تقارير

الاتحاد

مصر وإثيوبيا.. وأزمة «سد النهضة»

فيما تواجه الحكومة المصرية الجديدة ما يكفي من التحديات والمشاكل، تبدو القاهرة منشغلة بمشروع بناء سد يبعد بحوالي 1800 ميل عن القاهرة، كما تطغى مخاوف وجودية لدى النخب السياسية؛ فقد انخرطت كل من مصر وإثيوبيا في صراع مستجد حول سد «النهضة العظيم»، وهو المشروع الذي تصل كلفته أربعة مليارات دولار وتعتزم إثيوبيا بناءه على منبع النيل الأزرق بالقرب من الحدود الإثيوبية السودانية. هذا المشروع الضخم الذي شُرع في بنائه عام 2011 ومن المتوقع إتمامه في 2017 أثار مخاوف القاهرة من أنه قد يقلص كمية التدفقات المائية على مصب نهر النيل في وقت تتوقع أن ترتفع فيه احتياجاتها من المياه العذبة خلال السنوات المقبلة.
وبتلويحها بمجموعة من الاتفاقيات التي تعود إلى فترة الاستعمار ترى مصر أنه يحق لها الاعتراض على بناء السدود وباقي المشروعات الخاصة بمياه النهر في بلدان المنبع، لكن إثيوبيا من جهتها ترى في المشروع فرصة لاستغلال أطول نهر في العالم. وتقول إن ستة آلاف ميجاوات من الكهرباء التي سيوفرها السد عند بنائه ستكون محورية في تحفيز نموها الاقتصادي، والأمر نفسه للدول المجاورة التي تعيش نقصاً ذريعاً في الطاقة، ويُتوقع أن تولد المحطة الكهربائية على سد النهضة ثلاثة أضعاف الطاقة الحالية لإنتاج الكهرباء في عموم إثيوبيا، غير أن الخصومة المستفحلة بين أديس أبابا والقاهرة تهدد بتسميم العلاقات بين بلدين هما من أكبر الدول الأفريقية.
وعن هذا الموضوع يقول «ديفيد شين»، السفير الأميركي السابق لدى إثيوبيا «رغم أن بناء السد يفترض أن يدشن مرحلة جديدة من التعاون الإقليمي، إلا أنه بالنظر إلى التجربة التاريخية، فالأرجح أن يقود المشروع إلى مزيد من تبادل الاتهامات بين مصر وإثيوبيا».
وقد تصاعدت حدة النزاع مرة أخرى بعدما فشلت محاولات التوصل إلى تسوية للخلافات بين البلدين وانهارت المفاوضات، حيث سعت مصر إلى تدخل الأمم المتحدة، مطالبة إثيوبيا بوقف عملية البناء حتى يتوصل الطرفان إلى اتفاق، وهو الأمر الذي رفضته أديس أبابا، هذا الموقف عبر عنه المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، «دينا مفتي»، قائلاً «إن الدول المشاطئة للنيل في أعلى المجرى لها الحق في استغلال النيل لأغراض التنمية طالما أنها لا تلحق أضراراً بالدول المشاطئة في أسفل المجرى، وهو السبب الذي نبني من أجله سد النهضة».
وكان وزير مصري سابق للري، قد أكد خلال الأسبوع الجاري أن بلاده لا تقوم بما يكفي لوقف بناء السد، مشيراً إلى الأخطار المحدقة بإمدادات المياه التي تستفيد منها مصر، وبالنظر إلى إشراف شركة إيطالية على عملية البناء فقد نقلت تقارير إعلامية اقتراح السفير الإيطالي لدى مصر التوسط بين البلدين لتسوية الخلاف، وترجع فكرة بناء سد في إثيوبيا على نهر النيل إلى خمسينيات القرن الماضي عندما قام علماء أميركيون بإجراء دراسات حول الموضوع، لكن قوة مصر في تلك الفترة أعاقت استكمال المشروع، وهو ما يبدو أنه قد تغير اليوم في أعقاب «الربيع العربي» وما تلاه من اضطرابات ما زالت ترزح مصر تحتها.
وعلى مدار الجزء الأكبر من القرن العشرين اقتسمت مصر والسودان مياه النيل بينهما، فبموجب اتفاقية يعود تاريخها إلى عام 1929 بين مصر ومستعمرات بريطانيا أصبح من حق القاهرة استغلال أكثر من نصف تدفقات النيل، وفي معاهدة 1959 زادت مصر من حصتها لتصل إلى 66 في المئة من إجمالي مياه النيل، فيما ذهب الباقي للسودان، لكن إثيوبيا التي تعتبر أراضيها منبع النيل الأساسي فقد ظلت خارج النقاشات، وهو الأمر الذي يوضحه جون مباكو من معهد بروكينجز، قائلاً «إنه فقط مصر والسودان من يعتبر اتفاقيتي 1929 و1959 ملزمتين قانونياً، فيما بدأت إثيوبيا في اتخاذ إجراءات أحادية بسبب رفض مصر طلب البلدان المطلة على النيل إعادة التفاوض حول حصص المياه».
وفي هذا السياق أيضاً شرعت إثيوبيا في رسم خططها بعدما توصلت إلى اتفاقات مع بلدان المنبع الأخرى مثل كينيا وأوغندا وتنزانيا في 2010، كما أن الاضطرابات الأخيرة التي شهدتها مصر بعد الإطاحة بنظام مبارك أتاحت فرصة سانحة أمام إثيوبيا.
وتكمن مخاوف مصر الأساسية في احتمال تأثير السد على مياه النيل التي تصل مصر عبر السودان، لا سيما وأن القاهرة تعتمد على تلك المياه لأغراض الزراعة وتوليد الكهرباء، وتبقى المشكلة الكبرى غياب نقاش عام حول تأثيرات السد الإثيوبي على مصر، فرغم التقرير الذي أعدته لجنة دولية تضم ممثلين عن مصر والسودان وإثيوبيا رُفعت توصياته إلى الحكومات المعنية في الصيف الماضي، إلا أنه لم ينشر بعد وما زال طي الكتمان.
لكن وحسب التسريبات ليست الأمور واضحة حتى بالنسبة للجنة الخبراء في ظل عدم معرفة السرعة التي ستعمل بها إثيوبيا على ملء خزان السد بعد الانتهاء من بنائه، فالتعجيل بملء السد سيقلل حتماً من تدفق المياه إلى دول المصب، لكنه أيضاً سيسرع من عملية توليد الكهرباء، أما التدرج في ملء الخزان فإنه سيؤخر الاستفادة المحتملة لعقود قادمة، وقد تحدثت إثيوبيا علناً عن نيتها ملء السد في غضون خمس إلى ست سنوات، وهو ما يوضحه «هايكل هاموند»، مهندس المياه بجامعة إكستر، قائلاً «هناك إشارة لإمكانية أن تتأثر عملية توليد الكهرباء بالسد العالي بأسوان، لكن الأمر غير واضح لأننا لا نعرف ما إذا كنا أمام عشر سنوات مطيرة، أم جافة».


‎كيث جونسون
محلل سياسي أميركي


ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا