الاتحاد

ثقافة

فتحية النمر تسرد علاقة بطعم العلقم وأخرى بمذاق الشهد

عن منشورات دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة صدرت مؤخراً رواية “السقوط إلى أعلى” للكاتبة الإماراتية فتحية النمر، في مائتين وثلاث وعشرين صفحة من القطع المتوسط، ضمن سلسلة “إشراقات”، الخاصة بالعمل الإبداعي الأول، حيث تصدر لها خلال الفترة المقبلة روايتها الثانية “الجانب الآخر للقمر” عن ندوة الثقافة والعلوم بدبي.
الأرجح أنه من غير الممكن وصف هذه الرواية بأنها “رواية العائلة”، أي أنها تنتمي إلى ذلك النوع من الرواية الذي يتناول طبيعة العلاقات السائدة بين أفراد الأسرة وتأثرها بالتراجيديا الخاصة بالعائلة، تلك التراجيديا الناشئة من خلال علاقة العائلة بالمحيط الاجتماعي والسياسي من حولها، بما يخلق تاريخا خاصا بهذه العائلة يكون متداولا على ألسنة الناس، تتعدد حوله الحكايا، ومن خلال هذه الحكايا يمكن للروائي أن يخلق متخيلا سرديا ما.
على العكس من ذلك، فطبيعة المجتمع الذي تنقل حكايته الروائية في “السقوط إلى أعلى” هو مجتمع مغلق على ذاته إلى حد ما، وما الرواية، بدلالتها الواسعة، سوى رواية محاولة كسر هذا الانغلاق الذي يكون نوعا من الحل لتجاوز الإشكاليات التي تطحن بالعائلة أو بالأحرى علاقة الزوجة بزوجها في الإطار العائلي، والناجمة في جزء منها عن التحولات الاجتماعية التي تحدث في المجتمع الإماراتي، والتي لا قِبَل لبعض الأفراد على احتمالها، فضلا عن الإشكالية الفكرية – الثقافية التي غالبا ما تطرحها الروائية العربية في ما يتعلق بالنظرة السائدة عن المرأة العربية المستندة في ديمومتها على العادات والتقاليد.
أما الجانب الآخر الذي يبدو واضحا في الرواية فهو أنها كتابة تحاول أن تستمد تقنيات السرد والحكي من فضاءات روائية غير عربية، لكن “السقوط إلى أعلى” هنا لا تتخذ نموذجا لها من أي رواية عالمية بل هي حصيلة قراءات عديدة لروايات عالمية، وقد وضعتها فتحية النمر في حاضنة الحكاية الإماراتية، وبخصوصية المجتمع الإماراتي، والقيم السائدة فيه، سواء تلك التي أمكن للمرأة تحديها والخروج عليها أم لم يمكن.
غير أن “السقوط إلى أعلى” هنا ذات جرعة زائدة من الجرأة الاجتماعية بل وأكثر من ذلك فهي تتناول بعض العلاقات التي من غير الممكن المس بقدسيتها فتنزع عنها هذه القدسية حيث تكتب:
ـ قبل قليل أرسلت برسالة حب لملاكي الجميل، أنتظر رده على جمر الشوق والوله.
ـ أما تزالين على جنونك هذا؟ ما الذي تنتظرينه من هذا الإنسان؟ أتظنين أنه قد يحل محل زوجك في يوم ما؟
ـ لا طبعا فأنا لا أفكر في هذا، حتى أثبت اتهامك بالجنون، أنا أفكر في عالم حرمت منه، عالم الروح والخيال، تسعدني كلمات تردُّ لي روحي الميتة.
ـ كلمات ... هااااا، ثقي بأن في هذه الكلمات سيكون حتفكِ”. (ص 94).
ترى كيف من الممكن التعامل مع مثل هذه الاقتطاعة من حوار بين شخصتي “سارة” و”مريم” وصديقتها إذ هو شديد الوضوح؟ وعلى ماذا يدل؟ على تغيير اجتماعي من نوع ما؟ وكيف من الممكن التأكد من هذا الزمر وبأي علم وبأي منهج؟ بل قبل ذلك هل هو نتاج لممارسة تخييلية أم حلم يقظة أم هو واقع قائم ويمثل جانبا من جوانب عوالم النساء في المجتمع؟. الأرجح أن الأمر جدير بالتوقف عنده ذلك أن الرواية قد تم توزيعها بطريقة معلنة ومشروعة تماماً وليس على وجه الخفية والاحتراز أو حتى بالاستفادة من تقنيات النشر الحديثة.
وهنا أيضا يمكن القول إن وصف العلاقة الإشكالية بين الرجل والمرأة ليست مروية من طرفين، بل “السقوط إلى أعلى” هي رواية المرأة عن الرجل زوجا، وعن التجربة الزوجية، وعن كسر حدة القوانين الاجتماعية الباهظة على كتفيّ الزوجة، وحالة الاختناق التي تعيشها، والتي تجد متنفسا لها بالبوح عنها في دوائر ضيقة لاتتجاوز الصديقة أو الاثنتين.
غير أن هناك ملاحظة أخرى على البنية الروائية سوى غياب رواية الرجل عن علاقته بالمرأة، وهي وجود ما يمكن حذفه والاستغناء عنه من هذه البنية، بحيث لا تتأثر الرواية ككل بذلك، وربما أن هذا الفائض لا بدّ من وجوده في أي كتاب أول.
أيضا تحتاج الرواية إلى صنيع محرر محترِف يقوم بقراءتها قبل الطباعة فيشر على الأخطاء النحوية والتركيبية التي لا تنسجم مع أصول اللغة العربية، إذ من غير الممكن استساغة العبارة “اهتمامها الغير طبيعي بهذا الانسان” (ص13) عِوَضا عن “اهتمامها غير الطبيعي بهذا الانسان”، وهو ما يتكرر في الكتاب كثيرا، أضف إلى ذلك أن الحوار في الرواية يأتي على هيئة نص مكتمل كأنما يرد على لسان شخصية واحدة، ولم يجر تقطيعه وتوزيعه على الصفحة، وفقا للطريقة التي يتم بها توزيع الحوار المسرحي.

اقرأ أيضا

«صينية الشقور» تكشف ألاعيب المشعوذين