الاتحاد

تقارير

الفلوجة.. عودة أجواء 2004

في عربة مقطورة نقلت من مخيم النصر، كانت إيمان رشيد تنفض الغبار عن ملابسها وتحاول وضع أطفالها على مرتبة رفيعة من الإسفنج بعد فرارهم من الفلوجة للمرة الثانية. كان الأطفال داخل عربات المقطورة المكشوفة، التي توقفت في الرمال بالقاعدة العسكرية الأميركية الرئيسية، ينظرون من خلف الأبواب المنقطة بملصقات للأعلام الأميركية وإعلانات مشروبات الطاقة.
كما أن العلامات القديمة التي ألصقت على الباب لتحث على المحافظة على استهلاك الطاقة عند استخدام السخانات أو أجهزة التكييف تبدو كما لو كانت ساخرة إذ لا توجد أضواء أو وحدات تدفئة من الأساس. ولا توجد مياه جارية. وفي وقت الغداء، تتوقف شاحنة صغيرة تحمل صحوناً كبيرة من الأرز والدجاج التي تولى سكان المدينة طهيها. ويقفز متطوع شاب من الشاحنة لتقديم طبق من القصدير لكل باب.
وبالنسبة لكثيرين هنا، يعتبر هذا هو النزوح الثاني من الفلوجة. فمنذ عشر سنوات، قامت القوات الأميركية بإجبار تنظيم «القاعدة» على الخروج من المدينة في معركة لا تزال ذكراها في القلوب. وفي محافظة الأنبار العراقية الواسعة، حيث واجهت عنف «القاعدة» كانت الفلوجة هي أشرس معركة حضرية بالنسبة للقوات الأميركية منذ حرب فيتنام.
وها قد عادت الفلوجة مرة أخرى تحت النيران. فقد سيطر مقاتلون تابعون لتنظيم «القاعدة» على أجزاء من محافظة الأنبار في شهر يناير، مما أدى إلى اندلاع قتال شرس بين المسلحين والقوات العراقية. وقد زادت أعداد قوات الأمن العراقية مؤخراً محاولة استعادة السيطرة على المدينة مما أدى إلى حصار عشرات الآلاف من المدنيين في الداخل ومنع المساعدات من الوصول اليهم.
واضطر كثيرون من الـ300 ألف شخص، الذين تمكنوا من مغادرة الفلوجة والمدن القريبة قبل إغلاق مسارات الهروب، للجوء إلى مخيمات وأماكن تجمع تعتمد على إحسان المواطنين المحليين ومنظمات الإغاثة. كما أن استمرار الصراع الحالي بين قوات الأمن ومجموعة من المقاتلين القبليين الذين تدعمهم «القاعدة» يعني أنه من غير المرجح أن يتمكن هؤلاء اللاجئون من العودة إلى ديارهم في وقت قريب.
وفي عام 2004، عندما أطلقت القوات الأميركية التحذير لجلاء المدنيين، قضت إيمان رشيد وأسرتها شهراً في الريف. وتقول هذه لستة أبناء دون الحادية عشرة إن هذه المرة تبدو أسوأ من سابقتها. وأضافت «بإمكانك أن ترى الطائرات تشن هجوماً أثناء الليل. إن القصف يزداد سوءاً أكثر وأكثر ولذلك فقد قررنا الرحيل».
ومثل آخرين في المخيمات المؤقتة، تقول السيدة رشيد إن قذائف الهاون بدأت في السقوط على الحي الذي يقيمون فيه. وقالت امرأة أخرى إنها نجت بأعجوبة من قذيفة قتلت جارها «أيوب» بينما كان واقفاً في الشارع.
وعند سماع صوت أخيها على الهاتف، بدأت رشيد في البكاء. إنه هو ووالدها لا يزالان في الفلوجة بعد إرجاعهما عند نقطة تفتيش تابعة للجيش العراقي عندما حاولا الذهاب متجهين للصحراء الغربية للبقاء مع أقاربهما.
ويصف مسؤولو الأمم المتحدة النزوح من محافظة الأنبار بأنه أكبر نزوح منذ اندلاع الحرب الأهلية في العراق قبل سبع سنوات. ومنذ بدء الصراع في شهر يناير، اتخذ الآلاف من عائلات الفلوجة من الطبقة المتوسطة ملجأ في الشمال الكردي بالعراق، وازدحم كثيرون في الفنادق، بينما لجأ بعض آخر إلى مدينة كربلاء الشيعية.
ولكن أغلبية هؤلاء النازحين أتوا إلى مدينة سامراء، التي تبعد ساعتين شمال بغداد، حيث يبذل فيها المجتمع السني المتعاطف ما بوسعه للعناية بهم. وحتى هنا، يشعر مسؤولو الأمن بالقلق من استقبال المزيد من العائلات، ومن أن تصل الموارد إلى نقطة النفاد.
وفي مسجد الحمد، حيث يتم استقبال العائلات لأول مرة، تقول سيدة أخرى إنها انتقلت من منزلها مع أقارب آخرين حيث تمكنت 11 أسرة من الفلوجة من التحرك. وأضافت أن «عائلات سامراء الطيبة هي التي تساعدنا».
وبداخل المسجد، يتكدس بإحدى الزوايا بضعة عشرات من صناديق اليونيسيف التي تحمل لوازم الأطفال. وعلى رغم أن مسؤولي الأمم المتحدة المحليين يقولون إن ما يقرب من 30 ألف شخص قد فروا خلال الأسابيع القليلة الماضية، إلا أن المساعدات لا تزال تتقاطر. وقد وعدت الحكومة العراقية، التي تصف المعركة من أجل الفلوجة بأنها حرب ضد «القاعدة»، بتقديم مبالغ نقدية لكل أسرة نازحة لكن أحداً حتى الآن لم يرَ تلك النقود.
لقد «كنا نأمل أن تتحسن الأوضاع، ولكن بالأمس كان هناك قصف في الحي الذي نقيم فيه واضطررنا إلى المغادرة»، هذا ما قالته شكرية عابد أحمد، التي غادرت منزلها بالقرب من مصنع الإسمنت في الفلوجة قبل أسبوع لتقيم بمدرسة تحت الإنشاء بسامراء. وأضافت قائلة «إننا لا نعلم إن كان هذا من الجيش أو من أي شخص آخر».
وقد توفي زوج السيدة شكرية الذي كان يعمل سائقاً في عام 2007 بعد إطلاق النار عليه من قبل القوات الأميركية بإحدى نقاط التفتيش الجديدة. وباعت الزوجة كل ما تمتلك، بما في ذلك بوابة المسكن الحديدية لتسدد تكاليف الجراحة التي أجريت له، ولكنه توفي في النهاية تاركاً ستة أطفال. وأكدت الزوجة أنها حصلت على تعويض بقيمة 1500 دولار من الحكومة العراقية، ولم تحصل على أي شيء من القوات الأميركية. وبدورها تقول هي أيضاً إن هذه المرة أسوأ من المرة السابقة، «ففي 2004، كان الأميركيون يضربون الأهداف العسكرية» حسبما قالت في إشارة إلى قذائف الهاون التي كانت تستهدف معاقل المتمردين في مدينتها، في حين الآن أن «هذا قصف عشوائي».
وفي الفلوجة نفسها، توقفت وكالات الأمم المتحدة عن شحن المساعدات نظراً للمخاطر التي يتعرض لها السائقون. في حين تمكن الهلال الأحمر العراقي، من خلال علاقات واسعة مع المجتمع المحلي، من مواصلة إرسال قوافل المساعدات.


‎جين عراف
مراسلة


ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا