إبراهيم الملا

«جئت دبي وأنا صبي.. من غير أمي وأبي» .. تكاد تكون كلمة «اليتم»، هي المعادل الموضوعي لحياة الشاعر الكبير والرمز الحاضر: مبارك بن حمد العقيلي (1875 - 1954م)، اليتم بحضوره المُجسّد، وبوقعه المعنوي أيضاً، حتى صارت هذه الكلمة أمثولة ملازمة له في حلّه وترحاله، وباتت صفة مقيمة في الروح، اتّسع مداها بعد ذلك لتكون عنواناً للغربة الوجودية، والاغتراب الذاتي.

افتقد العقيلي مبكراً رعاية الأب واحتضانه، بعد أن سقط والده ميتاً من فوق ظهر راحلته أثناء تجواله في الأراضي العمانية، وافتقد حريته ثانياً عندما زجّت به السلطات العثمانية في السجن بمنطقة الأحساء التي ولد بها، وفقد حبيبته «موزة» بعد نفيه إلى العراق، ثم انتقاله إلى عمان، والبحرين، وأخيراً وصوله إلى دبي واستقراره بها إلى آخر حياته.
هذا الفقد الثلاثي، وهذا اليتم العارم، ساهما بلا شك في تكوين شخصية العقيلي وصقل حواسّه، وشحذ مقاومته الداخلية إزاء عنف الخارج وشراسته وتبدّل ظروفه وانساقه، فارتقى لحالة شمولية في فهم الحياة وهضم تحولاتها وتقلباتها، حالة أفاضت عليه وجداً صوفياً مداره التعفّف والزهد والاستبصار والحكمة، حيث امتلك معيناً وافياً من عطايا الفكر والفن والشعر والجمال والفرادة الإبداعية، فهو صاحب الروح الكبيرة التي هيمنت ببعديها الثقافي والأدبي على أرجاء واسعة من مناطق الجزيرة العربية، وامتلك الهوية التي تضيق بها الأماكن، وتفسح لها الصدور قلوبها، والعقول أذهانها، والأفئدة خواطرها، والأسماع مروياتها، مسترسلاً بحدسه وموهبته في اجتذاب الناس إليه، سواء كانوا من التجار والأعيان وعلية القوم، أو من الفتية الشغوفين بالعلم والكتابة والأدب، والذين تتلمذوا على يديه في بيته الذي شيده بمنطقة ديرة في دبي، وتحديداً في منطقة الرأس، وهو البيت الذي تحوّل اليوم إلى متحف ومزار وشاهد ثقافي مهم، يضم بين جنباته تراث العقيلي الشعري، ومخطوطاته، ومراسلاته، وآثاره الملموسة وأطيافه الفاتنة التي كان ولا يزال لها في كل موقع بالبيت بصمة وحضور وضوء يخترق ليل الزمان وحلكة الدهر، ويطرّز ظلال الوجد والذاكرة البهيّة لواحد من أكثر شعراء الخليج استحواذاً للمكانة الأدبية الرفيعة، ولسحر البلاغة، وكمال المنطق، وعذب الكلام.
عاش العقيلي حالة تعويضية مكررة تجاه هذا الفقد الثلاثي وتجاه هذا اليتم العميق، بتضاعيفه وانعكاس امتداده في اللاوعي، مثله مثل شاعر الإمارات الكبير راشد الخضر، الذي فقد والده مبكراً، ثم فقد عشقه الأول في عجمان المتمثلة في صورة «علياء» الماثلة كوشم في الروح، وأخيراً، فقد أرض طفولته عندما أخذته الجهات إلى حوافّها الأخيرة دون عودة، واستطاع كلا الشاعرين العقيلي والخضر، تربية هذا الفقد في دواخلهما، وامتصاص الصدمة وترويضها، فكان للعقيلي آباء كثر من الشعراء القدامى الذين حفظ قصائدهم وأودعها خزائن عقله ووعيه، سواء كانوا من شعراء الجاهلية أو من شعراء الفترات الإسلامية المتعاقبة، أمثال: بشار بن برد، والمتنبي، وابن الدمينة، وأبو نواس، وكان للعقيلي ما لا يُعدّ ولا يُحصى من حبيبات سكنّ في الجوى، وامتلكن شغاف القلب، وما هنّ في النهاية إلا صور مكررة من طيف الحبيبة الأولى في الأحساء، تلك الحبيبة المحمية من تلف الذكرى وهجمة النسيان، فكان غالباً ما يستحضرها في كنف قصائده الجذلى وفي ردهات مخيلته الوارفة، أما فكرة الوطن، فكانت بالنسبة للعقيلي هي ذاكرة الظن، وكان جسده هو ذاكرة اليقين ووطنه الحقيقي المتجاوز لحدود الجغرافيا وسياج التاريخ.
يقول العقيلي في إحدى قصائده الخالدة والتي لن يتكرر مثلها، وهي بعنوان «جفا النوم»:
جفا النوم جفن الصبّ ما عاد يعتادي
ومن كان مثلي كيف يلتذّ برقادي
غريم الحشا والحب في مهجتي نشا
ودمعي وشى بلّي اكنيت بفوادي
عبارات عبرات اعتباري وعبرتي
بعابر سبيل للهوى في الهوى هادي
عيوني عيون عيّنت يوم عاينت
من العين عين إلّي تعيّن بلعنادي

تبوح هذه القصيدة بالقدرة الاستثنائية لدى العقيلي في تكوين منظومة شعرية لافتة من حيث الجمع بين الطباق والجناس والترادف ووضع الكلمات المتشابهة في سياق متبدّل.
واستعان الكثير من مطربي فن الصوت في الخليج بكلمات العقيلي وقصائده ومواويله التي تنضح بالسحر وحرارة العاطفة وبريق الوجدان، فمن أوائل من غنى له المطرب محمد بن فارس آل خليفه، ومن أشهر أغانيه قصيدة العقيلي التي حملت عنوان: «دمعي جرى في الخدود»، وذلك في بغداد عام 1938،
وقصيدة: «هاجت عليّ الشجون» و«قلب المعنّى عليل» وغيرها، كما غنى قصائد أخرى للعقيلي لكنه لم يسجلها، منها: «قلب المعنى عليل»، و«هاجت علي الشجون»، و«قلبك حجر أو حديد»، والملاحظ أن جميع هذه القصائد من نوع «المثلوثة»، أي التي لها 3 أشطر. وغنى له المطرب عبداللطيف الكويتي، والفنان العراقي: «داخل حسن»، وعوض الدوخي، ومحمد الزويّد، وأحمد الجميري، وغنى له المطرب الإماراتي الرائد محمد عبدالسلام الذي اشتهر بغناء الألوان الخليجية، وتلحين كثير من قصائد العقيلي، ويعتبر عبدالسلام أول مطرب محترف من مدينة دبي، ومن أشهر أغانيه، قصيدة العقيلي «قلبك حجر لو حديد»، كما يذكر ذلك الباحث الإماراتي علي العبدان في كتابه: «حرف وعزف». وكان مبارك بن حمد العقيلي زار الفنان محمد بن فارس في أواسط الثلاثينيات، وأقام لديه ضيفاً في بيته بمدينة المحرق مدة 3 أيام، أعطاه خلالها القصائد، أما فنان دبي محمد عبد السلام الشهير بلقب «مطرب الحي»، فكان هو الذي لحن الكثير من قصائد العقيلي بطريقة متنوعة، سواء من حيث أوزان القصائد، أم من حيث الألحان والقوالب الغنائية، فمن قصائد العقيلي التي لحنها وغناها محمد عبد السلام، وسجلها لصالح شركة «دبي فون»:
- قلبُ الشجيّ المُدَلّهْ (من بحر المجتث/‏‏ لحن صوت).
- علينا ما فعلتم غيرُ خافٍ (من بحر الوافر/‏‏ لحن خيّالي).
- قلبك حجر أو حديد (مثلوثة من بحر المجتث/‏‏ لحن يماني).
- هاجت علي الشجون (مثلوثة من بحر المجتث).
- آه من قلّ الرفيق (من وزن مجزوء الرمل/‏‏ لحن يماني).
- حديقة وردٍ أم خدودٌ نواعمُ (من بحر الطويل).
وفي الكويت لحن الفنان عبد اللطيف الكويتي قصيدة «قلب المعنى عليل» لمبارك العقيلي بقالب فن الصوت الكويتي.
وأخذها عنه تلميذه الفنان محمد زويد، فغنى جميع الأصوات السابق ذكرها، وقام بتسجيلها، لأن أستاذه بن فارس لم يتمكن إلا من تسجيل صوت واحد، هو «دمعي جرى في الخدود»، كما علمنا. وحصل محمد عبد السلام على هذه القصائد عن طريق السيد الوجيه يوسف الخاجة صاحب شركة دبي فون، والذي كان تلميذاً وفياً ومخلصاً للشاعر مبارك بن حمد العقيلي، وهو الذي حفظ قصائده من الضياع.
واستعان البحارة على متون سفنهم بمواويل العقيلي التي أدّاها النهامون في ليالي السمر وسط غبّة الماء، ومن هذه المواويل التي يتردد صداها في ذاكرة أهل البحر ومريديه:
يا من غرامه تلفني ما بقى لي وجود
إجبر كسير المحبة بالوصال وجود
من حسن ذاتك وأصلك من كرام وجود
متولّع بك وقلبه مشتعل بالوجد
حيران تايه معنّى يسألك بالوجد
حاشاك مثله تشوفه يا قمر بالوجد

