الاتحاد

تقارير

أوكرانيا.. ما وراء خطة الانسحاب!

سحب جنود الجيش الأوكراني المنهكون 15 مدفعاً ثقيلًا ورتلًا من المركبات المصفحة ضمن اتفاق لوقف إطلاق النار تأخر عن موعد تطبيقه مع الانفصاليين المدعومين من قبل روسيا لتخفيف حدة صراع أودى بحياة ما يقرب من ستة آلاف شخص. وبينما كان علم أوكرانيا بلونيه الأزرق والأصفر يرفرف، في يوم دافئ نسبياً، جمع الجنود مدافعهم من عيار 100 ملليمتر الملطخة بالوحل، والتي طلي بعضها باللون الأبيض كتمويه في بياض الثلج خلف ناقلات الجنود المصفحة. ونقل المتمردون أيضاً أربع قاذفات صواريخ من مواقع الخطوط الأمامية، بحسب وكالة أنباء «الأسوشيتدبرس» التي أشارت إلى عمليات انسحاب أخرى جرت في الأيام القليلة الماضية.
ولكن اتخاذ هذه الخطوات الأولية بعد 12 يوماً من موعدها المتفق عليه، واستيلاء المتمردين في هذه الفترة ذاتها على مركز «ديبالتسيف» الاستراتيجي للسكك الحديدية، يوضح مدى التحول الذي حدث للانفصاليين بعد أن لحقت بهم خسائر في الصيف الماضي ليصبحوا فيما بعد قوة أكثر كفاءة وقدرة على تحقيق تقدم في أرض المعركة. ويعتقد محللون وجنود أوكرانيون أن الصراع تغير بشدة في الأشهر الستة الماضية. فقد تحسنت مهارات قوات المتمردين الذين قيل إنهم قد حصلوا على دعم مكثف من القوات والعتاد، وهو ما تنفي روسيا تقديمه. بينما تبدو وحداث الجيش الأوكراني عاجزة بسبب هيكل القيادة المعرقل وغير القادر على التعلم من الأخطاء.
ويرى «سيمين سيمينتشينكو» وهو قائد سابق لميليشيا مؤيدة لأوكرانيا وعضو حالي في البرلمان أن «العدو أصبح أكثر ثقة في نفسه ويحقق نجاحاً مستغلًا كل نقاط ضعفنا ليتخذ قرارات قائمة على معلومات، ويوجه لنا ضربات قوية للغاية». وكانت وحدات قوات المتمردين قد اضطرت في يوليو الماضي إلى الانسحاب من معاقلها في بلدة «سلافيانسك». ولكن في أغسطس ظهرت أول بادرة على تغير مسار القتال عندما انتصر المتمردون في «إلوفايسك» بعد حصارهم للقوات الأوكرانية المهاجمة في عملية معقدة قتل فيها كثيرون. ثم تلا ذلك عدد من الهزائم مُنيت بها القوات الأوكرانية، منها فقدان مطار «دونيتسك» في يناير، ثم التقهقر من «ديبالتسيف» بعد أشهر من القتال.
ويعتقد «سيمينتشينكو» أن سقوط «ديبالتسيف»: «ليس خسارة استراتيجية بل هو خسارة للسمعة. فالجنود فقدوا معنوياتهم». وعبر عن غضبه الشديد من ما وصفهم بالقادة العسكريين غير الأكفاء الذين اختيروا بناء على الولاء، وليس بناء على الكفاءة العسكرية. وأضاف «سيمينتشيكو» أن خسارة «ديبالتسيف» نالت من «روح الوطنية الأوكرانية».
وبدوره يقول المحلل العسكري «أليكسي أريستوفيتش» إن أحد العناصر المحورية في التقدم الذي حققه المتمردون يرجع إلى الدور الذي يتزايد فعالية للدعم والعتاد الروسي. كما كان للتدريب الروسي، بالإضافة إلى دعم تقني وقيادة ميدانية دور حاسم أيضاً. ومن جهتها تنفي موسكو تقديم الدعم المذكور، وتقول إن أي مواطنين أو جنود روس يقاتلون إلى جانب المتمردين في أوكرانيا يفعلون ذلك كمتطوعين.
وأضاف «أريستوفيتش»، وهو ضابط احتياط يرأس صندوقاً غير هادف للربح لمساعدة قدامى المحاربين، أن من الأمور الحاسمة أيضاً سوء أداء القيادة الأوكرانية ابتداء بالرئيس بيترو بوروشينكو ونزولًا إلى أدنى سلسلة القيادة «ممن لم يستطيعوا تكوين مجموعة من المحترفين الحقيقيين للمشاركة في الحرب». ومضى يقول «في حياتنا السياسية لولاء الجنود أهمية أكبر من الفوز بالحرب.. على مستوى السرايا ليسوا سيئين للغاية، ولكن في القيادات الأعلى هناك مشكلة بالفعل».
وقد تم التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في «مينسك» في 12 فبراير وشارك فيه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وقيادات المتمردين وزعماء من ألمانيا وفرنسا وأوكرانيا وقصد به أن يكون الخطوة الأولى في سبيل إنهاء الحرب. ولكن كثيراً من الأوكرانيين قلقون من سقوط «ديبالتسيف» على رغم وقف إطلاق النار، لأنه ربما يكون نذيراً بتقدم للمتمردين إلى ميناء «ماريبول» الذي قد يمثل همزة وصل بين مناطق المتمردين في شرق أوكرانيا وشبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا في الربيع الماضي.
وقد أكد الجنود المنسحبون أنهم لا يثقون في قدرة موسكو على ضمان أن يحترم الانفصاليون وقف إطلاق النار، ويتوقعون انهياره، وأنهم سيعودون إلى الخطوط الأمامية. ويؤكد المقدّم «فلاديسلاف سيليزنيوف» وهو متحدث باسم الجيش الأوكراني أن «الجميع تعبوا من هذه الحرب.. المدنيون تعبوا والجنود تعبوا.. ولكن إذا لم يلتزم المتمردون باتفاق مينسك فبوسع الجيش الأوكراني التراجع عن هذا الانسحاب».

سكوت بيترسون - كييف
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا