الاتحاد

دنيا

معجم ويبستر أوصاف مخجلة للعربي وتزوير لمفهوم معاداة السامية


تحقيق ـ صبحي بحيري:
عندما أورد معجم 'لاروس' الفرنسي تعريفاً للبخيل على أنه يهودي لم يسكت يهود العالم على هذا التعريف رغم ارتباطه في الواقع بالشخصية اليهودية، وتآزرت الجهود واضطر القائمون على المعجم إلى سحب نسخة من الأسواق والاعتذار رسمياً لكل اليهود··· لكن عندما أورد معجم 'ويبستر' الذي تصدره شركة مريام ويبستر الأميركية 20 تعريفاً للعربي حملت كل الصيغات الخبيثة أخفها المتشرد، المتسكع، الفوضوي، اللاأخلاقي، الغبي، الشخص غير السوي، المنحرف، العوّام، العالة، المنبوذ، الشحاذ، التائه، الزائغ، الأخرق، البائع المتجول، مدرب الصقور المتصيد بواسطتها، المساوم، والمضارب في مزاد علني لم يحرك العرب ساكناً رغم كثرة منظماتهم وهيئاتهم الرسمية!
هذا القاموس الأكثر انتشاراً والذي لا تخلو منه مكتبة جامعية استطاع مؤخراً أن ينحت ترجمة جديدة لمعاداة السامية تقول: إن كل من تعاطف مع أعداء دولة 'إسرائيل' هم معادون للسامية· ورغم أن العديد من الأكاديميين العرب خاطبوا الشركة احتجاجاً على هذه الأوصاف التي لا تليق وصححوا تعريف 'معاداة السامية' الذي أصبح سوطاً تلهب به 'إسرائيل' ظهر كل محتج على سياساتها· إلا أن الشركة أكدت أن ما ورد في قاموسها لا يمكن تعديله الآن، ولماذا الآن طالما أن هذا القاموس متداول منذ سنوات وتقوم مكتبات عربية عريقة على توزيعه؟
والأنكى أن الإجابة أفادت أيضاً بأنه 'سوف ينظر في الأمر بعد سنوات عندما يحين موعد طبع النسخة الرابعة من هذا القاموس المشبوه'· وحتى ذلك الحين علينا نحن العرب أن نؤمن بأننا فوضويون وأغبياء ومتسكعون ولا أخلاقيون وأن معاداة أي منا لدولة إسرائيل بل حتى التعاطف مع إخواننا في الأرض المحتلة يضعنا تلقائياً في خانة معاداة السامية التي هي جريمة أقرها الكونجرس الأميركي!
إن 'ويبستر' يضع الأساس الثقافي واللغوي لمفهوم العربي أمام الرأي العام، وهذا الأساس يشكل مفهوماً ثابتاً حول الشخصية العربية، وبذلك ترسخ العنصرية ضد كل ما هو عربي·
في الطبعتين الأولى والثانية من القاموس لم يكن العرب يحملون كل هذه الأوصاف لكن الطبعة الثالثة التي صدرت قبل سنوات قليلة كشفت أننا أصبحنا - كما ترى الشركة الأميركية - لا ساميين حيث وضعتنا جميعاً في خانة الاتهام بمعاداة السامية التي تعني بالنسبة لها 'إسرائيل'·
ولأن مؤسساتنا الرسمية على امتداد الوطن العربي مشغولة بما هو أهم (!) فقد تصدت مجموعة من أساتذة الجامعة والأدباء لقاموس الشركة وبدأوا في مخاطبتها باعتبارهم عرباً··· لكن الشركة التي تصدر القاموس رأت أيضاً أنهم يحملون صفات العربي ولم تستجب لتصحيحاتهم فتكونت جمعية المترجمين العرب في بلجيكا وانضم إليها أكثر من 2000 مثقف ومترجم وأديب عربي لتبدأ المواجهة عبر القنوات الشرعية·
تزوير
د· طاهر بادنجكي أستاذ اللغة الإنجليزية بجامعة الاتحاد وأحد مؤسسي الجمعية لا يشغله شيء أكثر من افتراءات ويبستر، يقول: 'أتابع قواميس الشركة منذ سنوات لكن الطبعة الثالثة المنشورة الآن على الإنترنت وكذلك معجم المرادفات 'المكنز' حوت الكثير من المغالطات والأكاذيب، فلو قام أي طالب بحث بإدخال كلمة )barA( لوجد أن القاموس المذكور يعطي ما يقارب 20 مرادفا لكلمة عربي أقلها: المتشرد والمتسكع والفوضوي والغبي إلى جانب صفات لا أخلاقية يصعب وصفها وهذه الحقيقة تنافي القيم الأخلاقية والاجتماعية لقاموس علمي يقدم هذا التعريف لشخصية العربي· وما زاد الطين بلة أن هذا القاموس قام بتزوير واضح لمعنى معاداة السامية حيث أن جميع القواميس الأخرى لا تقدم شرحاً يماثل ما يقوم به 'ويبستر'، حيث يقوم القاموس بتفسير هذا المعنى بشكل يبعد عن الدلالة التاريخية واللغوية والسياسية للكلمة· وإذا كانت القواميس الأخرى تقدم معاداة السامية على أنها معاداة لليهود فإن 'ويبستر' يرى أن معاداة السامية هي معاداة الصهيونية، ويخلط عن عمد بين اليهودية والصهيونية ثم يعطي معنى آخر أكثر إجحافاً بحق العرب والمسلمين ويقول إن المعاداة تعني التعاطف مع أعداء دولة إسرائيل، وهو ما يعني أن كل العرب معادون للسامية'·
وإذا كان الكونجرس الأميركي آخر مشروع قانوني يرى أن معاداة السامية جريمة دولية، وحيث أننا جميعاً متعاطفون مع الشعب الفلسطيني فقد وضعنا قاموس 'ويبستر' في مواجهة مع الكونجرس باعتبارنا مجرمون!
دفاع·· ولكن!
في العام الماضي اقترح المترجم الفلسطيني د· عامر العظم تأسيس جمعية للمترجمين العرب وسرعان ما تم تأسيس الجمعية التي حملت اسم 'واتا' ataW انضم إليها 2000 مثقف ومترجم من جميع أنحاء العالم العربي، ونشرت الجمعية رسالة على موقعها على شبكة الإنترنت تدعو كل مهتم إلى توجيه رسالة احتجاج إلى شركة ويبستر وبالفعل تجاوب الآلاف عبر العالم العربي على هذه الرسالة ووصلت إلى الشركة عبر موقعها آلاف الرسائل·
ومع تنامي رسائل الاحتجاج وضعت الشركة على موقعها رسالة مسجلة 'سيتم تعديل هذا القاموس بعد 7 سنوات' بحجة أن التعديل في الوقت الحالي سوف يكلف الشركة الكثير بالإضافة إلى عدم إمكانية ذلك، لكن لم تستطع الشركة تفسير عدم تغيير المصطلحات في 'المكنز' الذي يصور كل عامين وتقوم على توزيعه مكتبة لبنان·
في مارس الماضي بدأت جمعية المترجمين العرب 'واتا' حركتها لمواجهة افتراءات 'ويبستر' ولأنها جمعية وليدة تأسست في بلجيكا فقد خاطبت اتحاد المحامين العرب لمساندتها في إقامة الدعوى القضائية ضد الشركة· ثم خاطبت الجامعة العربية ولما لم تجد الجمعية آذاناً صاغية من هذه المؤسسات بدأت حركتها· وكما يقول مؤسس الجمعية عامر العظم 'تم تشكيل لجنة لرفع الدعوى القضائية في بلجيكا، وباستشارة د· عبد الرحمن سليمان عضو الجمعية الذي قام بالاتصال ببعض المحامين في بلجيكا وعندما أكد المحامون إمكانية رفع الدعوى أمام القضاء البلجيكي بدأت الجمعية في جمع المستندات التي تؤكد إدانة الشركة'·
حكاية 'ال' التعريف
يقول العظم: 'حال صدور حكم من القضاء البلحيكي نستطيع بعد ذلك رفعه إلى محكمة العدل الدولية'·
ويضيف العظم: 'الطبعة الثالثة من ويبستر كانت مقصودة بدليل أن هذه التعريفات للعربي لم تكن موجودة في الطبعات الورقية، وعلينا أن نتعلم من التجارب السابقة التي وضعتنا دائماً في خانة المتهمين وأضاعت حقوقنا حتى في مجلس الأمن· خذ مثلاً 'ال' التعريف في القرار ''242 لقد دخلنا في حلقة مفرغة منذ صدور هذا القرار حتى الآن بسبب 'ال' التعريف التي تحدثت عن الانسحاب الإسرائيلي من الاراضي أو 'أراض' عربية محتلة عام ·1967 والأمر نفسه يحدث مع مصطلح الإرهاب، إنهم يلجأون عند صوغ هذه المصطلحات إلى المغالطات اللغوية لحشرنا في زاوية الدفاع عن النفس'·
يتابع عامر العظم: 'عندما خاطبنا المسؤول عن طباعة هذا القاموس قالوا: إننا نرجع إلى مصادر من القرن الرابع عشر وسألناهم لماذا لم تسجلوا هذه الصفات في القواميس الورقية؟ ولم نتلق أي رد سوى أننا سوف نعدل هذا في الطبعة الجديدة بعد 7 سنوات مع أن التعديل على النسخة الإلكترونية لا يستوجب أي جهد'·
رسالة ورد
ولأن مكتبة لبنان وناشرين آخرين يقومون بتوزيع القاموس المشبوه فقد خاطب رئيس الجمعية الدكتور عامر العظم رئيس دائرة المعاجم بمكتبة بيروت حمد شفيق الخطيب بأهمية وقف توزيع القاموس، وجاء في رسالته له: 'إننا إذ نثني على قيامكم بمراسلة شركة ويبستر واعتراضكم سابقاً على تلك المداخل، إلا أننا نستغرب استمرار مكتبة بيروت في توزيع المعجم الذي يسيء إلى أمتنا إساءة كبيرة لأنه لا يعقل أن يقوم بعض أبناء هذه الأمة بالدفاع عن شرفها في وقت تصمت فيه الجامعة العربية والمؤسسات الثقافية الأخرى صمتاً غريباً فإننا لا نستطيع السكوت على قيام البعض الآخر بالاستمرار للترويج لهذا المعجم واقتنائه'·
وجاء رد أحمد شفيق رئيس دائرة المعاجم بمكتبه لبنان وعضو مجمع اللغة العربية في القاهرة وعمّان ودمشق والقدس فإنه بحكم موقعه أول من اطلع على هذه التعريفات، وقد 'قمت بذلك فعلاً منذ أكثر من عشرين عاماً· فقد اتصلت بشركة ويبستر عاتباً عليهم ومعترضاً على انعدام الموضوعية والواقعية والأمانة العلمية واللباقة الأدبية في بعض تعريفاتهم وكانت النتيجة ايجابية حيث ألغي المفهوم السيئ للمدخل 'barA' وحذف المدخل 'barA teertS' من جميع معاجم ويبستر منذ أوائل الثمانينات'·
وأضاف الخطيب: 'نحن لسنا وكلاء ويبستر - بل نوزع لهم كما لسواهم مما لا اعتراض عليه، ونؤكد أن مكتبة لبنان لا تتعامل إلا مع المعاجم الورقية وأن انصياع شركة ويبستر لاعتراضاتنا وقيامهم بإلغاء كل ما يمس العرب والعروبة والإسلام والمسلمين من معاجمهم التي نوزعها لن يمنعنا في مكتبة لبنان ودائرة المعاجم فيها من المشاركة في الاعتراض على إصداراتهم التي تحوي مواد مشينة مرفوضة أدبياً وعلمياً واجتماعياً وأكاديمياً·
فنتيجة لتفاعل القضية في منتديات الانترنت وانضمام الآلاف من المثقفين والأكاديميين العرب إلى الحملة التي تستهدف ثني الشركة عن موقفها المعادي للعرب والمسلمين والمساند بلا دليل للصهيونية، دعت المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة 'الايسيسكو' ناشر القاموس إلى تصحيح الأخطاء والافتراءات والمغالطات عن العرب والمسلمين التي تضمنتها الطبعة الجديدة منه·
ووجه د· عبدالعزيز التويجري المدير العام للمنظمة الإسلامية رسالة باسم المنظمة التي تضم في عضويتها 51 دولة إلى رئيس التحرير لتدارك المغالطات في ملحق خاص في الطبعة المقبلة من هذا القاموس والاعتذار باسم المؤسسة للمسلمين في العالم·
أيضاً دعا مكتب مقاطعة إسرائيل التابع للجامعة العربية في اجتماعه الذي عقد في دمشق الشهر الماضي إلى مقاطعة معجم ويبستر الأميركي وإلى أن تتحرك الجامعة العربية أو مجمع اللغة العربية 'أو أي مؤسسة عربية أخرى لمخاطبة الشركة الأميركية، تظل حركة جمعية المترجمين العرب وحيدة في مواجهة الشركة التي طرحت نسختها الإلكترونية من القاموس بعد الحادي عشر من سبتمبر عام ·2001

اقرأ أيضا