الاتحاد

الرياضي

بطولة آسيا 2019 عرس للتبادل المعرفي والتسامح الثقافي

مقام سلطان سنجار في تركمانستان (الاتحاد)

مقام سلطان سنجار في تركمانستان (الاتحاد)

محمود إسماعيل بدر (أبوظبي)

النّسخة الأكبر في تاريخ بطولة آسيا تستضيفها الإمارات بمشاركة 24 منتخباً للمرة الأولى، وإقامة 51 مباراة موزعة على 4 مدن هي أبوظبي، دبي، الشارقة، العين. والدول المشاركة هي كوريا الجنوبية، اليابان، تايلاند، السعودية، أستراليا، أوزبكستان، إيران، سوريا، العراق، الصين، فلسطين، سلطنة عمان، الهند، لبنان، تركمانستان، الأردن، البحرين، فيتنام، قيرغيزستان، كوريا الشمالية، الفلبين، اليمن، وقطر.
لكن الأهم في الجانب الآخر من هذا الحدث الرياضي هو تلك الأرضية المشتركة، والأبعاد الثقافية التي تربط بين دول آسيا والإمارات وفق معادلة الرياضة والثقافة، وأولها ما يبرز من قواسم مشتركة بين الإمارات وهذه الدول هو الدفاع عن قيم التوسّط والاعتدال، ومواجهة التطرف والإرهاب، وتعزيز مبادئ حوار الحضارات والثقافات والأديان، بما ينسجم وذلك التناغم الجميل واستراتيجية الدولة في تكريس مفهوم أمثل للأمن الثقافي العالمي.
والمشتركات الثقافية والحضارية التي تجمع بين مكونات آسيا الجغرافية والبشرية تعود لعوامل عديدة لعل أهمها أن شعوب هذه المنطقة كانت تتطلع دوماً إلى مثل أعلى يعبر عن قيمها، وإلى إطار يحقق مصالحها. وفي السيرة التاريخية لوصول الإسلام إلى آسيا، مثال حيّ على عملية التبادل الحضاري. إذ يكاد يكون الدين الحنيف، هو الوحيد الذي جذّر حضوره بين شعوب المنطقة بدعوة الحق. فقد وصلت الدعوة المحمدية مع وفود التجار. ويقال إن الإسلام وصل إلى مانيبور (شمال شرق الهند) سنة 615م عن طريق ساحل شيتاجونج في عصر التجارة عبر طريق الحرير (براً وبحراً).
كما وصل الإسلام إلى ولاية كيرالا (مالابار)، جنوب الهند بشكل رئيسي عبر الشواطئ، حيث إنه وفقاً للقصص المحلية توافد العرب مع بعض الصحابة، خصوصاً مالك بن دينار، حيث نشروا هناك دين الإسلام. وبنى مالك أول مسجد له سنة 629 في مالابار.
والإسلام هو حالياً أكبر دين في آسيا (25%)، يليه الهندوسية. وبلغ العدد الإجمالي للمسلمين في آسيا عام 2010 حوالي مليار نسمة (25% من مجموع السكان). آسيا هي موطن لأكبر عدد من المسلمين، مع الشرق الأوسط (غرب وجنوب غرب آسيا)، وآسيا الوسطى وجنوب آسيا وجنوب شرق آسيا كونها مناطق ذات أهمية خاصة. 62% من مسلمي العالم يعيشون في آسيا، إندونيسيا وباكستان والهند وبنجلاديش هي الدول الأربع الأولى على قائمة دول العالم المحتضنة للمسلمين. ويمكن ربط انتشار الإسلام خارج شبه الجزيرة العربية بطرق التجارة الواسعة التي ربطت منطقة الشرق الأوسط إلى الصين.
والذي ينبغي الإشارة إليه هنا هو أن تَعامُل الفاتحين المسلمين مع أهل هذه البلاد كان السبب الرئيسي في دخولهم الإسلام عن قناعة تامَّة، وليس أدلُّ على ذلك من ترحيب أهل بلخ بالقائد المظفَّر قتيبة بن مسلم الباهلي، وأيضاً دخول عدد كبير من أهل بخارى في الإسلام عن إيمان وعقيدة بعد أن انتصر على ملكتهم (خاتون)، وكان قد أشار إليها بعد أن عقد معها الصلح بأن المسلمين لم يأتوا لاحتلال «بُخَارَى»، وإنما أَتَوْا لنشر شريعة الإسلام، وتبليغ دين الله تعالى.
وفي اعتقاد العديد من الباحثين، فإن هذه السابقة الإسلامية هي التي ساعدت على تقبّل شعوب آسيا لفكرة طريق الحرير، أي مجموعة من الطرق المترابطة كانت تسلكها القوافل والسفن وتمرّ عبر جنوب آسيا لتربط تشآن (والتي كانت تعرف بتشانج آن) في الصين مع أنطاكية في تركيا بالإضافة إلى مواقع أخرى. وكان تأثيرها يمتد حتى كوريا واليابان.
وكان لطريق الحرير تأثير كبير على ازدهار كثير من الحضارات القديمة مثل الصينية والمصرية والهندية والرومانية، حتى أنها أرست القواعد للعصر الحديث. يمتد طريق الحرير من المراكز التجارية في شمال الصين، حيث ينقسم إلى فرعين شمالي وجنوبي. يمرّ الفرع الشمالي من منطقة بلغار-كيبتشاك وعبر شرق أوروبا وشبه جزيرة القرم وحتى البحر الأسود وبحر مرمرة والبلقان ووصولاً للبندقية. أمّا الفرع الجنوبي فيمرّ من تركستان وخراسان وعبر بلاد ما بين النهرين والعراق والأناضول وسوريا عبر تدمر وأنطاكية إلى البحر الأبيض المتوسط، أو عبر دمشق وبلاد الشام إلى مصر وشمال أفريقيا.
وكان الصينيون يجوبون مياه المحيط الهندي منذ العصور القديمة السابقة للميلاد، وكانت سفنهم تقوم برحلات طويلة فيما بين الموانئ الصينية وموانئ الهند الغربية، ومثل ذلك كان يفعل العرب، فقد كانت سفنهم تبحر من موانئ الخليج العربي وساحل اليمن إلى موانئ الهند الغربية وإلى ساحل جنوب الهند، حيث يلتقون هناك بالتجار الصينيين ويحصلون منهم ومن التجار الهنود على بضائع الصين والهند ويبيعونهم بضائع الجزيرة العربية الثمينة التي كان من أهمها البخور والعطور والنحاس واللبان واللؤلؤ. وبوصول البضائع الصينية والهندية إلى موانئ الجزيرة العربية، كان التجار العرب ينقلونها على متن سفنهم وعلى ظهور قوافلهم عبر شبكة من الطرق البرية والبحرية إلى بلاد فارس وبلاد ما بين النهرين والشام ومصر وساحل الحبشة.
وقد عبرت إحدى الوثائق الأكادية القديمة عن نجاح الإمبراطور سرجون ملك أكاد (2300 ق م) في جلب مراكب مجان ودلمون وملوخة إلى ميناء أكاد، والمعروف أن مجان هي عمان ودلمون هي البحرين وملوخة هي بلاد السند، وقد حاول الفرس أيضاً منذ عصورهم القديمة مزاحمة العرب على منافع هذه التجارة.
هذه الخلفية الحضارية والسياسية والتجارية التاريخية، ما زالت تمثل القاعدة الصلبة لعلاقات التبادل الثقافي بين مكونات القارة الآسيوية، ومن أكثر التعبيرات المؤسسية عنها حالياً رابطة دول جنوب شرق آسيا، المعروف اختصاراً باسم (آسيان) وهي منظمة معنية باقتصاد المعرفة، ومقرها داخل وزارة الخارجية الإندونيسية بجاكارتا وتضم 10 دول في جنوب شرق آسيا، هي: سنغافورة، ماليزيا، إندونيسيا، تايلاند، بروناي، لاوس، كمبوديا، بورما، فيتنام، الفلبين. وتؤكد (آسيان) على أهمية تسريع النمو الاقتصادي وتحقيق التقدم الاجتماعي والتنمية الثقافية في جنوب شرق آسيا من خلال عمل مشترك يقوم على روح التعاون والتكافؤ، والمشاركة من أجل تعزيز قواعد مجتمع مزدهر يسوده السلام والمحبة وتكريس مفهوم الهوية الثقافية، باعتبارها محصلة التجارب التاريخية لدولة ما، كالحروب والصراعات والخبرات التاريخية التي أخرجت منها هذه التجارب، وباختصار تعتبر الهوية الثقافية المظلة التي تجمع أفراد المجتمع على اختلاف خلفياتهم الثقافية.
إن آسيا هي القارة الأم وهي معقل الثقافات الحقيقية ذات الأبعاد الإنسانية الخالصة، وهي أيضاً مصدر الانتماءات المعروفة، لذلك وبلا ريب فنحن نستمد جزءاً كبيراً من توجهاتنا السياسية والثقافية من هذه الرقعة في العالم.

الأدب على «طريق الحرير»
نشرت صحيفة «ليتيراتورنايا جازيتا» (الجريدة الأدبية) الروسية الأسبوعية الشهيرة في عددها الصادر بتاريخ 24 سبتمبر 2014، مقالاً طويلاً بقلم الصحفية انستاسيا يرماكوفا بعنوان: «طريق الحرير الجديد» تناولت فيه مضمون جلسة الطاولة المستديرة التي نظمتها إدارة تحرير الجريدة لأعضاء المكتب التنفيذي لاتحاد أدباء آسيا وأفريقيا، وجرى حديث طويل في هذا اللقاء حول الجريدة التي أسسها الشاعر بوشكين في القرن 19، والمراحل التي مرت بها، وما نود الخروج به من هذا الحديث، هو مدى تأثير أدباء وكتّاب آسيا في الثقافة العالمية، حيث أعلن خلال هذا اللقاء أن الجريدة المذكورة تفتح صفحاتها أمام أدباء آسيا وإفريقيا ومشروعهم حول طريق الحرير الثقافي، ثم التأكيد على جهود اتحاد أدباء آسيا في تعزيز الثقافة الآسيوية في بلدان أميركا اللاتينية على وجه الخصوص.
في السياق نتذكر أهم العجائب الثقافية في إندونيسيا، ومنها على سبيل المثال لا الحصر مسرح باتاك الذي يقدم أعمالاً من الأدب الإندونيسي، وكلاسيكيات تحظى بإعجاب العالم وبخاصة في المهرجانات الثقافية، كما يقام في هذا البلد الآسيوي العريق عدد من المهرجانات الشعبية التي تعكس ثقافة الإندونيسيين، وهويتهم، ومنها مهرجان مهم بعنوان (مهرجان وادي بالييم) وهو تجربة فنية باهرة.

نحن والهند: التعددية والتسامح
على مستوى جمهورية الهند، فإن الحضور الذي تمثله هذه الدولة شبه القارة، يمنحها وزناً استثنائياً على الصعيدين الإقليمي والدولي. وفي هذا الإطار تتميز العلاقات التي تربط بين الإمارات والهند، وهو ما يؤكده صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، من أن «أهم ما يميز العلاقات الإماراتية - الهندية، أنها ليست علاقات سياسية واقتصادية فحسب، وإنما لها بعدها الشعبي والثقافي والحضاري المتميز أيضاً»، فهناك علاقات ثقافية وروابط قديمة بين البلدين، وعزز وجود الخبرات والكوادر الهندية على الأرض الإماراتية منذ سنوات طويلة هذه العلاقة، وأضاف إليها بعداً شعبياً مهماً، كما يربط بين المجتمع الإماراتي والهندي، سمات مشتركة كمجتمعين متعددي الثقافات، تسود فيهما قيم التسامح، والمسالمة، التي تنادي بها الأديان. وتتصف الجالية الهندية في الإمارات بصفتين رئيستين تميزانها: الأولى، الطبيعة المسالمة، والتعددية، والمتسامحة لمجتمع الهنود في الإمارات، والثانية، هي صفة راسخة الجذور، تتصف بها الجالية الهندية في أي مكان، وهي الحرص على عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة تتواجد فيها.
وهنا أيضاً ثمة علاقات ثقافية قوية ومتناغمة بين الهند ودول مجلس التعاون الخليجي التي ترى ثقافة الهند بعيون إيجابية، وما بين الإمارات والهند على سبيل المثال، هو شراكة ثقافية متنامية ومستدامة على كافة المستويات، ومن ذلك إعلان مجلس الأعمال الإماراتي الهندي.

كنوز الصين في السعودية
ترتبط الصين الشعبية والمملكة العربية السعودية بعلاقات ثقافية عميقة، ويعتبر «معرض كنوز الصين» الذي تم تنظيمه في سبتمبر 2014 في السعودية، برعاية رئيس الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز، حدثاً كبيراً في مجال التعاون الثقافي بين الصين والسعودية، كما يمثل «الحوار الثقافي السعودي - الصيني» الذي احتضنه مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، الذي انعقد في 3 يناير 2018، صورة من صور توثيق العلاقات الثقافية وتبادل الخبرات العلمية وتكثيف التعاون في المجال التعليمي وتطوير تبادل المعلومات والمعارف والتعاون الأكاديمي والبحثي.
من جهتها، تحرص مملكة البحرين على تنمية علاقاتها الثقافية مع مختلف دول آسيا، فبعد عاميها كعاصمة للثقافة العربية 2012، وعاصمة للسياحة العربية 2013، تتسع المنامة بمنجزها وأحلامها، فتطلق بوتيرة متسارعة واثقة مشاريعها الثقافية لتشمل قارة آسيا بأكملها، وذلك بعد الإعلان الرسمي لها عاصمة في مشروع مدينة السياحة الآسيوية للعام 2014، حيث أطلقت وزارة الثقافة بالتعاون مع وزارة الخارجية البحرينية بهذه المناسبة برامج ومشاريع ثقافية وفعاليات في دول مثل الفلبين، الهند، سلطنة عمان، الأردن، تعزز من استراتيجيات التبادل الثقافي مع هذه البلدان وغيرها.

اقرأ أيضا

182 ميدالية حصاد الإمارات في "العالمية"