مناصرة فلسطين
للعقيلي قصائد عدة لمناصرة أهل فلسطين، داعياً العرب لمجابهة الأعداء الطامعين في نهب خيراتهم وسلب مقدساتهم، وكان احتجاجه العلني ضد الأتراك المحتلين لبلدة الأحساء سبباً في سجنه ونفيه بعد ذلك إلى العراق، وفي ذلك يقول العقيلي شعراً:
دخلنا بحبس الترك من غير سبّة
نجازى بها والنفس فيها نلومها
وفي قصيدة أخرى حول نفس الحادثة، يقول العقيلي:
أنا هذا الحبس لي فيه الفخر
ما انخفض صوتي ولا لي العزم حار
ما به الاّ من تمكن وافتقر
لو تدرَّا الشين ملزوم يدار
يا لداتي في المعارف والنظر
الصبر في الذل للاحرار عار
حبستي هذي بها كل العبر
من يديِّن خير يستافي بوار
ويذكر الباحث بلال البدور الذي جمع وحقّق ديوان العقيلي بعنوان: «كفاية الغريم عن المدامة والنديم» أن العقيلي أول من كتب نصاً قصصياً في منطقة الخليج، وذلك في العام 1936 تقريباً، وانقسم النص القصصي -كما يشير البدور- إلى قسمين الأول يحكي مشاهدته لشخص معمم وآخر فقير، متخيلاً الحوار الذي دار بينهما، والثاني يدور حول رحلة على متن سفينة، وما تضمنته من مواقف وحوارات بين المؤلف والمسافرين. مشيراً إلى أن المعلومات المتعقلة بهذا الموضوع لم يتم نشرها حتى الآن، مضيفاً أن الشاعر مبارك العقيلي كتب نصاً بعنوان «خطاب إلى عصبة الأمم المتحدة» في العام 1938 يمكن أن يعد أول مسرحية شعرية في المنطقة.

«العامية» والفصحى
كتب مبارك بن حمد العقيلي (1875 - 1954م) الشعر بنوعيه: العامي والفصيح، وأبدع في كلا النوعين مستعيناً بذكائه وألمعيته وقدرته التي تفوق الآخرين في الحفظ واستعادة المخزون الهائل من كنوز الأدب العربي، وجواهر الشعر النبطي، ما مكّنه من كتابة صنوف شعرية متنوعة مثل: التشطير، والتخميس، والتشجير، والردود والمساجلات، إضافة إلى اطلاعه على تاريخ الأمم وعلوم المتصوفة والرياضيات والفقه والمنطق والفلسفة، وتفوقه في النقش والكتابة والنثر وتدوين المخطوطات والرسائل، والإحاطة بفنون الزخرفة وأنواع الخط العربي، وكان ماهراً في الكتابة بكلتا يديه اليمنى واليسرى، وكان ينقش الآيات والسور القرآنية على المجسمات الصغيرة التي يصعب الكتابة عليها، ما أكسبه هالة من السمعة الخارقة والقدرة العجائبية التي انتشر صداها في الأرجاء، وكانت محل إعجاب وتقدير واستحسان من الناس والأهالي الذين توافدوا عليه في بيته بدبي، حيث كان صاحب مجلس مليء بالإمتاع والمؤانسة، وبصنوف الأحاديث والقصص والروايات والقصائد التي لا يملّ السامع منها، بل تزيده رغبة في البقاء في مجلس العقيلي، واقتباس حكاياته والتزوّد من نوادره.