الاتحاد

مهرجان قصر الحصن

مهرجان قصر الحصن يستقي من أبوظبي روايات ذاكرة لا تشيخ

مشاهد مختلفة تجسد حياة الأجداد في الماضي (تصوير عبدالعظيم شوكت)

مشاهد مختلفة تجسد حياة الأجداد في الماضي (تصوير عبدالعظيم شوكت)

عرس تراثي من الطراز الوطني يخيم على محيط قصر الحصن في أبوظبي الذي يشهد مهرجاناً جماهيرياً لم يسبق له مثيل من قبل. سكان العاصمة وضيوفها من مختلف إمارات الدولة من المواطنين والمقيمين يتجمعون هناك بكثافة ليشهدوا على تاريخ يبحر في عمق أكثر من 250 عاماً. عروض شعبية وأهازيج وملاحم من قصص الأولين تحضر في مشهد ثقافي يؤكد معاني الأصالة التي تجسدها الإمارة على الرغم من أوجه التطور العمراني والحضاري فيها. وبين المظاهر الاحتفالية وجولات الاطلاع على صفحات الماضي الساكنة في أرجاء المكان الأسطورة، روايات تحكى عن انطباعات الجمهور من مختلف الفئات العمرية.

رحلة مصورة إلى زمن الأولين يعيشها زوار مهرجان قصر الحصن ممن خططوا لحضور الحدث المستمر حتى 9 مارس المقبل، بدءا من أجواء التفاعل الحي من داخل الباحة الرئيسية لبرنامج العروض، إلى القرية التراثية الفسيحة وأجنحة اللوحات الفنية المعبرة عن تاريخ الإمارة وأمجادها المستمرة جيلا بعد جيل تنقل الرسالة الوطنية.
إنجازات مشرقة
مشاهد كثيرة لافتة على اتساع موقع المهرجان حيث شوارع العاصمة المؤدية إلى قصر الحصن تشير إلى حشود راجلة تغطي الطرقات والأرصفة في خطوات تغرس شعلة جديدة تضاف إلى قائمة الإنجازات المشرقة التي حققتها عاصمة الدولة على مدى عقود طويلة. ومع هتافات السائرين على درب الأجداد الذين وضعوا اللبنة الأساسية للشعب الأبي والمقدام.
وبينما سكتت أمس الجمعة الشوارع المحيطة من أصوات المحركات، ضجت أجواء الحدث التاريخي بوقع الحضور احتفاء بمرور أكثر من 250 عاماً (قرنين ونصف القرن) على إنشاء القصر الحصين والشاهد الأبرز على بصيرة حماة الوطن. حتى أن غالبية الجماهير المتجهة إلى باحة القصر وصلت من أماكن بعيدة مثل بر أبوظبي والشهامة وبني ياس والمنطقة الغربية، وفي بالها ألا تفوتها ولا جزئية واحدة من برنامج العروض المقدمة. والتي أقل ما يقال فيها إنها تختصر الزمن في مربع واحد.
وجوه من جنسيات مختلفة حضرت وكأنها تمثل في باقة ملونة البوتقة المتعايشة على أرض الإمارات. أتت بحب وفرح واندفاع لتؤكد نبل مشاعرها مع الأرض التي لم تبخل على أحد بكرمها وحسن استقبالها. أما المواطنون أصحاب الدار والفخر والولاء، فبعضهم ممن عايش جزءا من تلك الحقبة كان يستعيد مراحل البدايات بحنين. فيما البعض الآخر يتعرف من قرب إلى لوحات مضيئة مازالت نبراسا للأجيال. حتى أن صغار السن بدوا معنيين بالحدث، ينظرون إلى أدوات الأجداد وكأنهم يعرفونها من قبل، فهم ينشؤون في كنفها ويستذكرونها دوما في الكتب ومجالس الكبار ضمن مسيرة الحفاظ على الهوية الوطنية فخر الأمة الأزلي.
واجب وطني
من داخل الباحة الرئيسية لوقائع مهرجان قصر الحصن تتحدث عائشة المنهالي، وهي أم لثلاث بنات كن يتجولن معها داخل القرية التراثية، وترى أن الاحتفال بتاريخ أبوظبي هو واجب وطني لابد وأن يكون موعداً دائماً على أجندة الفعاليات الجماهيرية. وتذكر أن ما تراه ضمن فقرات المهرجان من صور واقعية تمثل الحرف اليدوية وطريقة استعمالها بحسب الأولين، لهو خير مثال يقدم للجيل الجديد. وهي من جهتها تعتمد أسلوب التربية الحديثة مع حرصها على توجيه بناتها لأدوات الماضي. وكيف كانت الجدات يطهين ويجهدن للنهوض بالأسرة بعيدا عن أي مظهر من مظاهر المدنية التي ننعم بها في هذا الزمن. وتشير عائشة وهي ربة منزل، إلى أنها تفخر بوجود قصر الحصن كمعلم تراثي يشهد على حقبات متتالية من تاريخ أبوظبي. وتنوي معاودة زيارة موقع الحدث خلال الأيام المقبلة مع زوجها الذي كان سبقها إلى زيارة المهرجان في يوم الافتتاح ومعه مجموعة من رجال العائلة.
وتذكر نورة سيف أن أكثر ما لفتها ضمن فقرات المهرجان هي تلك الصور التاريخية الموزعة في الأرجاء والتي تحمل في طياتها تفاسير مشرفة عن مختلف مراحل تشييد قصر الحصن وتطويره. وتقول إنها المرة الأولى التي تطلع فيها على عظمة هذا الصرح الذي لطالما سمعت عنه لكن لم يسبق لها أن غاصت في أبعاده على هذا النحو من قبل. وتعتبر أن جولة واحدة لا تكفي للاستمتاع بكل الفقرات الحاضرة ضمن المهرجان، إذ لابد من القيام بزيارات أخرى للتعرف أكثر إلى تفاصيل من غير المقبول أن تكون غائبة عن أي مواطن.
وتعلق نورة على استحياء قائلة إنها على سبيل المثال لم تكن تعلم بأن القصر يعود إلى أكثر من 250 عاما، وترى أن هذه المعلومة بحد ذاتها تثير الفضول وتستفز بداخلها الكثير من الأسئلة والاستفسارات التي تنوي أن تجد لها إجابة خلال زيارتها لأجنحة العرض وجلسات النقاش على هامش المهرجان.
مجلس الحريم
في مجلس الحريم كانت تجلس علياء الحمادي وترتشف القهوة العربية فيما تتبادل حبات التمر مع صديقاتها وتدور بينهن حكايات وذكريات عن أيام الطفولة. وهي على بساطتها تفرحهن بالقدر نفسه الذي يشعرن به اليوم برفاهية العيش بعدما ولى زمن النوم بلا مكيفات أو تكبد الأمرين للحصول على الماء العذب. وتقول علياء إن أجمل ما في المهرجان أنه يعيد المواطنين والمواطنات إلى أيام خلت، ويذكرهم بزمن الأصالة والطيبة وحسن التعامل فيما بين جيران الفريج الواحد. وتؤكد أنه مع كل مظاهر التمدن في البيوت الإماراتية اليوم، غير أن معظمها تضم نماذج من أدوات الماضي مثل المهفات ومطرزات بالتلي والمفارش المصنوعة من خوص النخيل وما شابه. وترى أنه من الجميل ألا ينسى المرء أصله وأن نربي الأجيال الجديدة على ضرورة التعرف إلى حقيقة هذه الأرض وما مرت به من حقبات كل جزء فيها مفخرة للوطن والمواطن.
وتتحدث في المجلس نفسه أختها ندى عن سعادتها بالجولة التي قامت بها على مختلف أجزاء المهرجان. وتذكر أن أكثر ما لفتها فيه عرض البحر المتمثل بأهمية مهنة الصيد لشعب الإمارات حيث المراكب والأشرعة والشباك وكل الأدوات المتخصصة التي لا يدرك أسماءها الجيل الجديد. وترى أن أبوظبي الحاضرة اليوم بقصصها المشرفة من خلال مهرجان قصر الحصن، بحاجة لمثل هذا النوع من الأحداث. إذ لابد بنظرها من الإضاءة على التراث بأدق تفاصيله منعا للاندثار. وتشير ندى إلى أنه من خلال المشاهد الحية التي تمثل الحرف اليدوية والعادات الإماراتية الأصيلة، يمكن للكبار والصغار أن يتعرفوا من قرب إلى طبيعة الحياة في ذلك الزمن. لأن الكلام عن أمور ملموسة يمكن أن ترى بالعين المجردة أكبر وقعا من مجرد وصفها أو تصويرها بلا شرح كاف.
متاعب الأولين
وتقول خديجة البريكي إنها تزور المهرجان قادمة مع أخواتها وبناتهن من منطقة الشهامة لتمضي أمسيتها في أجواء تعيدها إلى الماضي الذي لم تعشه ولكنها تفخر به. وترى أن توزيع وحدات العرض بما يمثل مختلف المهن اليدوية التي كانت سائدة في ذلك الحين، يمثل الواقع المحلي على أفضل شكل. فهي حفيدة صياد وقد نشأت على قصص ترويها لها أمها عن المتاعب التي كان يتكبدها رجال البحر في رحلة البحث عن اللؤلؤ. وكيف كانوا يخرجون قبل الفجر، البعض يرمون شباكهم بانتظار قوت يومهم من السمك، والبعض يسافرون لأيام طويلة ويغوصون في أعماق الخليج على أمل أن يحظوا باللآلئ وهي الثروة التي تضمن عيشهم لأشهر. وتعتبر خديجة أن مظاهر عرض لقطات من زمن الأجداد عبر أجنحة الحرف اليدوية، خطوة جيدة ليرى الجميع كم كانت تلك الحقبة صعبة وشاقة. وكم عانى الكبار في زمن ما قبل اكتشاف النفط ليصنعوا من هذه المناطق المشرذمة في حينه، دولة متحدة قوية وراقية.
وتذكر وداد المهيري التي كانت تشاهد عرضا للمراكب البحرية من على إحدى الشاشات الموزعة في المهرجان أنها منبهرة بحجم التنظيم الذي يغطي الحدث. وتقول إن هذه القيمة التراثية العظيمة التي ينعم بها قصر الحصن، تحتاج إلى اهتمام متزايد من الجميع للحفاظ على الموروث المحلي الثري لمجتمع الإمارات عموما. وتلفت وداد الى أن الأرشيف الوطني الذي لم يكن ظاهرا للعلن من قبل، لابد وأن يجد له طريقا إلى عيون كل من يقطن على أرض الدولة وكذلك الأمر بالنسبة للضيوف. وهي ترى أن مثل هذه المهرجانات الثقافية ذات الرسالة الوطنية تشكل أفضل الطرق لتكريس الهوية الوطنية وتعزيزها بالفخر كوسيلة دعم إضافية للمضي قدما نحو القمم. وتشير بيدها الى مختلف وحدات المهرجان التي لم تترك جزءا من تاريخ العاصمة إلا وأضاءت عليه، معتبرة أن القرية التراثية للمهرجان هي نموذج مصغر لواقع العيش في مختلف إمارات الدولة. وتثني على الجهود المبذولة للحفاظ على قصر الحصن معلما أبيا لا يزال صامدا أمام الحاضر بكل ما فيه من أوجه الحضارة والعصرية.
انصهار شعبي
من جهته يتحدث يوسف العامري الذي زار المهرجان يوم الافتتاح عن شعوره بهذا الحدث واصفا أياه بالعرس الشعبي الذي يصل صداه إلى الجميع ممن تربوا على هذه الأرض الطيبة. ويقول إنه بحكم عمله في قطاع الأعمال يلمس يوميا مدى الرخاء الذي ينعم به سكان أبوظبي على اختلاف انتماءاتهم. ويشير إلى أن تمازج الجنسيات الحاضرة للمهرجان خير دليل على الانصهار الشعبي الذي تتميز به عاصمة الإمارات حيث تاريخها المشرف موزع في أرجاء القرية المشهدية للحدث الوطني. ويذكر يوسف الذي حضر برفقة أخوانه وزملائه في العمل أنه فخور بكونه مواطنا إماراتيا نشأ في بيئة عانت الأمرين لتصل إلى ما هي عليه اليوم من رفعة حضارية تشهد عليها الأمم.
ويعرب سالم المنصوري الذي كان منهمكا في الاحتفال مع أبنائه الأربعة وفي أيديهم أعلام الإمارات، عن فرحه بالمشاركة في هذه الأجواء الاحتفالية التي يتمنى أن يتم تنظيمها باستمرار. ويقول إن أبوظبي التي ترفع اسم البلاد عاليا لطالما كانت خير دليل على الإصرار بدءا بملاحم حكمائها الذين تعاقبوا على حماية الأرض. ويلفت إلى أنه في هذه المناسبة العظيمة لتكريس قصر الحصن معلما تاريخيا بمرور أكثر من 250 عاما على تشييده، يتذكر زايد الخير الذي يحضر دائما وأبدا في كل إنجاز وطني أو مهرجان شعبي. ويذكر سالم أنه لولا حرصه يرحمه الله على أهمية حماية الموروث المحلي من الاندثار لما كان تاريخ العاصمة متمثلا أمامنا اليوم بكل هذه الأمانة. ويؤكد أنه من جهته ككثير من أبناء جيله الواعين لمعنى الهوية، يلقن بناته وولده ضرورة التعرف إلى قصة الاتحاد ومآثر الأقدمين الذين عانوا الكثير من ضائقة العيش لتصل البلاد الى ما هي عليه اليوم من تقدم وارتقاء.




شموخ وخيلاء

بمجرد الاقتراب من موقع المهرجان وحتى قبل الوصول إلى أي من بواباته، يلوح مجد أبوظبي من بعيد متمثلا باللافتات الضخمة التي تلف جدران الباحة بصور من واقع المجتمع المحلي. شطآن وبحار وصياديون ومراكب وشباك وأشرعة، مفردات بسيطة لأسطورة نجاح وتميز خطها الأولون بمعاناة قرون وعقود شكلت عظمة الحاضر برجالاته وأبراجه وإنجازاته. ومع الدخول الى أرض المهرجان المنثورة برمال الصحراء وخيراتها الموزعة على الجميع، يقف قصر الحصن شامخا بخيلائه المعهود مفتخرا بمرور أكثر من 250 عاما على تشييده. وعن يساره حارسه الأمين المجمع الثقافي ذاكرة العاصمة التي لا تشيخ.



جنسيات مختلفة

لا تقتصر الزيارات في مهرجان قصر الحصن على أبناء وبنات البلد، إذ أن أكشاك العرض المصنوعة من السعف تشهد جولات لوجوه من مختلف الجنسيات العربية والأجنبية والآسيوية. حتى أن فئة من الأوروبيات كن يتباهين بشراء العباءات التقليدية المزركشة بالتلي، وكذلك العطور الشعبية كدهن العود وأصناف البخور. وفيما الدهشة واضحة على ملامحهن، فان نسبة كبيرة منهن تحرص على مشاهدة عروض الفرق الشعبية من الحربية الى العيالة. مع الاطلاع على الأدوات التقليدية لمجتمع الإمارات وتلمسها والسؤال عن استخداماتها وحتى التقاط الصور التذكارية لها ومعها.


غترة وحلي

شهد اليومان الأوليان من مهرجان قصر الحصن في أبوظبي مشاركة واسعة من قبل الأطفال الذين بدوا متحمسين للتعرف إلى ماضي الأجداد. جاؤوا باللباس الوطني، البنات يتبخترن بالحلي والزينة التقليدية فيما الأولاد يتفاخرون بالكندورة والغترة المغشاة ومن فوقها العقال. وأكثر من ذلك فانه عند التجول في أرجاء القرية التراثية يظهر طفل من هنا وآخر من هناك يستعرض مهاراته البريئة في رقصة الحربية على الموسيقى الشعبية التي تصدح حماسا في الأرجاء.

اقرأ أيضا