسطينية على الأسلحة أشد وأقوى اليوم من أي وقت مضى، وخاصة في الضفة الغربية»، مضيفاً «ونظراً لكون استمرارية السلطة الفلسطينية نفسها تعتمد على ما إن كانت إسرائيل أو الولايات المتحدة تسمح بوصول التمويل إليها، فإنها لن تسمح بحدوث ذلك (انتفاضة جديدة). ولكن هذا لا يعني أن الإطار الحالي للسلطة الفلسطينية لا يمكن أن ينهار، والواقع أنه مع مرور كل يوم، نقترب من ذلك أكثر».
كما يرى منير أن موت جرادات هو، بالنسبة للفلسطينيين، أحدث مثال على افتقار السلطة الفلسطينية للقوة أمام إسرائيل، على رغم أن سلطتها، بشكل عام، ليست موضوع طعن بين الفلسطينيين في الضفة الغربية إذ يقول: «إن جوهر المشكلة هو مأزق السلطة الفلسطينية الصعب، حيث لديك هذه السلطة التي من المفترض أن تدافع عن الأهداف الوطنية الفلسطينية، وأولها بالطبع تقرير المصير وإنهاء الاحتلال... ولكن في الوقت نفسه ليست لديها القدرة على الدفاع عن هذه الأهداف لمحدودية إمكانياتها، ولتحكم الطرف الآخر في مصادر مهمة من مواردها المالية».
وهذا التعليق يحيل إلى بروتوكول باريس من اتفاق أوسلو، الذي ينص على أن تتولى إسرائيل جباية ضرائب السلطة الفلسطينية، على أن تقوم بتحويل تلك الأموال إليها. ولكن إسرائيل تعمد بشكل روتيني إلى تأخير نقل الأموال كشكل من أشكال الضغط على السلطة الفلسطينية.
وعلى سبيل المثال، فبعدما نجح الفلسطينيون في الحصول على وضع مراقب في الأمم المتحدة في نوفمبر الماضي، وهو شيء كانت تعارضه إسرائيل بشدة، أمر نتنياهو بوقف نقل أموال الضرائب. وبالنظر إلى أن تلك الضرائب تشكل نحو ثلثي عائدات السلطة الفلسطينية، فقد دفع ذلك الحكومة الفلسطينية إلى حافة الأزمة المالية.
ونتيجة لذلك، لم تصرف رواتب موظفي السلطة (التي تعتبر أكبر مشغِّل في الضفة الغربية)؛ وكان هذا عاملا أساسياً في ضيق الأمزجة أكثر في المنطقة. ورداً على الاضطرابات التي اندلعت خلال عطلة نهاية الأسبوع، قررت إسرائيل الإفراج عن بعض عائدات الضرائب على الأقل، بإيعاز من ضباط كبار في الجيش على ما يبدو.
وفي هذا الإطار، نقلت صحيفة «هآرتس» عن ضابط كبير من القيادة المركزية للجيش الإسرائيلي قوله: «إننا نعتقد أن ثمة علاقة بين استقرار السلطة الفلسطينية وقدرة أجهزتها الأمنية على العمل، والموضوع المالي»، مضيفاً «إن موقفنا ثابت: لابد من دفع الرواتب».
ويشير ذلك القرار، الذي يمكن أن يهدئ شيئاً ما من التوتر على المدى القصير، إلى أخطار على المدى الطويل للوضع الراهن. وذلك لأنه يبعث برسالة مؤداها أنه بدون اضطرابات، فإنه من الصعب جداً على الفلسطينيين انتزاع تنازلات من الإسرائيليين.
وفي هذا السياق، يقول منير إن ذلك أحد الأسباب التي تجعله يشعر بالإحباط من التكهن بشأن ما إن كانت انتفاضة فلسطينية جديدة قد باتت وشيكة: «فمن خلال طرحنا للسؤال بهذه الطريقة -هل نحن في بداية الانتفاضة المقبلة؟- نعرِّف ذلك باعتباره وضع أزمة. والحال أنه في غياب انتفاضة، وهو ما نشهده اليوم، فإنه ما زال هناك الاحتلال العسكري الذي يضيق الحياة على ملايين الناس. وبالتالي، فنحن نساهم في فكرة أن أزمة حقوق الإنسان هذه يمكن أن تطاق».
ويضف قائلا: «ولكن لماذا قد ترغب (إسرائيل) في إنهائه؟ فالفوائد مرتفعة والتكاليف منخفضة؛ وبالتالي، فإلى أن تتغير المعادلة، فإنهم لن يغيروا مقاربتهم. إنه من غير المعقول أن نتوقع خلاف ذلك، ومن الخطير أن تكمن تلك الأسطورة في الوصفات السياسية لأن ذلك يفضي في نهاية المطاف إلى تصريحات من قبيل: «حسناً، إذا أعدنا الطرفين إلى طاولة المفاوضات، فربما ينجحان في التوصل إلى حل ما».
وعلى أي حال، فإن الوضع الراهن ما زال على حاله الآن، حيث الوضع اليوم أهدأ من الأمس. ويبدو أن ما لا يطاق سيُطاق لبعض الوقت.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا