الإمارات

الاتحاد

أحمد الصادقي: رواج فتاوى «الفضائيات» مرجعه الأمية وغياب الفكر النقدي

لكبيرة التونسي (أبوظبي) - أكد الدكتور أحمد الصادقي أستاذ الفلسفة ومناهج البحث بمؤسسة دار الحديث الحسنية للدراسات الإسلامية العليا بالرباط عضو اللجنة العلمية لـ «منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة»، أن هدف العلماء المفكرين في المنتدى ليس هو المشاركة المباشرة في توجيه السياسة، وإنما تقديم النصيحة للأمة من أجل أن تتحد وتتوحد تحت راية السلم والسلام، فالدين الإسلامي الحنيف هو دين السلم بامتياز، مؤكداً أن الإسلام هو دين الفطرة، قاصداً بذلك أن الإنسان عموماً يولد طيباً محباً لأخيه المسلم، ويولد ممثلاً بالمحبة الفطرية في كيانه.
وأشار الصادقي إلى أن العوامل، التي تؤدي إلى التشتت والتمزق ليست من الإسلام في شيء، وإنما قد يكون سببها - حسب اعتقاده - هو ميل الناس إلى المصالح المباشرة، والمنافع الشخصية التي تنظر من حيث المصالح إلى الكيان الكوني للأمة الإسلامية وللإسلام، ويضيف: «من هنا، فإن المنتدى يندرج ضمن تذكير المسلم بأنه حقاً مسلم، وهذه الأحقية هي التي ينبغي أن تجعله ينادي بالسلم والسلام، دون أن يتساءل: لماذا حصل هذا التمزق في كياننا الإسلامي؟ وإنما ينبغي أن يتساءل حول كيفية دعم وتعزيز السلم والسلام».
وقال الصادقي، إن أغلب المسلمين في العالم العربي لا يعرفون الإسلام من خلال القرآن، وإنما من خلال الفقهاء، وأشار إلى أن ذلك أمر خطير.
فكر الوحدة والتوحيد
وأشار الفيلسوف الصادقي، الحاصل على «جائزة المغرب للكتاب» عن كتابه في صنف العلوم الإنسانية والاجتماعية، أن التمزق والحروب والفتن التي يعيشها العالم العربي لها مرجعية تاريخية، مؤكداً أنها دخيلة على المجتمعات العربية، وقال «يمكن أن نقول إن هذه الفتن الحاصلة لها تاريخ مرتبط بالاستعمار الذي لعب دوراً في التحولات التي وقعت في العالم العربي، وأغلبها يأتينا من الخارج، وليست آتية من تاريخنا الداخلي؛ ذلك أن عامل التوحد حول راية الإسلام جعله العامل الأساسي الموجه لفكر العالم الإسلامي ولطاقاته العلمية فالإسلام هو فكر الوحدة والتوحيد».
وأرجع الدكتور الصادقي أن ما يقوم في العالم العربي من تصديق للفتاوى وما يروج في بعض «الفضائيات» من تعزيز لبعض المفاهيم الخاطئة، إنما مرجعه إلى الأمية وغياب الفكر النقدي لدى الكثيرين، والظاهرة لا يمكن تفسيرها من عامل واحدٍ، حسب الصادقي، وإنما من المنطلق التحليلي والمنهجي، وقال: «تتضافر عوامل كثيرة، وهي التي تؤدي إلى بروز الظاهرة التي تحتل فيها هذه العوامل نسباً مختلفة في ظهورها، وانطلاقاً من هذا المبدأ التحليلي، يمكن أن نسجل أن التشتت في الفتاوى مثلاً يرجع إلى النزعة (الفردانية) الضيقة التي لا تؤسس نفسها على تاريخ الأمة، كما أن انتشار الأمية وتفشيها في العالم العربي أدى إلى تصديق كل ما يقال، إلى جانب أمر ثالث، وهو أن الإسلام عند أغلبية الناس في مجتمعنا لا يفصلونه عن الفقيه، فالفقيه عندهم هو الإسلام أياً كانت خلفيته الثقافية أو الفكرية، ويضعون فيه الثقة العمياء، وهذا الأمر يمكن تفسيره إنتروبولوجياً، بحيث إن أغلب المسلمين في العالم العربي لا يعرفون الإسلام من خلال القرآن، وإنما من خلال الفقهاء. وكل فقيه له وجهة نظر، وقد لا تصل هذه الوجهة إلى وجهة نظر بالفعل، بحيث تبقى مجرد انفعال قد يواجه بها المفتي فقيهاً آخر».
ورأى الدكتور الصادقي أن الأمر أصبح ملحاً لخلق مؤسسة إفتاء لدى كل دولة تسهر عليها وزارات الأوقاف في البلدان الإسلامية، وتجتمع فيما بينها لإصدار فتاوى تهم الأمة الإسلامية في مؤسسة أكبر، نطلق عليها اسم «الفتوى الإسلامية»، في القضايا المهمة والكبرى يرأسها مثقفون وعلماء كبار، يشهد لهم بعلمهم وتقواهم، وعدم انتمائهم إلا إلى الصدق والمحبة، وهذا الأمر من المتوقع أن ينبثق من منتدى «تعزيز السلم في الدول المسلمة».
الحراك الفكري
وأكد الصادقي ضرورة التمييز بين الفكر والرأي، موضحاً أن الرأي غالباً ما يميل إلى العلاقة الشخصية، بحيث ينقل الرغبات ويظهرها بمظهر المعرفة والعلم، بينما الفكر يعبر عن مشكلات اجتماعية، ويسعى لحلها من أجل أن يعم الوفاق والوئام مختلف العلاقات التي تقوم بين البشر؛ «لهذا ينبغي التمييز بين الفكر والرأي.. وأنا شخصياً أرى أن في الحوارات التي تدور في عالمنا اليوم أنها غلبت الرأي على التفكير؛ لأننا نلاحظ أن الرأي ينقل الرغبات الشخصية، بينما الفكر يعبر عن مشكلات اجتماعية، والفكر ليس عملاً عقلياً فقط، وإنما هو أيضاً مرتبط بالصورة وبالخيال وبالعواطف السلبية والإيجابية للإنسان، وبناءً عليه فإن الحديث عن الفكر هو حديث عن عملية إخراج الإنسان من قوقعته من أجل أن ينفتح على الآخرين، وعليه فإن الفكر الفلسفي في حقيقته فكر كوني لا يصنع حصوناً وقلاعاً، وإنما يجعل الإنسان منفتحاً على نفسه وعلى الآخرين بجعله ملتزماً بما بقول الحقيقة وبقول الصدق، كما يجعله في خدمة المجتمع الذي يعيش فيه، ويعبر عن مشكلات عصره، ويسعى لإيجاد حلول لها على الصعيدين المحلي والكوني، دون أن يلجأ بأي وجه من الأوجه إلى العنف والقوة وما جاورهما».
معلم الابتدائي أولاً
وشدد المفكر الصادقي على أهمية التربية والتعليم ورهن حل بعض المشكلات، التي تتخبط فيها المجتمعات المسلمة، والتي هي ذات علاقة بأطفالها وشبابها بمسألة التعليم، وقال: الحل يكمن في التربية والتعليم، وشرح المفكر الصادقي أحوال الشباب اليوم، وقال إنهم أصبحوا يتجهون إلى الاستهلاك أكثر من الإنتاج، موضحاً أن ذلك يمكن رده إلى عوامل عدة: «سواء تعلق الأمر بالشباب أو الأطفال ذكوراً وإناثاً، فإنهم يعيشون أحوالاً معيشية يمكن أن نصفها بأوصاف مختلفة، بعضها قد يكون إيجابياً أو سلبياً، فالشباب يتجهون إلى الاستهلاك أكثر ما يتجهون إلى تقوية قدراتهم الإنتاجية، والحل في تصوري أنه لا يوجد إلا في التربية والتعليم، وذلك منذ بدايات تكون النشء، وأنا أقترح أن يكون معلم المراحل الابتدائية مثل المعلم في الجامعة، أي يكون حاصلاً على شهادة الدكتوراه، كون المرحلة التأسيسية لها أهمية قصوى على المراحل المقبلة، وإن اختل التعليم والتربية بها اختلت كل موازين الطفل المعرفية والعلمية»، وربط الصادقي ضرورة تقوية التعليم بضرورة تقوية اللغة الأم، وهي اللغة العربية لما تتضمنه من علم، ولكونها تشكل العنصر الأساسي للهوية والتاريخ، وحتى لا يسكن أي إنسان في بلد وينتمي إلى بلد آخر، والقصد من يركزون على تعليم أولادهم لغة غير لغتهم واعتمادها لغة رسمية لهم، بحيث يصبحون يفكرون بها وجاهلين بلغتهم، وهذا لا ينفي أو يتعارض مع تعلم اللغات الأخرى إلى جانب اللغة الأم.
بنية الأسرة المسلمة
تعاني بعض الأسر المسلمة التشتت والضياع، وتعاني خللاً في تركيبتها وبنيتها النفسية والعقلية، وعليه شدد الدكتور الصادقي على ضرورة إعادة النظر في بنية الأسرة المسلمة القائمة حالياً على أن يقوم أعضاء هذه الأسرة بالتعاون والاحترام المتبادل بين مكوناتها وتربية الأطفال باللغة الأم، وقال: «إنما الإلحاح على التكوين والتربية والتعليم وصلاح الأسرة إنما هو أساس كبير يقوم عليه المجتمع البشري، فلا مجتمع دون أسرة ولا دين، كلاهما عامل استقرار وتوازن، حسب علم الاجتماع، فضلاً عن أن التربية على السلم تبدأ من الأسرة نفسها ثم المجتمع».
ويقرأ المفكر والفيلسوف الصادقي ما يجري من أعمال عنف وتخريب على مستوى ما يتعلق بترفيه الأطفال من خلال الوسائط الإلكترونية وأفلام العنف، وقال إن ذلك مرده إلى أن العالم الغربي يعيش حالة من القلق، ويعيش أزمة الحقيقة وأزمة أخلاقية، وبناءً على هاتين الأزمتين، فهو يجرب كل أعمال التخريب، الحرب والقتل تجريباً لا نهائي، ويصدرها إلى العالم أجمع، ومقاومة هذا الموضوع، رغم صعوبة ذلك، تبدأ من البيت».

اقرأ أيضا

محمد بن زايد والرئيس الإندونيسي يبحثان جهود مواجهة «كورونا»