الاقتصادي

الاتحاد

تضاؤل نفوذ شمال أفريقيا في أسواق الطاقة العالمية

تسبب هجوم قاتل شنه مسلحون على محطة غاز طبيعي جزائرية في شهر يناير الماضي في إحباط مجموعة من دول شمال أفريقيا التي كانت بصفتها منتجة للنفط والغاز تعاني أصلاً من مشاكل.
منذ بضع سنوات بدا كما لو كانت الجزائر وليبيا ومصر ستقدم كثيراً من حل مشكلة انخفاض إنتاج أوروبا من الغاز الطبيعي واعتمادها المرير على روسيا للحصول على إمدادات وقود مستخدم على نطاق واسع في الصناعة وتوليد الكهرباء وتدفئة المنازل.
غير أنه قبل ذلك الهجوم على منشآت غاز ان اميناس كانت الأوضاع السياسية بالمنطقة تلقى بظلال الشك حول مدى الدور الذي في إمكان شمال أفريقيا أداؤه في معادلة الطاقة العالمية.
يتراجع إنتاج كل من النفط والغاز الطبيعي في الجزائر أكبر منتج غاز في المنطقة منذ منتصف العقد الأول من هذا القرن. وفي ليبيا عملت الثورة التي أطاحت بالقذافي على إرباك عمليات التنقيب عن النفط والغاز، وفي مصر، عمل تزايد الاستهلاك المحلي وسياسات الحكومة على تقليص الصادرات.
خلال هجوم المسلحين على ان اميناس ورد القوات الجزائرية لاستعادة المنشآت قتل 40 عاملاً و29 من المسلحين، ولم يتم بعد إعادة تشغيل المحطة التي يشترك في ملكيتها بي بي وستانويل النرويجية وسوناتراك شركة الطاقة الوطنية الجزائرية، ويشكل حقل الغاز هذا ومركز معالجته نحو 10% من الإنتاج الجزائري، وإن كان تأثير إغلاق المحطة طفيفاً على الصادرات.
تقوم الجزائر بإعادة ضخ جزء كبير من غازها في حقول النفط والغاز حفاظاً على ضغط المكامن، وقال خبراء إن سوناطراك تحول بعض هذا الغاز إلى التصدير وإن كان ذلك لفترة قصيرة فقط.
تضرر الصادرات
وتسارع سوناطراك إلى إصلاح المحطة التي لحق بها أضرار جسيمة، غير أنه لو ظل جزء كبير من المحطة مغلقاً أو لو شن هجوم آخر على بنية إنتاج الطاقة الأساسية في الجزائر فإن الصادرات ستتضرر الأمر الذي قد يعمل على رفع الأسعار في أوروبا.
وقال روب ويست المحلل في برنشتاين للبحوث في لندن: “تبين لنا أنه في النقاط الجيوسياسية الساخنة المضطربة تعتبر خطوط أنابيب الغاز وبنيته الأساسية أضعف الأهداف، ومن الصعب جداً حماية خطوط الأنابيب”.
وما يخشى في الجزائر وغيرها من دول شمال أفريقيا هو أن الهجوم على ان اميناس عقب سنتين من عدم الاستقرار السياسي سيثبط من حماس الاستثمار الأجنبي اللازم للحفاظ على مراكز الدول كمصدر للنفط والغاز. وكانت شركات الطاقة الأميركية مستاءة أصلاً من شرط عقود الجزائر الصعبة التي تعطى للحكومة أكثر من 90% من عائدات إنتاج النفط والغاز الطبيعي وتشترط أن تحصل سوناطراك على حصة أغلبية في كافة المشاريع.
وفي أحدث مناقصات عقود النفط والغاز بالجزائر لم يتم البت سوى في اثنتين من مناطق التنقيب من أصل عشر مناطق فازت سوناطراك بإحداهما.
حصص أكبر
كان شكيب خليل وزير الطاقة الجزائري الأسبق قد سعى إلى تسهيل الاستثمار في حقول نفط وغاز الدولة الأصغر وجعلها أكثر جذباً للشركات الدولية من خلال السماح لها بحصص أكبر في مشاريع الطاقة.
غير أن تغييراته راحت أدراج الرياح وتم فرض ضرائب قاسية على إنتاج النفط والغاز، وفي آخر العقد الماضي اهتزت سوناتراك بعد التحقيق في فساد أسفر عن إقالة رئيسها التنفيذي محمد مزيان وعدد من كبار مساعديه.
هذا التحقيق طال مؤخراً سايبم شركة الخدمات البترولية التابعة لشركة إيني الإيطالية، ويحقق المدعون الإيطاليون والجزائريون فيما ان كانت سايبم قد دفعت لتنفيذيين في سوناتراك رشاوى في عقود بمليارات الدولارات، وقال تنفيذيون بقطاع النفط إن بيروقراطية الطاقة الجزائرية أصابها الشلل جراء التحقيقات.
انخفض انتاج غاز الجزائر بنحو 12% منذ عام 2005، في الوقت الذي زاد فيه الاستهلاك المحلي سريعاً، ما يعود جزئياً إلى الأسعار المدعمة، الأمر الذي عمل على تضاؤل الصادرات، وشهدت الجزائر حصتها في سوق الغاز الطبيعي المسال العالمية، التي راجت في ستينيات القرن الماضي، تتضاءل إلى أقل من 5 في المئة فيما كانت تلك الحصة 19% عام 2002.
كما انخفضت حصة الجزائر في واردات الغاز الأوروبية إلى 9% عام 2012 من حوالي 12% عام 2002، يذكر أن أكبر عملاء الجزائر هما إيطاليا وإسبانيا اللتان عمل اقتصادها الواهن على تقليص الطلب على الغاز.
وبعد أن أطاح الربيع العربي بالنظم المجاورة تجري الحكومة الجزائرية بعض الإصلاحات، إذ يسعى رئيس الوزراء الجديد عبدالمالك سلال إلى إعادة اكتساب الدولة لسمعتها مع المستثمرين الأجانب، وتوجه نحو تعديل النظام الضريبي للنفط والغاز. وتسببت ليبيا أيضاً في إحباط شركات النفط الغربية، إذ يعتقد تنفيذيون أن لديها احتياطيات هائلة من النفط والغاز، ولكن خابت آمالهم بعد نتائج التنقيب قبل الإطاحة بالقذافي.
عادت ليبيا إلى نحو 90% من إنتاجها قبل الثورة، غير أن هناك جواً من القلق، كانت بي بي قد حصلت على حق استكشاف مساحات شاسعة من الصحراء عام 2007 ولكنها قررت مؤخراً تأجيل حفر أولى آبارها الاستكشافية في منطقة ليست بعيدة عن محطة ان اميناس. يذكر أن أربعة من موظفي بي بي قتلوا في ان اميناس.
كانت جارة ليبيا الشرقية مصر قد ظهرت بقوة كمنتج للغاز في منتصف العقد الأول من هذا القرن، إلا أن صادرات مصر بلغت ذروتها عام 2009 ثم تضاءلت سريعاً.
أسعار الغاز
غير أن سياسة الحكومة، وليس الأمن، هو المشكلة الرئيسية في مصر، ذلك أن أسعار الغاز الحكومية محلياً تبلغ حوالي 20% من أسعارها في أوروبا، الأمر الذي يشجع الاستهلاك المحلي ولا يترك سوى القليل للتصدير.
ويعتقد بعض التنفيذيين أن هناك احتياطيات كبرى في مياه البحر المتوسط العميقة ولكنهم يقولون إن نظام الأسعار المصرية لا يعطيهم عائداً كافياً.
وقالت مريم الشما المحللة في بي اف سي اينرجي: “مع أخذ كل ذلك في عين الاعتبار تؤكد هذه الأحوال الرأي السائد في أوروبا بأن شمال أفريقيا لن يكون مصدراً موثوقاً ورخيصاً للطاقة.
توشك الولايات المتحدة حالياً على الاكتفاء الذاتي في قطاع الغاز نتيجة طفرة الغاز الصخري، غير أن أوروبا تعتمد كثيراً على الواردات ومن المرجح أن يزيد ذلك الاعتماد في السنوات المقبلة مع تضاؤل الإنتاج المحلي، وما أن يتعافى اقتصاد القارة سيبدأ الطلب في الصعود مجدداً، وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن الاتحاد الأوروبي سيضطر إلى استيراد 80% من غازه الطبيعي بحلول عام 2030 بزيادة من حوالي 60% الآن، وإن لم تستطع أوروبا الاستفادة بشمال أفريقيا ففي وسعها البحث في مناطق أخرى. من المرجح أن تنمو سوق الغاز الطبيعي المسال العالمية، مع ترجيح أن تصبح الولايات المتحدة وكندا من كبار المصدرين، كما بدأت أعمال التنقيب قبالة سواحل قبرص. غير أن أسهل مصدر يتمثل في روسيا التي تشكل أصلاً 54% من سوق واردات الغاز الأوروبية.
تخضع جازبروم عملاقة الغاز التابعة للحكومة الروسية لتحقيقات من قبل المفوضية الأوروبية التي تحقق فيما إن كانت الشركة تفرض أسعاراً غير عادلة على عملاء في أوروبا الوسطى والشرقية، غير أن قدرة جازبروم على التأثير في السوق يمكن بالتأكيد أن تزيد.
وقال ستيرن من معهد أوكسفورد: “سيكون لروسيا لفترة طويلة من الزمن قدرة كبيرة على التأثير على الأسعار من خلال إما الإسهام أو المنع لكميات ضخمة من الغاز في السوق”.

نقلاً عن: «انترناشيونال هيرالد تريبيون»
ترجمة: عماد الدين زكي

اقرأ أيضا

هبوط الليرة التركية لأدنى مستوياتها منذ سبتمبر 2018