الاتحاد

دنيا

سعاد غزال: أحلم بتعمير وطني وتعليم أبنائي النضال


حوار ـ أمل النعيمي:
خلال سنوات الاعتقالات الطويلة التي عانت منها المرأة الفلسطينية الأسيرة والمعتقلة داخل زنزانات الاحتلال، أثبتت وتثبت يوماً بعد يوم أنها عصية على كل المؤامرات التي تحط من عزيمتها وقضيتها ومبادئها· وقد خاضت الأسيرات العديد من الخطوات الاحتجاجية والاضرابات في محاولة لتوفير الحد الأدنى من المستلزمات الطبيعية للحياة··· لقاءنا التالي كان تشريفاً لنا مع الأسيرة الفلسطينية المحررة سعاد حلمي غزال التي زارت البحرين مؤخراً بدعوة من جمعية مقاومة التطبيع البحرينية لتسليط الضوء على تجربتها داخل السجون الإسرائيلية وأوضاع السجينات وكشف وتعرية الممارسات اللاانسانية على الشعب الفلسطيني بداخل أرضه·
اعتقلت سعاد حلمي غزال وهي قاصر في 15/12/98 وخرجت بعد ست سنوات، وتعد أصغر أسيرة تم إطلاق سراحها يوم الأحد 6/3/،2005 وكانت مظاهر الفرح والحزن المختلطين في نفسها معللة ذلك بشوق للأهل وحرارة لقائهم وفراق أخواتها الأسيرات اللواتي قضت معهن أكثر الأيام ظلمة وألماً وقسوة·
أسكن في قرية سبسطية في نابلس، يعمل والدي مدرسا ووالدتي كانت مدرسة سابقة· كان عمري لا يتجاوز الخامسة عشر وكنا نعيش في تلك الفترة أزمة اعتقالات واسعة في قلقيلية ونعاني بشدة من مسألة مصادرة اليهود لأراضينا واستشهاد شابين من أبناء القرية، فكنت مشحونة بالحقد والكره على اليهود· وفي صباح 15 من شهر ديسمبر ،1998 خرجت بصحبة إخوتي إلى المدرسة كعادتي، وحملت السكين في حقيبتي وصممت على طعن أي إسرائيلية أجدها أمامي من مستوطنة شافي شمرون· وراقبت إحداهن، وعندما سنحت لي الفرصة قمت بطعنها لكنني لم أتمكن من الهرب، فوقعت في قبضة المستوطنين وأوسعوني ضربا ثم أحالوني إلى مركز الشرطة في كادومين حيث استمر التحقيق معي 17 يوماً، ثم صدر الحكم ضدي بالسجن لمدة 6 سنوات ونصف، وقد كنت آنذاك أصغر أسيرة وتم إطلاق سراحي منذ أشهر قليلة بعد أن حاولوا وضع العراقيل في طريقي، إذ اتهموني بالاعتداء على مديرة السجن، لكنني استطعت إثبات براءتي أمام المحكمة العليا·
تعذيب
بالنسبة لطرق التعذيب، تقول غزال: تتنوع طرق التعذيب بين الجسدي والنفسي، كما ينطبق التعذيب بنوعيه على الأسير وعائلته، فكما يلاقي الأسير تلاقي عائلته، ومن أنواع التعذيب الجسدي: الضرب المبرح على كافة أجزاء الجسد، إلقاء الأسيرة في الماء البارد ثم في الماء الحار، الرشق بالماء البارد، الصعق بأي جهاز كهربائي، رش الغاز الأصفر المسيل للدموع والحارق للعينين، تقييد اليدين والرجلين لمدة يومين بسلاسل بلاستيكية تنغرز في الجلد كلما تحركت الأسيرة وتزداد ضيقا ومع مرور الوقت لا تكاد الأسيرة تشعر بأطرافها وتصبح باردة ومتورمة؛ وإذا استمرت عملية التقييد لأكثر من يومين، تشل الأطراف بالكامل ولن يعود باستطاعة الأسيرة استخدامهم مرة أخرى طوال حياتها؛ كما يتم منع الأسيرة من تناول الطعام أو قضاء الحاجة طوال فترة تقييدها التي قد تستمر ليومين، لقد واجهت أنا شخصيا ذلك وأصبح الأمر عاديا ومتكررا مرة أو مرتين كل شهر على أقل تقدير·
وتتنوع العقوبات: فمنها النفسية، حيث يعاقب الأسير بمنعه من زيارة الأهل التي قد تصل إلى سنوات عدة ومن مراسلتهم، إلا عن طريق الصليب الأحمر الذي يزور السجن كل 6 أشهر فقط، كما أن حجم الورقة المسموح بها لا يكفي لكتابة أكثر من 4 أسطر يختار فيها الأسير عادة ذكر السلامات فقط دون ذكر تفاصيل حياته وآخر أخباره؛ يتم حرمانه من الخروج إلى ساحة النزهة، كما يعاقب بوضعه في العزل الانفرادي ويمكن أن تضاف أشهرا أكثر على مدة حكمه· أما التفتيش العاري فهو الأكثر إذلالا ومهانة، فبمجرد خروجك من باب القسم يتحتم عليك الخضوع لذلك النوع من التفتيش، إلى جانب التحرش في الأهل واستفزازهم وتعريضهم لذلك التفتيش المذل·
حاجاتنا الإنسانية
وتضيف غزال: أن المكان الذي كنا فيه مقزز ويعج بالحشرات والفئران التي اعتدنا وجودها على طعامنا وداخل ملابسنا وفوق أرجلنا، ولا أحد يعنى بتصليح وترميم الغرف التي يعود تاريخ بنائها إلى عهد الانتداب البريطاني· نضطر إلى تحمل الرطوبة والحرارة في الصيف والبرودة القاسية في الشتاء، كما أننا ممنوعات من الهواء الطلق والشمس المشرقة، وذلك ضمن الاحتياطات الأمنية ومنعا لهروب الأسيرات، فضلاً عن طريقة طهو الطعام غير الجيدة وكمياته القليلة·
وحتى زيارة المحامين للأسرى تكون مذلة، إذ يصل المحامي الساعة السابعة صباحاً وفي نيته مقابلة 4 أسرى مثلا، ويضطر إلى الانتظار حتى الساعة الرابعة عصراً وهو موعد انتهاء الزيارة، فلا يسمح له إلا بمقابلة سجين واحد فقط ولمدة بسيطة لا تكفي، مما أدى بالمحامين إلى تقليل زياراتهم للسجون بسبب الملل والضجر·
يسمح للأسيرة بالخروج من غرفتها لمدة 3 ساعات يومياً فقط تكون عندها تحت المراقبة، مما يعني بأنها تظل وحيدة باقي اليوم، كما أن مسألة نقل الملابس مشكلة، فلا يسمح إلا بإدخال 4 قطع ملابس كل 6 أشهر عن طريق الهلال الأحمر مما يعني ضرورة تحديد أهم 4 قطع، وتتعرض الأسيرات دوماً للتهديد بهدم منازل عائلاتهن واعتقالهن مما يتسبب في تعذيبهن نفسياً·
أود ذكر بعض الممارسات الظالمة والادعاءات الباطلة التي يفتريها الإسرائيليون على الأسرى الفلسطينيين، فبمجرد خروجك من الغرفة ومواجهتك لأحد السجانين حتى لو لم يحصل خلاف أو سب أو قذف، فستجرين مباشرة إلى محاكمة داخل السجن يرأسها مدير السجن أو مسؤول القسم ويديرها عدد من السجانين ثم يفرضون عليك عقوبات مالية، وبتلك الطريقة تم نهب أكثر من 24 ألف (شيكل) من الأسيرات الفلسطينيات في شهر واحد، كما تسرق من الأسرى الفلسطينيين آلاف (الشواكل) شهريا بحجة الغرامات المالية·
لم أسمع بحادثة اغتصاب أبداً داخل السجن وأنا هناك، تقول غزال: قد يكون ذلك أجمل شيء في القانون الإسرائيلي!! إذ لا يجوز لأي ضابط أو عسكري التحرش الجنسي أو الاغتصاب وإلا فإنه يعرض للمحاكمة، قد يكون هناك تهديد لفظي بفعل ذلك، ولكننا في السجون نحاول توعية الأسيرات بالقانون الإسرائيلي كي يواجهونهم به فيضطرون للاستسلام·
الطفل·· نور
الموقف الذي مررت به داخل السجن ولا استطيع نسيانه، تقول غزال: كنا في مرحلة مواجهة مع السجانين، وأصيب نور، وهو طفل يبلغ من العمر سنة و8 أشهر ولد داخل السجن إذ كانت أمه حاملا به في الشهر الرابع عند اعتقالها، فحملوه السجانون وخرجوا به للاطمئنان على صحته، إذ كان مغمى عليه إثر استنشاقه الغاز الذي رش أثناء المواجهة ورأته إحدى الأسيرات وظنته ميتا فهرعت إليّ تخبرني، صعقت وذهلت لأنني متعلقة جدا بذلك الطفل وكان أمامي مباشرة مدير السجن، وكردة فعل ضربته وانهال عليّ السجانون بالضرب وجردوني من ثيابي وكسروا ذراعي اليمنى وحولت إلى العزل الانفرادي، بعدها زارني عدد من الأسيرات ليخبرنني بأن نور سليم ولم يمت·
وأول شيء فعلته بعد تحريري من السجن، تقول غزال: قبلت الأرض الفلسطينية، ثم أوصلت أسيرة أخرى إلى بيتها وتوجهت إلى منزلي، حيث استقبلوني في حفل رائع، ثم توجهت في اليوم الثاني إلى رام الله، حيث صادف 'يوم المرأة العالمي' وحضرنا ندوة هناك ثم زرت ضريح أبي عمار· ظللنا نستقبل الزوار لأكثر من شهرين الذين جاؤوا من كافة أرجاء فلسطين لتهنئتي بما أنني أقدم أسيرة، وفود من تنظيمات وفصائل وطنية ووفود على مستو عال من السلطة الفلسطينية، كما أقيمت على شرفي العديد من الفعاليات والمهرجانات الجماهيرية، فالشعب الفلسطيني رغم آلامه يحاول دائما أن يخلق الفرحة·
بعد هذا الغياب لابد وأن يكون تغير في شخصية، 'الأسير···'، كما تقول سعاد غزال: وهو شعوره بأنه معتاد على الاعتماد على نفسه ولا يحتاج لرعاية أحد، وعندما يخرج يشعر أنه مهما قدمت له أسرته من رعاية سيشعر بتقصيرها وبأنه يستطيع تقديم الأفضل وهو شعور عطاء وحب جميل جداً· من ناحية أخرى، يخرج الأسير من السجن وهو ملم بالوضع الخارجي أكثر من الآخرين بسبب كوكبة العمل السياسي داخل السجن، ويصبح مرجعاً وملجأ لكل شخص يطلب المساعدة، لأنه مر في أصعب الظروف واجتازها بثبات وصمد لسنوات طويلة داخل سجون التعذيب، لذلك فهو يمتلك الخبرة في العديد من الأمور·
بعد أكثر من 6 سنوات داخل جدران المعتقل، وجدت كل شيء في فلسطين تغير، فلم يعد هنالك لا بيوت ولا شجر ولا أرض ولا حجر وقد تجد صعوبة في الوصول إلى منزلك، وإن وصلت ستجد أن أحد أفراد أسرتك مغيب والمنزل محاصر والهاتف مراقب، وإن قررت الخروج ستجد أناس متعاونين مع السلطة الإسرائيلية يلاحقونك ويراقبونك، تشعر أنك في خطر دائم وقد تتعرض لاغتيال أو إطلاق نار في أية لحظة·
وجدت فلسطين في حالة فقر مدقع، فالعديد قد هدم بيته وأسر لسنوات عدة دون أن يحصل على شهادة علمية مرموقة، فيحاول البحث عن عمل ولكن للأسف لا أحد يرغب في توظيف أسير محرر حتى داخل فلسطين، ونادراً ما تجد مؤسسة وطنية تتبنى الأسرى المحررين·
من جهة أخرى، أدهشني عطش الأطفال لمعرفة حقيقة الوضع السياسي القائم في فلسطين وطموحهم وأحلامهم الواسعة في تبني القضية الفلسطينية والدفاع عن أرضهم·
فخورة بتجربتي
تجربة الأسر لا يمكنني نسيانها و دائما ما أسأل إن كنت نادمة أم لا، السجن منحى ايجابي وآخر سلبي، فنحن نوظف المنحى الايجابي ونجعله دافعاً يشحننا وسبباً للعناد السياسي·
إنني فخورة بتجربتي هذه التي تعلمت منها الكثير، فالمستوى الثقافي لدى الأسير يرتفع بشكل كبير، إذ أنه إن أمضى سنتين داخل السجن يقرأ في كل أسبوع كتابا ما، فسيخرج بحصيلة ما يقارب 100 كتاب متنوع ما بين الفن والأدب والسياسة وعلم النفس والأخلاقيات والعلاقات العامة إلى جانب تعلم اللغات، كما أن الأسير يتعلم الصبر والتحمل، يتعلم الضحك والبكاء والغضب معا في الوقت نفسه، يتعلم أن يكون في قمة الحزن بينما يبدو على ملامحه الفرح والسرور، يتعلم التحكم في عضلات وجهه كي يجتاز مرحلة التحقيق دون أن يعرف الضابط مكنون نفسه، يتعلم معرفة شخصيات المحيطين به وقراءة أفكارهم وطرقة التعامل معهم·
هل تفكرين في أن تصبحي فتاة استشهادية تفجر نفسها من أجل الوطن؟
كلا، لأننا لا نهدف إلى القتل، نحن نقتل لأننا اضطررنا لذلك، لأن الإسرائيلي لم يترك لنا مجالا إلا قتله، عندما يجتاح مدننا ويصادر أراضينا ويقتل أبناءنا، ورغم ذلك فأنا مع العمليات الاستشهادية ولكنني لا أحبذ أن تقوم بها الأمهات، إذ أنها بذلك تحرم أولادها منها وتضيع حياتهم ومستقبلهم، ولكنها تفعل ذلك بدافع الأمومة ورغبة منها في حماية أولادها من اليهود فهي ترغب في الوصول إليهم قبل أن يصلوا إلى أبنائها·
أؤمن بأنني لو أصبحت فتاة استشهادية فأكبر عدد أستطيع قتله هو 20 جنديا وبذلك أنهي حياتي، بينما أستطيع قتل أكثر من 300 جندي وأنا على قيد الحياة عن طريق إتباع إستراتيجية المقاومة التي نتعلمها·
أرغب في إنهاء دراستي، وهذه أهم طموحاتي على الصعيد الشخصي بعد خروجي من الاسر، فقد كنت في صراع مستمر مع الدولة العبرية لتكملة دراستي ولكنها كانت تصدر قرارات بمنعي من الدراسة، لذلك فإنني سأقدم امتحانات الثانوية الخاصة هذه السنة وبعدها سأدرس العلوم السياسية في جامعة القدس المفتوحة، كما أطمح إلى إنشاء جمعية للأسرى المحررين وتحقيق حقوق الأسيرات وكشف الممارسات الإسرائيلية في حق الأسرى الفلسطينيين·
أحلم كأي فتاة طبيعية أخرى بتكملة دراستي وتعمير وطني وتكوين أسرة كي أعلم أبنائي النضال وأصنع لهم مستقبلا زاهراً·

اقرأ أيضا